الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                صفحة جزء
                                                                                                                فرع

                                                                                                                في الكتاب : إذا اشترى ثوبين فضاعا في أيام الخيار ، ولم يتصدق لزماه بالثمن ; لأن يده غير مؤمنة كان أكثر من القيمة أو أقل ; لأن له إمضاء البيع بالثمن فإن ضاع أحدهما لزمه بحصته ، فإن اشترى أحدهما والآخر أخذه منهما فضاعا ضمن أحدهما ، وهو في الآخر أمين ، فإن ضاع أحدهما ضمن نصف ثمنه لدورانه بين الضمان وعدمه ، وله أخذ الثاني ورده لدورانه بين المبيع وغيره .

                                                                                                                وهو يستحق بالعقد ثوبا ، وكذلك إذا قبض ثلاثة دنانير ليختار منها ثوبا دينارا كان له دينار فتلف اثنان كان شريكا ، قال أشهب : لو كان بدل الثوبين عبدين فللهلاك من البائع وللمبتاع أخذ الباقي ; لأنهما لا يغاب عليهما ، قال ابن القاسم : للمبتاع أخذ الثوبين بالثمن الذي سمى فيما قرب من أيام الخيار وينقص البيع إلا أن يكون أشهد أنه اختار في أيام الخيار أو ما قرب ; لأنه بعد أيام الخيار مدع فإن أشهد فهو أمين في الباقي ، وهلاكه من بائعه ، قال ابن يونس : قال بعض القرويين : إن كان الهالك وجه الصفقة لزماه جميعا كضياع [ ص: 47 ] الجميع ويتهم على تغييبه ، والعبدان أو الثوبان على أن يختار أحدهما بثمن واحد ، أما لو قال هذا بعشرة وهذا بخمسة امتنع ; لأنه بيعتان في بيعة إلا أن يكون على غير الإلزام ، بل بالخيار فيجوز لنفي التزام الغرر ، وأجازه ابن أبي سلمة على الإلزام إذا استوى زنة أفراد الدراهم ، وكأنه أخذ الذي بعشرة ثم رده . وأخذ الذي بخمسة ووضع عند خمسة فصارت خمسة وثوب بثوب العشرة .

                                                                                                                ولو اختلف وزن بالدراهم هذه ناقصة وهذه وازنة امتنع عند الجميع لتحقيق الربا بين القصتين ، وفي كتاب محمد : إذا اشترى ثوبا من ثوبين من جنس واحد والثمن واحد فهلك أحدهما بيد المبتاع في الخيار ، أو دخله عيب فهو بينهما وعليه ثمن نصف كل ثوب لاختلاط الأمانة فصار من باب التداعي ، فإن اختلف الثمن وألزم نفسه أحدهما على الوجوب امتنع ، ويضمن نصف قيمتها إن هلكا أو نصف قيمة أحدهما إن هلك ، ويرد الباقي إن لم يفت لفساد العقد ، فإن فات فهو بينهما وعليه نصف قيمته ، قال اللخمي : قال ابن كنانة : الضمان من مشترط الخيار فإن أفات المشتري الثوب والخيار للبائع لم يضمن ; لأن المشتري قصد أخذه بغير خيار ، فامتنع البائع ووقفه بخيار نفسه ومنفعته ، وصار قاصدا الائتمان ، وإن بقي بيد البائع والخيار للمشتري ضمنه البائع على القول المشهور ، وقول ابن كنانة فإن قال المشتري : أنا أقبله فعلى قول ابن القاسم يحلف البائع : لقد ضاع ويبرأ ، وعلى قول أشهب يحلف ويغرم فضل القيمة على الثمن ، فإن ضاع عند المشتري والخيار له ، قال ابن القاسم : يغرم الثمن بغير يمين ، وكذلك إن كان الخيار وقيمته أقل من الثمن ، وإن كانت أكثر حلفا لقد ضاع وغرم الثمن ، فإن نكل غرم القيمة ، قال أشهب : إن كان الخيار للمشتري غرم الأول من القيمة والثمن ، فإن كان الثمن أقل غرمه بغير يمين ; لأنه كان له أن يقيله ، وإن كانت القيمة أقل غرمها بعد اليمين فإن نكل عن اليمين فإن كان الخيار للبائع غرم الأكثر من الثمن أو القيمة ، فإن كان الثمن أكثر وقال : أنا أجيز البيع أو القيمة أكثر قال : لا أجيزه وأخذ القيمة ، وأما [ ص: 48 ] الثوبان : ففيهما أربع صور :

                                                                                                                الصورة الأولى : أن يخير في العقد والتعيين معا بأن يأخذهما اختار أحدهما أو يردهما فيدعي ضياعهما فأربعة أقوال : يضمن أحدهما بالثمن عند ابن القاسم ; لأنه مقتضى العقد ، والآخر بالقيمة ; لأنه غير مبيع ، وأحدهما بالقيمة والآخر بالأقل من الثمن أو القيمة عند أشهب ; لأن له رد البيع ، وعن ابن القاسم : إن تطوع البائع وقال : اختر واحدا منهما ضمن واحدا ; لأنه جعله منافي الآخر ، وإن سأل ذلك المشتري وضمنها لعدم الأمانة فيهما ، وعند ابن حبيب : يضمنهما بالثمن ; لأنه ينتقل بالخيار من ملك إلى هذا ، فإن باع أحدهما ضمن نصف ثمن التالف عند ابن القاسم ، ويخير في الباقي ; لأن له ثوبا بالعقد لم يصل إليه ، وقال محمد : ليس له أن يختار إلا نصف الباقي ; لأنه لم يبعه ثوبا ونصفا ، وفي الجواهر : إذا ادعى ضياع أحدهما جرى على الخلاف المتقدم ، فعلى قول ابن القاسم : يضمن نصف ثمن التالف لتردده بين المبيع فيلزم الثمن أو الأمانة فلا يلزمه شيء ، وعلى قول أشهب : يضمن الضائع كله ; لأنه يضمنهما جميعا إذا ضاعا ، وقال أشهب أيضا : إذا أخذ الثاني كان عليه بالثمن والتالف بالقيمة ، وإن رده فعليه التالف بالأقل من الثمن أو القيمة ، وإذا فرعنا على قول ابن القاسم : فله أن يختار كل الباقي ، وقال محمد : ليس له أن يختار إلا نصفه ، وسبب القولين تغليب حكم التلف أو الامتثال .

                                                                                                                التالي السابق


                                                                                                                الخدمات العلمية