الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                صفحة جزء
                                                                                                                فرع

                                                                                                                قال اللخمي : لا يضمن الصانع ما حدث عن صنعه إذا كان الغالب حدوثه كالرمح يقومه ، والقوس يغمزه ، والفص ينقشه ، إلا أن يغر أو يفرط ، قاله مالك وابن القاسم ; كاحتراق الخبز عند الفران ، والغزل عند المبيض ، وضمنه ابن عبد الحكم فيهما .

                                                                                                                فرع

                                                                                                                قال : إذا قلت : أسلمه بعد الفراغ لغسال أو مطرز ، فقال : فعلت ، وأنكر الآخر أو صدقه وقال : ضاع عندي ، صدقه عبد الملك ; لأنه وكيل في الدفع ، ولم يصدقه أصبغ قياسا على دعوى الرد ، ويختلف إذا صدقه فقال : ضاع مني ، وقبول قوله أحسن ، فيحلف الصانع : لقد سلمه إليه ، ويحلف الآخر : لقد ضاع وتكون مصيبته من صاحبه ، إلا أن يكون الثاني منتصبا فيضمن ، وإذا قال الحمال : أسلمت الخبز للفران ، حلف الفران وضمن الحامل ; لأن الأصل : عدم وصوله إليه ، وإن قال الفران : رددته للحمال ، وكذبه ، حلف الحمال ، وضمن الفران ; لأن الأصل : عدم الرد .

                                                                                                                فرع

                                                                                                                قال : إذا كان الفساد من الصانع بتفريط ، ومن الأجنبي طالبت أيهما [ ص: 524 ] أردت ، فإن أخذت الصانع رجع على الأجنبي ; لأنه تعدى عليه فيما هو ضامن له ، أو أخذت الأجنبي لم يرجع على الصانع ; لأنه لم يفسد بل فرط ، فإن كان من الصانع بغلط أو عمد ، لك الابتداء بالصانع ; لأنه الأصل في الضمان ، واختلف هل يرجع على الأجنبي ؟ .

                                                                                                                فرع

                                                                                                                قال الأبهري : إذا سقط من يده فانكسر ، فلا ضمان عليه ولا أجرة ; لعدم تسليم المنفعة ، وإن سقط من يده عليه شيء فكسره ضمن ، والفرق : أنه أذن له في الحمل ، ولم يأذن له في إسقاط شيء عليه .

                                                                                                                فرع

                                                                                                                في الكتاب : كل ما هلك بسبب حامله أو دابته فلا كراء لعدم تسليم المنفعة ، وليس له إلزامك بأن تأتي بمثله ليحمل حتى يأخذ الأجرة ، وكذلك هروب الدابة وغرق السفينة ; لأن ذلك على البلاغ ، وقال غيره : في الدابة جميع الكراء في الهالك بعثار ، وكريه حمل مثله كالهالك باللصوص .

                                                                                                                فرع

                                                                                                                في الكتاب : إذا اكتريت ثورا فكسر الطاحون وآلتها ، لم يضمن ربه ; لأن فعل العجماء جبار ، إلا أن يغرك ، أو دابة على حمل دهن فعثرت ضمن قيم الدهن إن غرك بموضع أثر التعدي ، وقال غيره : بل بموضع الحمل لأنه منه تعد ، وإذا هلك الطعام بالزحام ضمن المزاحم ; لأنه متلف ، وكذلك كل من أفرط في ضرب دابته أو سوقها ، أو فعل ماليس له فعله ، وإلا فلا . [ ص: 525 ] فرع

                                                                                                                إذا أكرى المكتري لغيره دارا فهدمها الثاني ضمن دون الأول ; لأنه المباشر ، قال اللخمي : لو هدمها المكتري خيرت بين قيمتها غير مكرية وينفسخ الكراء ، أو قيمتها مستثناة المنافع ، ويكون له الكراء ، ولو هدمتها أنت خير بين فسخ الكراء وأخذ فضل الكراء من المسمى ، ويسقط مقال المكتري في هدم المبني ; لأنه سلم المنافع ، وتخير أنت بين تضمين الأجنبي قيمتها على أن لا كراء فيها ، أو قيمتها مستثناة المنافع ، وتأخذ المسمى ; لأنه كان لك على المكتري فأبطله بالهدم أصلا ، أما إن أكراها المكتري فهدمها صاحبها بدئ بالمكتري الآخر ، فإن رضي بفسخ الكراء كان المقال له ، وصاحب الدار يتخير في فسخ الكراء عن نفسه ، أو يأخذ فضل قيمة الكراء ; لأن المنافع حقه ، أو فضل ما اكترى به من الآخر عن المسمى إن كان أكثر ; لأنه أبطله عليه بالهدم ، وإن هدمها المكتري الأول خير ربها بين قيمتها الآن غير مكتراة ويفسخ الكراء ، أو قيمتها على أنها لا تقبض إلا بعد مدة الإجارة ، ويأخذ منه الكراء ، ويكون المقال بين المتكاريين فيرجع الآخر على الأول بفضل قيمة الكراء ، أو يفسخ الكراء عن نفسه إن كان المسمى أكثر ، وإن هدمها المكتري الآخر : فعليه قيمتها غير مكرية ، أو قيمتها على أنها تقبض بعد مدة الكراء ، أو يغرم الكراء لرب الدار مع القيمة ، وللمكتري الأول الرجوع على الثاني بفضل الكراء ، وإن هدمها أجنبي خيرت بين تغريمه قيمتها غير مكرية ، أو على أنها تقبض بعد مدة الإجارة فتأخذ منه الكراء وينفسخ الكراء ; لأن لك ملك الرقبة بالأصالة ، والأجرة بالعقد ، ولا مقال لواحد من المتكاريين على الآخر .

                                                                                                                فرع

                                                                                                                في النوادر : العبد المأذون له في الصنعة يضمن الإفساد ، والجناية في ذمته [ ص: 526 ] كالحر ، بجامع زوال الحجر .

                                                                                                                فرع

                                                                                                                قال : المستأجر على حراسة بيت فينام فيسرق البيت : قال مالك : لا يضمن ، وله الأجرة ، وكذلك الخيل والغنم إلا أن يفرط .

                                                                                                                فرع

                                                                                                                قال : قال مالك : إذا ابتل الطعام في السفينة بللا مفسدا ضمنوا إذا لم يكن ربه معه ; لأنه يتهم في أخذه ، ويبل الباقي ليزيد ، فإن كان بللا لا يزيد : فلا شيء عليهم ، وإن شك فيه : اختلفوا ، قال ابن القاسم : وحيث ضمنوا فلا يأخذ في النقص ذهبا إن أكرى بذهب إن نقد ، والإجاز خشية النسيئة في النقد ، وله أخذ الشعير في الشعير ; لأن الهلاك يوجب غرم المثل .

                                                                                                                فرع

                                                                                                                قال : لو استأجر نواتية في السفينة يحملون للناس ، ضمنوا ، وكذلك في الظهر ، قاله مالك : لوجود التهمة .

                                                                                                                فرع

                                                                                                                قال : إذا اكترى دابة لا يصدق في موتها إلا ببينة إن كان في جماعة ، وإلا صدق مع يمينه ، ويصدق في ردها إلا أن يقبضها ببينة ، ويصدق في ذهابها مطلقا ، وكذلك وقوفها في الطريق ، قال ابن حبيب : فإن اشترط ضمانها فهو فاسد لمناقضة العقد ، قال مالك : ولو حبسها بعد الكراء ضمنها لأنه متعد ، وعليه كراء المثل إن سلمت ، قال ابن القاسم : أما الساعة فلا يلزمه إلا كراؤها على قدر ما حبسها ، قال ابن حبيب : إن حبسها بعد الشرط الأيام اليسيرة فأتى بها تغيرا شديدا ، خير بين قيمتها بعد الشرط وكرائها الأول ، أو الدابة [ ص: 527 ] وكراء الحبس والكراء الأول ، وإن حبسها أياما كثيرة حتى حالت أسواقها : خير ربها وإن لم تتغير ، والعارية مثلها في حبسها في القليل والكثير .

                                                                                                                تمهيد قال ابن يونس : الهالك خمسة أقسام : ما هلك بسبب حامله من عثار أو ضعف حبل لم يغرم منه ، أو ذهاب دابة أو سفينة بما فيها ، فلا ضمان ولا أجرة ، ولا عليه أن يأتي بمثله ليحمله ، قاله مالك ، وقال غيره : ما هلك بعثار كالهالك بأمر من الله تعالى ، وقال ابن نافع : لرب السفينة بحساب ما بلغت ، وما غر فيه بضعف حبل يضمن فيه القيمة بموضع الهلاك ; لأنه موضع أثر التفريط ، وله من الكراء بحسابه ، وقيل : موضع الحمل منه ; لأن منه ابتداء التعدي ، وما هلك بأمر من الله - تعالى - بالبينة فله الكراء كله ، وعليه حمل مثله من موضع الهلاك ، وما هلك بقولهم من الطعام لا يصدقون فيه لامتداد الأيدي إليه ، ولهم الكراء كله ; لأنهم استحقوه بالعقد ، وما هلك بأيديهم من العروض يصدقون فيه ; لعدم التهمة ، ولهم الكراء كله ، وعليهم حمل مثله من موضع الهلاك ; لأنهم لما صدقوا أشبه ما هلك بأمر من الله تعالى ، وقال ابن حبيب : لهم من الكراء بحساب ما بلغوا ، ويفسخ الكراء ; لأنه لما كان لا يعلم إلا من قولهم أشبه ما هلك بعثار .

                                                                                                                فرع

                                                                                                                في الكتاب : إذا زاد الطعام أو نقص ما يشبه فلا شيء لهم ولا عليهم وما [ ص: 528 ] لا يشبه وقالوا : زدناها غلطا وصدقتهم أخذتها وغرمت كراءها ، أو أنكرت صدقت ولك تركها ; لأنه قد يغترق الكراء لهم ، وإن زاد الكيل ليس لك أخذ الزيادة إلا أن تكون معروفة عند الناس ، قال ابن يونس : إذا اكتريت الزيادة أو كان الحمال غلط بحملها ، لك أخذها ودفع كرائها ، وتضمنه مثلها بموضع الحمل ; لأنك لم تأمر بحملها .

                                                                                                                فرع

                                                                                                                قال ابن يونس : فإن حمل غير المتاع غلطا خيرت بين تضمينه القيمة بموضع الحمل ، قال أشهب : ولا كراء له بحمله غير المأذون ، قال ابن القاسم : له الكراء لحصول المنفعة ، وليس لك تكليفه رده لعدم اقتضاء العقد ذلك ، ولا للحمال أن يفعل ذلك إذا أردت أخذه ; لأنه مالك ، والكراء بينكما قائم ، فيرجع ليحمل ما استؤجر عليه ، وقال أصبغ : عليه رده وهو في ضمانه في رده ; لأنه متعد بإخراجه ، فإن حمله تعديا : قال ابن القاسم : خيرت بين قيمته وأخذه بغير كراء .

                                                                                                                التالي السابق


                                                                                                                الخدمات العلمية