الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                صفحة جزء
                                                                                                                الفصل الثاني : في قدرها

                                                                                                                وفي ( الجواهر ) : لا تحديد فيها إن كانت بسبب العطش ، بل توضع مطلقا ; لأن السقي مشترى ، والأصل : الرجوع بالمشترى أو أجزائه إذا لم تقبض ، كانت تشرب من العين أو من السماء ومن غير العطش يسقط منها الثلث فما فوق دون ما دونه ، وقال ( ح ) : لا توضع الجائحة مطلقا وقاله ( ش ) ، وقال أيضا : يوضع القليل والكثير .

                                                                                                                احتجا بما في ( الموطأ ) : ( قالت عائشة رضي الله عنها : ابتاع رجل ثمرة فنقصت عليه ، فسأل البائع أن يضع عنه ، فحلف البائع أن لا يضع فذهبت أم المشتري إليه عليه السلام فقال : تألى أن لا يفعل خيرا ، فسمع رب الحائط فقال : يا رسول الله هو له ) وجه الدليل : أنه عليه السلام لم يلزمه ذلك ، وبقوله عليه السلام : أرأيت إن منع الله الثمرة بم يأخذ أحدكم مال أخيه ؟

                                                                                                                فأثبت المال له مع ذهاب الثمرة : فدل أنها لا توضع الجائحة ، والقياس على سائر العيوب الحادثة بعد القبض في غير صورة النزاع ، أو بالقياس على العطش ، ومحل الأخبار الواردة بوضع الجوائح أنها أصابتها قبل القبض ، جمعا بينها وبين القواعد ، والجواب عن الأول : أنه لم يقل أن النقص بالجائحة المذهبة للثلث فلعله حوالة سوق أو جائحة دون الثلث ، ولم [ ص: 214 ] يتعرض اللفظ لشيء من ذلك فسقط الاستدلال ، وعن الثاني : أنه حجة عليكم ; لأنه جعل المال لأخيه دونه بسبب الجائحة ، ثم إنه معرض بما في مسلم : قال عليه السلام : ( لو بعت من أخيك تمرا ثم أصابته جائحة فلا يحل لك أن تأخذ منه شيئا ، إنما تأخذ مال أخيك بغير حق ) وفي ( الأحكام ) لعبد الحق من رواية ابن حبيب : قال عليه السلام : ( إذا أصيب ثلث الثمرة فقد وجب على البائع الوضيعة ) وعن الثالث : الفرق بأن الثمرة بقي فيها حق توفية من السقي واستحقاق البقاء إلى اليبس فلم يقبض ، وعن الرابع : الفرق بأن المشتري دخل على سقوط بعض الثمرة بالريح وغيره بخلاف العطش ، وعن الخامس : أن قبض الثمرة إنما يتحقق بجد الثمرة ويبسها ، وأما قبل ذلك : ففيها حق توفية البقاء ، فحمل الأحاديث على ما قبل القبض موافق لما قلناه ، فلا يرد علينا ، وأقوى ما لهم ما في مسلم في الذي اشترى ثمرة فأصيبت ، فقال عليه السلام : ( تصدقوا عليه ، ثم قال لغرمائه : ( خذوا ما وجدتم ، وليس لكم إلا ذلك ) وجوابه : أنها قضية عين ، فيحتمل أنه اشتراها بعد اليبس ، ونحن نقول به ، ويقال : إن هذا الرجل معاذ بن جبل ، ويتأكد مذهبنا بأن المشتري دخل في العادة على سقوط [ ص: 215 ] الثمار بعفن أو ريح أو طير ، وما دخل عليه لا يسقط عنه ، ويتأكد الانتقال إلى ما هو أكثر منه ، والثلث معتبر في صور الوصية وغيرها ، فيعتبرها هنا ، ولأنه لا يصدق في العادة أن ثمرة فلان أجيحت إلا إذا ذهب منها ما له بال ، قال اللخمي : وليس كذلك البقول ; لأن العادة سلامتها فيوضع الجميع وإن قل ، قال : وتعليلهم الثلث بأن المشتري دخل على السقوط يلزم عليه أن يسقط مقاله فيما يهلك غالبا كان ربعا أو ثلثا أو غيره ، ويسقط عنه الزائد عليه ، فإذا كانت العادة الربع ، وهلك الثلث سقط عنه نصف السدس ، ويلزم أن يفرق بين ما شأنه السقوط كالزيتون والتمر ، وما ليس كذلك كالرمان .

                                                                                                                التالي السابق


                                                                                                                الخدمات العلمية