الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب الضمان شغل ذمة أخرى بالحق

جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 222 ] وضمنه إن اقتضاه لا أرسل به

التالي السابق


( و ) إن سلمه له فضاع ( ضمنه ) أي الكفيل المال ( إن اقتضاه ) أي أخذ الكفيل المال من المضمون على وجه الاقتضاء والتخليص لتنزله منزلة صاحب المال ، فهو وكيل عنه بغير إذنه تعديا ( لا ) يضمن الكفيل المال الذي استلمه من المضمون إن ( أرسل ) بضم الهمز وكسر السين ، أي الضامن أي أرسله المضمون ( به ) أي المال لربه لأنه حينئذ أمين للمضمون ، فضمان المال على المضمون حتى يصل لربه .

الحط هذه المسألة في السلم الثاني من المدونة ، وقد أشبع الكلام عليها الركراكي في شرح مشكلات المدونة ، ونصه لا يخلو قبض الكفيل الطعام من الذي عليه السلم من خمسة أوجه :

الأول : أن يقبضه على معنى الرسالة فلا يخلو الطعام من كونه قائما بيده أو فائتا ، فإن كان قائما فالطالب مخير إن شاء أتبع الكفيل ، وإن شاء أتبع الأصل ، ولا خلاف في هذا . وإن فات الطعام فلا يخلو من كونه بتلف أو إتلاف ، فإن كان بتلف فهو مصدق ولا ضمان عليه ، ويبقى عليه الطلب بالكفالة خاصة ، ثم يجري على الخلاف المعهود في الحمالة في التبدئة بالمطالبة ، وإن كان بإتلاف من الكفيل فهو ضامن للأصيل مثل ذلك الطعام ، فإن غرم الكفيل الطعام للطالب فلا تراجع بينه وبين الأصيل ، فإن غرمه للأصيل فإنه يرجع على الكفيل بمثل طعامه أو أخذ ثمنه إن باعه ، ولا خلاف في هذا الوجه ، وإن غرم الكفيل الطعام للطالب بعد أن باع ما أخذ من الأصيل فأراد الأصيل أن يدفع له مثل ما غرم من الطعام ويأخذ منه الثمن فليس له ذلك .

الثاني : أن يقبضه على معنى الوكالة ، فإذا قبضه برئت ذمة الأصيل قولا واحدا ، فإن الطالب يجوز له بيعه بقبض الكفيل ، فإن تعدى عليه الكفيل بعد صحة قبضه فالعداء على الطالب وقع بلا إشكال .

الثالث : أن يقبضه على معنى الاقتضاء إما بحكم حاكم على وجه يصح القضاء به ، كما إذا غاب الطالب وحل الأجل وخاف الكفيل إعدام الأصيل وإحداث الفلس ، وبهذا [ ص: 223 ] يؤول ما وقع في المدونة من قوله قبضه بحكم قاض أو قبضه برضا الذي عليه الطعام بلا حكم ، فالكفيل في هذا الوجه ضامن بوضع يده على الطعام وذمته عامرة به أو بمثله حتى يوصله إلى طالبه ، وله مطالبة من شاء منهما اتفاقا مع قيام الطعام بيد الكفيل أو فواته ، فإن غرم الأصيل فله الرجوع على الكفيل بطعامه أو مثله إن أتلفه ، أو بثمنه إن باعه إن شاء أخذ الثمن . ولا يجوز لطالبه بيعه بهذا القبض إن كان قائما ولا أخذ ثمنه إن باعه لأنه بيع الطعام قبل قبضه ، فإن أخذ منه الطالب مثل طعامه بعد بيعه ما اقتضاه ساغ الثمن له ، فإن أراد الأصيل أن يدفع له مثل الطعام الذي غرمه ويأخذ منه الثمن فليس ذلك له .

الرابع : اختلافهما في صفة القبض فادعى الكفيل أنه على معنى الإرسال والأصيل أنه على معنى الاقتضاء ، ففيه قولان قائمان من المدونة أحدهما أن القول قول الأصيل ، وهو قول مالك رضي الله تعالى عنه في القرض إذا قال قابضه قبضته على معنى الوديعة . وقال رب المال بل قرضا إن القول قول رب المال . والثاني أن القول قول القابض وهو قول أشهب وغيره ، وهو ظاهر المدونة في غير ما موضع ، وسبب الخلاف تعارض أصلين أحدهما اتفاقهما على أن المال المقبوض للدافع ولا شيء فيه للقابض ، وقد أقر بقبضه ثم ادعى ما يسقط الضمان عنه فالأصل أن لا يقبل منه إلا بدليل ، والأصول موضوعة على أن وضع اليد في مال الغير بغير شبهة يوجب الضمان ، وبهذا قيل القول قول الأصيل ، والأصل الثاني أن الأصل في الحظر والإباحة إذا اجتمعا أن يغلب حكم الحظر ، والكفيل هاهنا قد ادعى قبضا صحيحا ، والأصيل قد ادعى قبضا فاسدا ، فوجب كون القول قول القابض الذي هو الكفيل لأن قوله قد أشبه وقد ادعى أمرا مباحا والأصيل قد ادعى الفساد لأن الكفيل لا يجوز له قبض الطعام من المكفول ، وإنما له مطالبته بالدفع إلى الطالب ليبرأ من الكفالة ، فإذا ادعى الأصيل عليه أنه قبضه على الاقتضاء فقد ادعى أمرا محظورا فوجب أن لا يصدق .

الخامس : إبهام الأمر وخلو القبض عن القرائن وقد مات الأصيل والكفيل ، فهل [ ص: 224 ] يحمل على الإرسال حتى يثبت القبض على الاقتضاء ، أو يحمل على الاقتضاء حتى يثبت الإرسال ، فهذا مما يتخرج فيه قولان . ا هـ . ولم يذكر في الوجه الأول إذا قبضه على معنى الرسالة وادعى التلف أنه يحلف . وقال ابن رشد وإن قبض على معنى الرسالة فالضمان من الدافع بعد يمين القابض على التلف ، ويبقى الحق عليهما على ما كان قبل ا هـ . ونقل أبو الحسن عن ابن يونس عن ابن المواز أن القول قول الحميل في دعواه بغير يمين لأنه مؤتمن وإن اتهم أحلف .

وقال ابن رشد في الوجه الثاني إذا قبضه على وجه الوكالة فهو مصدق في دعوى تلفه بيمينه إن اتهم ، وإذا صدق فيه كانت المصيبة من الطالب وبرئ المطلوب وسقطت الكفالة إذا كانت له بينة على الدفع ولا يكفي تصديق القابض إذا ادعى التلف ، ولا اختلاف في هذا .

ثم قال الحط وقوله في الوجه الثالث إذا قبضه على معنى الاقتضاء أن الكفيل ضامن سواء قبضه بحكم حاكم أو برضا من عليه الحق في كلام أبي الحسن خلافه . قال قوله بقضاء سلطان قال عبد الحق قال ابن وضاح أنكر سحنون هذا اللفظ ، وقال ليس للسلطان هنا حكم . قال ورأيت فيما أملاه بعض مشايخنا أن معناه أن يغيب الذي له الحق غيبة بعيدة ويحل الأجل ويقوم الكفيل على المكفول ، ويقول أخشى أن يعدم قبل قدومه فأغرم فينظر الحاكم ، فإن كان المكفول مليا فلا شيء عليه للكفيل ، وإن كان يخاف عليه العدم أو كان ملدا قضى عليه بدفع الدين وأبرأه منه وجعله عند عدل أو عند الكفيل إن كان ثقة ، ونقله ابن محرز عن ابن مسلمة . أبو الحسن إلا أن في هذا إحالة للمسألة عن وجهها إذ لا ضمان في هذا الفرض ، ومسألة الكتاب فيها الضمان ا هـ . وفي الذخيرة إذا أراد الحميل أخذ الحق بعد محله والطالب غائب وقال أخاف أن يفلس وهو ممن يخاف عدمه قبل قدومه ، أو لا يخاف إلا أنه كثير اللدد والمطل مكن منه ، فإن كان أمينا أقر عنده وإلا أودع ويبرأ الحميل والغريم وضمان المال من الغائب لأنه قبض له بالحاكم ، وإن كان المطلوب مليا وفيا فلا يؤخذ منه شيء لعدم الضرورة



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث