الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب في بيان أحكام الإقرار

جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 427 ] ومع الإناث والعصبة ، قولان ، كإقراره للولد العاق ، أو لأمه [ ص: 428 ] أو لأن من لم يقر له أبعد وأقرب ، لا المساوي والأقرب

التالي السابق


( تنبيهات )

الأول : حكم إقرار الزوجة لزوجها كحكم إقرار الزوج لها .



الثاني : طفي ما تقدم كله من إقرار الزوج أو الزوجة أو بعض الورثة لبعض وما فيه من التفصيل ، والخلاف إنما هو في إقرار المريض . أما إقرار الصحيح فصحيح ولا تهمة فيه ولا تفصيل ، سواء أقر لمن علم ميله له أم لا ورثه كلالة أم لا ، وسواء قام المقر له في صحته أو مرضه أو بعد موته ، هذا هو المشهور من المذهب وهو رواية المصريين ، ففي رسم البراءة من سماع عيسى من كتاب الدعوى والصلح وسألته عن الرجل يقر لولده أو امرأته أو لبعض من يرثه بدين في صحته ثم يموت الرجل بعد سنين فيطلب الوارث الدين الذي أقر له به قال ذلك له إذا أقر له في صحته . ابن رشد هذا هو المعلوم من قول ابن القاسم ، وروايته عن مالك رضي الله تعالى عنهما المشهور في المذهب .

وفي المبسوطة لابن كنانة والمخزومي وابن أبي حازم ومحمد بن مسلمة أنه لا شيء له ، وإن أقر له في صحته إذا لم تقم عليه بينة حتى هلك إلا أن يعرف أنه قد باع له رأسا أو أخذ من مورث له شيئا ، فإن عرف ذلك وإلا فلا شيء له ، وهو قول له وجه من [ ص: 429 ] النظر لأن الرجل يتهم أن يقر بدين في صحته لمن يثق به من ورثته على أن لا يقوم به حتى يموت فيكون وصية لوارث ا هـ .

وقال في سماع أصبغ وسئل عن الرجل يموت ويترك عمه وأمه وتقوم الأم بدين لها كأن أقر لها به في صحته ، قال لا كلام لعمه . قلت أرأيت إن طلب منها اليمين أن ذلك ما كان توليجا ، قال أما في الحكم فلا تلزمها . ابن رشد هذا هو المشهور في المذهب أن إقرار الرجل لوارثه بالدين في الصحة جائز ، وإن لم يقم به إلا بعد موته ثم ذكر قول ابن كنانة والمخزومي وابن أبي حازم ومحمد بن مسلمة ، وقال ابن سلمون في باب الإقرار وكل من أقر لوارث أو غيره في صحته بشيء من المال والدين وقبض أثمان المبيعات ، فإقراره جائز عليه لا تلحقه فيه تهمة ولا يظن به توليج والأجنبي والوارث في ذلك سواء ، وكذا القريب والعدو والصديق في الإقرار في الصحة سواء ، ولا يحتاج من أقر وأشهد على نفسه في صحته ببيع شيء وقبض ثمنه إلى معاينة البينة قبض الثمن ا هـ .

وقال في فصل التصيير الإقرار للوارث إما أن يكون في الصحة أو في المرض ، فإن كان في الصحة ففيه قولان ، أحدهما أن يؤخذ من تركته في الموت ويحاصص به الغرماء في الفلس ، وهو قول ابن القاسم في المدونة والعتبية . والثاني أنه لا يحاصص به الغرماء في الفلس ولا يأخذه من التركة في الموت وهو قول المدنيين للتهمة . ا هـ . فتحصل أن الإقرار في الصحة للوارث إذا لم يقم به إلا بعد موته إن كان يعرف وجهه وسببه فهو جائز اتفاقا ، وإلا ففيه قولان الصحة وهو المشهور . قول ابن القاسم في المدونة والعتبية وهي رواية المصريين وعدم الصحة وهو قول المدنيين ومختار ابن رشد ، فما في أحكام ابن سهل فيمن أشهد وهو صحيح أنه اشترى هذه الدار لابنه بألف دينار من مال الابن ، وأشهد أنه يكريها له ويغتلها باسمه والابن صغير لا يعلم له مال بوجه من الوجوه هو توليج فهو بين الورثة . ا هـ . وما في ابن سلمون من قوله سأل الفقهاء بقرطبة عن رجل باع من أم ولده أو زوجته نصف دار له في صحته وأشهد على البيع وقبض الثمن ثم توفي وقام أخوه وأثبت [ ص: 430 ] أن أخاه لم يزل ساكنا في الدار إلى أن مات وبعداوة الأخ له وإنه كان يقول لا أورثه شيئا ، فأجاب ابن عتاب إذا ثبت سكناه لها فذلك يبطل العقد ولا حق لها في الثمن ، إذ هذا ليس من الإقرار للوارث ، وإنما قصد هبة الدار وإسقاط الحيازة ، وبهذا قال من تقدم من شيوخنا ، وبه قال أصبغ وابن رشد .

وأجاب ابن الحاج ما عقد من ذلك غير جائز ولا نافذ ، وما ثبت من السكنى مبطل له ، ومع ذلك فإن البيع لم يتضمن معاينة القبض للثمن ، وذلك مما يستراب فيه ويظن به القصد إلى التوليج والخديعة ، وبذلك جاءت الرواية عن ابن القاسم ، سئل مالك رضي الله تعالى عنه عمن أشهد في صحته إني قد بعت منزلي هذا من امرأتي أو ابني أو وارثي بمال عظيم ولم ير أحد من الشهود الثمن ولم يزل بيد البائع إلى أن مات فقال لا يجوز هذا ، وليس بيعا ، وإنما هو توليج وخديعة ووصية لوارث ، وهذا نص في النازلة ا هـ كلام ابن سلمون كل ذلك يأتي على رواية المدنيين ، ولا يأتي على رواية المصريين والمشهور المعلوم من قول ابن القاسم في المدونة والعتبية إن إقرار الصحيح لا تلحقه تهمة ولا يظن به توليج ، سواء كان له ميل ومحبة للمقر أم لا ، نعم إن كان له ميل يحلف المقر له ما كان ذلك توليجا ، وأنه دفع الثمن كما قال ابن عاصم وغيره وما زلت أتعجب من أجوبة هؤلاء الشيوخ وعدم تنبيههم على مذهب ابن القاسم المشهور له في المدونة والعتبية وما في أحكام ابن سهل أصله لأصبغ آخر كتاب الوصايا من العتبية ، وقد جعله في معين الحكام مخالفا لقول ابن القاسم ، ونصه إذا اشترى الأب لابنه الصغير في حجره ربعا أو غيره ، وقال إن المال للابن وإن عرف الشهود الوجه الذي ذكره الأب أو عرفه غيرهم معنى ذلك للابن ، فإن لم يذكر الأب وجها فهل يصح ذلك للابن في ذلك قولان ، أحدهما أنه يصح للابن قاله ابن القاسم ، وبه القضاء وعليه العمل والآخر لا يصح إلا أن يعرف له مال وإلا كان توليجا من الأب قاله مطرف وأصبغ ا هـ .

وفي النوادر فيمن اشترى لابنه الصغير غلاما وأشهد أنه إنما اشتراه له فليس لورثته [ ص: 431 ] إن مات دخول فيه مع الصغير . ا هـ . وإطلاقه جاز على المشهور من قول ابن القاسم ، وإنما أطلت في هذه المسألة وخرجت عما قصدته من الاختصار وتتبع ألفاظ تت ، لأني لم أر من حققها مع مسيس الحاجة إليها . وقد اغتر عج ببعض ما تقدم من الفتاوى ظنا منه أنها جارية على المشهور ، فتورك بها على المصنف بأنه يقتضي أن الصحيح يجوز إقراره مطلقا . وأجاب بأنها تعود بالتخصيص في مفهوم قوله مريض ، وهو جواب غير صحيح ناشئ عن عدم التحقيق ، بل لا يخصص المفهوم بشيء من تلك الفتاوى .



الثالث تت لا فرق بين أن يقر أحدهما لصاحبه بدين أو بأنه قبض ماله عليه من دين . طفي هذا نص ابن رشد الذي جرى المصنف على تقسيمه وإطلاقه يشمل الأصدقة وغيرها ، لكن في المدونة ويجوز إقرار المريض بقبض الدين إلا من وارثه أو من يتهم فيه بتوليج ، وكذا لا يجوز إقرار الزوجة بقبض المهر المؤجل من زوجها في مرضها وأبقاها أبو الحسن على ظاهرها ، وزاد أبو عمران وكذا غير المؤجل لأنه معلوم أنه في ذمته . الشيخ وقول أبي عمران وهذا إن أقرت أنها قبضته بعد الدخول وإن أقرت أنها قبضته قبل الدخول صدقت ا هـ .

وفي المقرب قلت فإن قالت في مرضها قبضت من زوجي مؤخر صداقي لم يقبل قولها ، قال لا ، هو قول مالك ا هـ . وفي سماع ابن القاسم سئل مالك عمن قالت عند موتها قبضت صداقي من زوجي ، فقال أما المرأة التي لا ولد لها ومثلها يتهم فلا يجوز قولها ، وأما التي لها أولاد كبار ولعلها أن يكون بينها وبين زوجها غير الحسنى فهذه لا تتهم . ا هـ . وعلى هذا السماع اعتمد عبد الحق فقال إقرار الزوجة في مرضها بقبضها مهرها من زوجها وإقرار الزوج في مرضه بدين أو مهر لا فرق بينهما . وقال مالك في غير المدونة إذا أقرت في مرضها أنها أخذت مهرها من زوجها وهو حي فلا يجوز إلا أن يكون لها ولد من غيره وكان بينها وبينه أمر سيئ . ا هـ . فاشترط عبد الحق البغض بينهما كما يفهم من السماع ، والظاهر من كلامه موافقته للمدونة ومخالفته لتقسيم ابن رشد الذي سلكه [ ص: 432 ] المصنف المخالف لإطلاقها ، ويدل على هذا قولها عقب ما تقدم ولا يجوز إقرار المريض لبعض الورثة .

وأما إن أقر لزوجته في مرضه بدين أو مهر ، فإن لم يعرف منه إليها انقطاع وناحية وله ولد من غيرها فذلك جائز ، وإن عرف بانقطاع إليها ومودة وقد كان بينه وبين ولده تفاقم ولها منه ولد صغير فلا يجوز إقراره قيل أفغيرها من الورثة بهذه المنزلة فيمن له انقطاع أو بعد قال ، وإنما رأى مالك للزوجة لأنه لا يتهم إذا لم يكن له ولد منها ولم يعرف بانقطاع مودة إليها أن يقر إليها بماله عن ولده ، ثم قالت وأصل هذا قيام التهمة ، فإذا لم يتهم لمن يقر إليه دون من يرث معه جاز إقراره فهذا أصل ذلك . ا هـ . فإن تأملتها وجدتها مخالفة لتقسيم ابن رشد لإطلاقها في إقرار المريض لبعض ورثته وتقييدها في مجهول الحال مع زوجته يكون الولد من غيرها ، وتقييدها من علم بالانقطاع إليها يكون الزوج بينه وبين ولده تفاقم ، وقولها في غيرها من الورثة فقال لا .

عياض كذا في رواية إبراهيم بن محمد عن سحنون ، وفي رواية يحيى بن عمر وعليها اختصرها أبو سعيد . ابن يونس بعض أصحابنا الفرق بين الزوجة وغيرها من الورثة أن الورثة في الظنة أقوى لبقاء نسبهم ، والزوجية تنقطع بالموت والطلاق . عياض وعند ابن وضاح وآخرين أرى أنه يجوز بإسقاط لا ، فعلى هذا غيرها من الورثة بمنزلتها ، ويدل على هذا قوله بعد ، وأصل هذا قيام التهمة ، فالأولى الجري على مذهبها وترك تقسيم ابن رشد الذي بعضه اختيار له وإجراء ا هـ كلام طفي



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث