الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

القاعدة الثانية والعشرون العين المنغمرة في غيرها إذا لم يظهر أثرها

( ومنها ) لو حلف لا يأكل شيئا فاستهلك في غيره ثم أكله قال الأصحاب لا يحنث ولم يخرجوا فيه خلافا لأنه مبني على العرف ولم يقصد الامتناع من مثل ذلك وقد يخرج فيه وجه بالحنث وقد أشار إليه أبو الخطاب كما سنذكره ، وهذا كله في المائعات والأدقة ونحوها مما يختلط بعض أجزائه ببعض ، فأما الحبوب والدراهم ونحوها فمن الأصحاب من قال حكمها حكم المائعات فيما سبق وفرعوا على ذلك مسائل : [ منها ] لو اشترى ثمرة فلم يقبضها حتى اختلطت بغيرها ولم تتميز فهل ينفسخ البيع على وجهين اختار القاضي في خلافه الانفساخ وفي المجرد عدمه .

( ومنها ) لو حلف لا يأكل حنطة فأكل شعيرا فيه حبات حنطة ففي حنثه وجهان ذكرهما أبو الخطاب وغلطه صاحب الترغيب وقال يحنث بلا خلاف لأن الحب متميز لم يستهلك بخلاف ما لو طحنت الحنطة بما فيها فاستهلكت فإنه لا يحنث .

( ومنها ) لو اختلطت دراهمه بدراهم مغصوبة فالمنصوص عن أحمد في رواية المروذي إن كانت الدراهم قليلة كثلاثة فيها درهم حرام وجب التوقف عنها حتى يعلم وإن كانت كثيرة كثلاثين فيها درهم حرام فإنه يخرج منها درهما [ واحدا ] ويتصرف في الباقي وله نصوص كثيرة في هذا المعنى وعلل بأن الكثير يجحف بماله إخراجه وأنكر على من قال يخرج هذا قدر الحرام من القليل كالثلاثة إنكارا [ شديدا ] وأما القاضي فتأول كلامه على الاستحباب لأنه كلما كثر الحلال بعد تناول الحرام وشق التورع عن الجميع بخلاف القليل .

قال والواجب في الجميع إخراج قدر الحرام ، وكذلك ذكر ابن عقيل في فصوله وخالف في الفنون وقال يحرم الجميع .

( ومنها ) لو خلط الوديعة وهي دراهم بماله ولم تتميز فالمشهور الضمان لعدوانه حيث فوت تحصيلها وعنه رواية أخرى لا ضمان عليه لأن النقود لا يتعلق الغرض بأعيانها بل بمقدارها وربما كان خلطها [ مع ماله ] أحفظ لها وعلى هذه الرواية فإذا تلف بعض المختلط بغير عدوان جعل التالف كله من ماله وجعل الباقي من الوديعة نص عليه لأن هذه الأصل أمانة بقاؤها ووجوب تسليمها ولم يتيقن زوال ذلك ولهذا قلنا لو مات وعنده وديعة وجهل بقاؤها إنها تكون دينا على التركة [ ص: 31 ] وتأول القاضي وابن عقيل كلام أحمد رحمه الله في الضمان هنا على أن الخلط كان عدوانا وهذا يدل على أنه لا ضمان عندهما إلا مع التعدي ولو اختلطت الوديعة بغير فعله ثم ضاع البعض جعل من مال المودع في ظاهر كلام أحمد ذكره أبو البركات ابن تيمية في شرح الهداية وقد تقدم أن القاضي ذكر في الخلاف أنهما يصيران شريكين قال أبو البركات ولا يبعد على هذا أن يكون الهالك منهما وذكر القاضي أيضا في بعض تعاليقه فيمن معه دينار أمانة لغيره فسقط منه مع دينار له في رحى فدارت عليهما حتى نقصا وكان نقص أحدهما أكثر من نقص الآخر ولم يدر أيهما له أنه يحتاط فيدفع إلى صاحب الأمانة ما يغلب على ظنه أنه قدر حقه فإن ادعى أن الثقيل له فالقول قوله في الظاهر لأن يده عليه والله أعلم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث