الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
      - ثانيا: دور المرأة في الارتقاء بالعمل الاجتماعي التطوعي:

      إن الدين الإسلامي يحث على العمل التطوعي، ويثني على من يسخر نفسه لخدمة الآخرين ورسم الابتسامة على وجوههم.. وما من مجتمع إلا وفيه المحتاج والجاهل والمريض والمعوق ومن يحتاج إلى مساعدة، ومن يحتاج المسكن أو الملبس، أو غيرها من أعمال البر، فعمل الخير باب واسع بشرط أن يكون العمل خالصا لوجه الله تعالى.

      - نماذج المضيئة:

      وقبل أن نصل إلى دور المرأة في المؤسسات الخيرية، يحسن بنا أن نذكر بعض النماذج المضيئة في عمل الخير (نساء رائدات في التاريخ الإسلامي)، على رأسهن:

      - أم المؤمنين، السيدة خديجة بنت خويلد، رضي الله عنها: فقد بذلت جهدها ومالها في مؤازرة الرسول صلى الله عليه وسلم لما دخل عليها، راجعا من غار حراء: ( زملوني زملوني ) فزملوه حتى ذهب عنه الروع، فقال لخديجة وأخبرها الخبر: ( لقد خشيت على نفسي ) فقالت خديجة: كلا، والله ما يخزيك الله أبدا، إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق " [1] .. استدلت على ما أقسمت عليه من نفي ذلك أبدا بأمر استقرائي وصفته بـمـكارم الأخلاق، لأن الإحسان إما إلى الأقارب أو إلى الأجانب، وإما بالبدن أو بالمال.. وذلك كله مجموع فيما وصفته به.. [ ص: 142 ] تكسب المال المعدوم وتصيب منه ما لا يصيب غيرك، وكانت العرب تتمادح بكسب المال، لا سيما قريش. وكان النبي صلى الله عليه وسلم قبل البعثة محظوظا في التجارة. وإنما يصح هذا المعنى إذا ضم إليه ما يليق به من أنه كان مع إفادته للمال يجود به في الوجوه، التي ذكرت في المكرمات [2] .

      - أم المؤمنين، السيدة زينب بنت جحش، رضي الله عنها: وهي التي وصفها الرسول صلى الله عليه وسلم بأنها أسرع نسائه لحوقا به، وأنها أطولهن يدا، فعن عائشة رضي الله عنها: أن بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم قلن للنبي صلى الله عليه وسلم : "أينا أسرع بك لحوقا؟ قال: ( أطولكن يدا ) فأخذوا قصبة يذرعونها، فكانت سودة أطولهن يدا، فعلمنا بعد أنما كانت طول يدها الصدقة، وكانت أسرعنا لحوقا به وكانت تحب الصدقة" [3] . فأخذن يتذارعن أيتهن أطول يدا فلما توفيت زينب علمن أنها كانت أطولهن يدا في الخير والصدقة إنما أراد بطول اليد الصدقة، وكانت زينب امرأة صناعة باليد، وكانت تدبغ وتخرز وتتصدق في سبيل الله [4] .

      وعن عائشة، زوج النبي، صلى الله عليه وسلم قالت: "... لم أر امرأة قط خيرا في الدين من زينب، وأتقى لله، وأصدق حديثا، وأوصل للرحم، وأعظم صدقة، وأشد ابتذالا لنفسها في العمل الذي تصدق به، وتقرب به إلى الله تعالى.." [5] . [ ص: 143 ]

      - السيدة أسماء بنت أبي بكر، رضي الله عنها، تقول: "صنعت سفرة رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيت أبي بكر، حين أراد أن يهاجر إلى المدينة، قالت: فلم نجد لسفرته، ولا لسقائه ما نربطهما به، فقلت لأبي بكر: "والله ما أجد شيئا أربط به إلا نطاقي"، قال: فشقيه باثنين، فاربطيه: بواحد السقاء، وبالآخر السفرة، "ففعلت، فلذلك سميت ذات النطاقين" [6] .

      فـهـذه نـمـاذج مضيئـة، وعلى المـرأة، أي امرأة مسـلمة، التشـبه بهن، إن لم تكن مثلهن.. فـ "إن التشبه بالكرام فلاح".

      نعود إلى دور المرأة في العمل الخيري:

      حيث تؤكد الآراء الحديثة في أدبيات التنمية أن نجاح برامج التنمية وضمان استدامتها، وقدرة المجتمعات على مواجهة التغيرات العالمية والتواؤم معها مرهون بمشاركة العنصر البشري وحسن إعداده وطبيعة تأهيله، وتعتبر المرأة العربية عنصـرا مهما في عمليـة التنمية، وإذا ما أريد لهذا العنصـر أن يكون فعالا فلا بد أن تتوافر للمرأة معطيـات أسـاسية تمكنها من المسـاهمة الإيجابية في حركة التنمية وتوجهيها، ويأتي في مقدمة هذه المعطيات: الإنتاج الاقتصادي، الذي يضعها في موضع القوة، ويجعلها قادرة على خدمة مجتمعها.

      ويعتبر عمل المرأة في المؤسسات الخيرية المتاحة تدعيما لقدرتها الاقتصادية، كما يعطي مؤشرا واضحا على تفهم المرأة لدورها في بناء المجتمع، وقدرتها على المشاركة الحقيقية في التنمية. [ ص: 144 ]

      وما يهمنا هنا هو مشاركة المرأة في العمل التطوعي، ومدى إمكانية تفعـيـل دورها في مؤسـسـات العمل التطوعي، سـواء في الهـيـئـات المانـحة أو المستفيدة.

      من المسلم به أن دور المرأة ومشاركتها في التنظيمات الأهلية لا ينفصل عن وضعها في المجتمع بصورة عامة، وهو الوضع الذي يتحدد بمدى تطور البنية الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية.

      ويتمثل النشاط الأهلي للنساء في أنماط متعددة، من أقدمها وأكثرها شيوعا الجمعيات الخيرية النسائية، وهي الجمعيات، التي ترتبط بالفلسفة التقـليدية بالبر والإحسـان.. وهي أكثر أصناف الجمعيـات رواجا وعراقـة، وهي تارة جمعيات مختلطة تساهم فيها نساء، وتارة أخرى جمعيات خيرية نسائية صرفة لا يعمل فيها إلا النساء [7] .

      وجنح كثيرون إلى أن تكون الخدمة الاجتماعية نفسها مهنة لها نظام تتبعه في ضوء ما تراه مناسبا من معالجات وتطوير وتكييف للمجتمع.. وتتناول المجالات التالية:

      1- المجال الأسري، سـواء بين الأزواج أو بين الآباء، أو تتناول البطالة أو انخفاض الدخل، وينشأ لذلك مكاتب للإرشاد والمساعدات وجمعيات الإصلاح. [ ص: 145 ]

      ( إذا أنـفقت المـرأة من طـعام بيـتها غير مفسـدة، كان لها أجـرها بما أنفقت، ولزوجها أجره بما كسب، وللخازن مثل ذلك، لا ينقص بعضهم أجر بعض شيئا ) [8] . والمراد عدم المزاحمة في الأجر، ويحتمل أن يراد مساواة بعضـهم بعضـا.. وفي الحديث فضـل الأمانـة وسـخاوة النفس، وطيب النفس في فعل الخير، والإعانة على فعل الخير [9] .

      2- مجال الطفولة، ويتناول رعاية الأطفال، يتامى أو غير يتامى، مشردين أو جانحين. ففي الحديث أن السيدة عائشة، زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: "جاءتني امرأة معها ابنتان تسألني، فلم تجد عندي غير تمرة واحدة، فأعطيتها فقسمتها بين ابنتيها، ثم قامت فخرجت، فدخل النبي صلى الله عليه وسلم فحدثته، فقال: ( من يلي من هذه البنات شيئا، فأحسن إليهن، كن له سترا من النار ) [10] .. فالسيـدة عائشـة أعطت المرأة التمرة، فآثرت بها ابنتيها، فوصفها النبي صلى الله عليه وسلم بالإحسان بما أشار إليه من الحكم المذكور، فدل على أن من فعل معروفا لم يكن واجبا عليه أو زاد على قدر الواجب عليه عد محسنا، لكن المراد من الوصف المذكور قدرا زائدا.. وشرط الإحسان أن يوافق الشرع لا ما خالفه..

      وفي الحديث تأكيد حق البنات لما فيهن من الضعف غالبا عن القيام بمصالح أنفسهن، وفيه جواز سؤال المحتاج وسخاء السيدة عائشة لكونها لم تجد [ ص: 146 ] إلا تمرة فآثرت بها، وأن القليل لا يمتنع التصدق به لحقارته، بل ينبغي للمتصـدق أن يتصـدق بـما تيسر له، قـل أو كثر، وفيه جـواز ذكر المعروف، إن لم يكن على وجه الفخر ولا المنة [11] . وقال الرسول صلى الله عليه وسلم : ( أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا ) وقال بإصبعيه السبابة والوسطى" [12] .

      3- مجال رعاية الشباب، ومساعدته على النمو النفسي والاجتماعي، ومعاونته في الانتظام بشكل يهيئ له فرص العمل الجماعي، والمشاركة في خدمة المجتمع. فالاهتمام بالشباب ودوره في خدمة المجتمع يدخل في باب نصيحة المسلمين بعضهم بعضا، وتوقير كبيرهم ،ورحمة صغيرهم، وتخولهم بالموعظة الحسـنة، وترك غشـهم وحسـدهم، وأن يحب لهم ما يحب لنفسـه من الخير، ويكره لهم ما يكره لنفسـه من المكروه، والذب عن أموالهم وأعراضهم، وغير ذلك من أغراضهم، بالقول والفعل، وحثهم بالتخلق بجميع ما ذكر من أنواع النصيحة، وتنشيط هممهم إلى الطاعات [13] .

      4- مجال المسنين، ومهمة الخدمة الاجتماعية مساعدتهم على تمضية بقية الحياة في طمأنينة ويسر، والاستفادة من خبراتهم وطاقاتهم [14] . [ ص: 147 ]

      ويعتبر البعد الثقافي القيمي عاملا مهما في العمل التطوعي، لما للمنظومة الثقافية القيمية والأخلاقية من تأثير على الدوافع والأسباب، التي يحملها الأفراد.

      ولا شك أن الموروث الثقافي العربي الإسلامي يحتوي على العديد من القيم الاجتماعية والثقافية الإيجابية، كالتعاون والتكافل والبر والإحسان وغيرها من القيم، التي تحفز الإنسان على التفاني من أجل (الغير)؛ لأن المشارك في الطـاعة مشـارك في الأجر.. ومعنى المشاركة أن له أجرا كما لصاحبه أجر، وليس معناه أن يزاحمه في أجره، والمراد المشاركة في أصل الثواب، فيكون لهذا ثواب ولهذا ثواب، وإن كان أحدهما أكثر، ولا يلزم أن يكون مقدار ثوابهما سواء، فإذا أعطى المالك لخازنه أو امرأته مائة درهم ونحوها ليوصلها إلى مستحق الصدقة على باب داره أو نحوه، فأجر المالك أكثر؛ لأن الأجر فضل من الله تعالى يؤتيه من يشـاء، ولا يـدرك بقياس ولا هو بحسـب الأعمال، بل ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء [15] .

      ويعتبر تمـويل العمل التطـوعي، بشـكل عام، من أكثـر الإشـكالات، التي تواجه العاملين فيه؛ لأن المستفيدين من خدمات العمل التطوعي هم الفئة الأكثر احتياجا.. وفي هذا الإطار، تضطلع المـرأة بدور بـارز، سواء على مستوى الجهات المانـحة أو المستفيدة.

      ومع ذلك، فإن العمل التطوعي لابد أن يتسم بسمتين رئيسيتين، هما:

      1- أن يدفع صاحب المال ماله لتمويل العمل التطوعي طواعية، ودون إكراه، حتى يكون ذلك متماشيا مع طبيعته. [ ص: 148 ]

      2- لا بد لممول العمل التطوعي أن يقدم هذا المال بهدف دعم العمل التطوعي، وأن لا يكون له أهداف أخرى.

      التالي السابق


      الخدمات العلمية