الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
13872 - وأخبرنا أبو الحسين بن بشران قال: أخبرنا إسماعيل بن محمد الصفار قال: حدثنا جعفر بن أحمد بن سام قال: حدثنا إسحاق بن محمد الفروي [ ص: 115 ] قال: حدثنا عبد الله بن عمر ، عن نافع ، عن ابن عمر ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " لا يحرم الحرام الحلال " .

13873 - وكذلك رواه إبراهيم بن أبي داود وغيرهما، عن إسحاق الفروي ، وإبراهيم بن الحسين بن جبريل ، وروى الزهري ، عن علي ، مرسلا مثل قولنا.

13874 - وحكاه ابن المنذر ، عن ابن عباس ، وسعيد بن المسيب ، ويحيى بن يعمر ، وعروة ، ومجاهد ، والحسن البصري ، والزهري .

13875 - وأما حديث عثمان بن عبد الرحمن الوقاصي ، عن الزهري ، عن عروة ، عن عائشة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم: "لا يفسد حلال بحرام، ومن أتى امرأة فجورا فلا عليه أن يتزوج أمها أو ابنتها" .

13876 - فهذا لا يصح، عثمان هذا ضعيف لا يحل الاعتماد على ما يرويه، وإنما هو قول الزهري عن بعض أهل العلم.

13877 - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: حدثنا أبو العباس قال: أخبرنا الربيع قال: أخبرنا الشافعي ، فذكر مناظرة طويلة جرت بينه وبين بعض العراقيين في هذه المسألة قال: فالشعبي قال قولنا؟ قال: قلت: فلو لم يكن في قولنا كتاب ولا سنة ولا ما أوجدناك من القياس والمعقول أكان قول الشعبي عندك حجة؟ قال: لا وقد روي عن عمران بن الحصين ، قلت: من وجه لا يثبت وقد روي عن ابن عباس قولنا، فرجع عن قولهم، وقال: الحق عندك والعدل في [ ص: 116 ] قولكم، فاجمع لي في هذا قولا، قلت: إذا حرم الشيء بوجه استدللنا أنه لا يحرم بالذي يخالفه كما إذا حل شيء بوجه لم يحل بالذي يخالفه فالحلال ضد الحرام، والنكاح حلال، والزنا ضد النكاح ألا ترى أنه يحل لك الفرج بالنكاح، ولا يحل لك بالزنا الذي يخالفه؟ فقال لي منهم قائل: فإنا قد روينا عن وهب بن منبه قال مكتوب في التوارة: ملعون من نظر إلى فرج امرأة وابنتها، فقلت له: ولا يدفع هذا وأصغر ذنبا من الزاني بالمرأة وابنتها والمرأة بلا ابنة ملعون، قد لعنت الواصلة والموصولة والمختفي - قال الربيع : المختفي النباش - والمختفية والزنا أعظم من هذا كله، ولو كنت إنما حرمته من أجل أنه ملعون من نظر إلى فرج امرأة وابنتها لم يجز أن تحرم على الرجل امرأته إن زنى بها أبوه فإنه لم ينظر مع فرج امرأته إلى فرج أمها ولا ابنتها، ولو كنت حرمته لقوله: "ملعون" ، لزمك مكان هذا في آكل الربا ومؤكله وأنت لا تمنع من أربى إذا اشترى بأجل أن يحل له غير السلعة التي أربى فيها، ولا إذا اختفى قبرا من القبور أن يحل له أن يحفر غيره، ويحفر هو إذا ذهب الميت بالبلى قال: أجل، قلت: فكيف لم تقل لا يمنع الحرام الحلال كما قلت في الذي أربى واختفى.

13878 - وأما الذي روي عن ابن مسعود من قوله: ما اجتمع الحرام والحلال إلا غلب الحرام الحلال، فهو بما رواه جابر الجعفي ، عن الشعبي ، عن ابن مسعود ، وجابر ضعيف، والشعبي ، عن ابن مسعود منقطع، وإنما روي عن الشعبي من قوله.

13879 - وأما الذي روي عن ابن مسعود من قوله: لا ينظر الله إلى رجل نظر إلى فرج امرأة وابنتها، فهذا إنما رواه ليث بن أبي سليم ، عن حماد ، عن إبراهيم عن علقمة ، عن عبد الله وليث ، وحماد غير محتج بهما.

[ ص: 117 ] 13880 - وأما الذي يروى فيه عن النبي صلى الله عليه وسلم: "إذا نظر الرجل إلى فرج المرأة حرمت عليه أمها وابنتها" فإنما رواه جرير بن عبد الحميد ، عن الحجاج بن أرطاة ، عن أبي هانئ ، عن النبي صلى الله عليه وسلم، وروايته في موضع آخر عنه عن أم هانئ ، وهذا منقطع بين الحجاج ، وأم هانئ ، أو بين أبي هانئ والنبي صلى الله عليه وسلم، والحجاج غير محتج به فيما يسنده فكيف بما يرسله؟ لا ينبغي لأهل العلم أن يحتج بمثل هذا، وبالله التوفيق.

[ ص: 118 ]

التالي السابق


الخدمات العلمية