الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب حكم الوقوف بمزدلفة

3942 3943 3944 ص: حدثنا يزيد بن سنان ، قال : ثنا يزيد بن هارون ، قال : ثنا إسماعيل بن أبي خالد ، عن الشعبي ، عن عروة بن مضرس ، قال : " أتيت النبي - عليه السلام - بجمع ، ، فقلت : يا رسول الله ، هل لي من حج وقد أنضيت راحلتي ؟ فقال : من صلى معنا هذه الصلاة وقد وقف معنا قبل ذلك [و] أفاض من عرفة ليلا أو نهارا فقد تم حجه وقضى تفثه" .

حدثنا إبراهيم بن مرزوق ، قال : ثنا وهب ، قال : ثنا شعبة ، عن ابن أبي السفر ، وإسماعيل بن أبي خالد ، عن الشعبي . وزكرياء ، عن الشعبي . وداود بن أبي هند ، عن الشعبي ، عن عروة بن مضرس ، عن النبي - عليه السلام - مثله .

حدثنا روح بن الفرج ، قال : ثنا حامد بن يحيى ، قال : ثنا سفيان ، قال : ثنا إسماعيل بن أبي خالد ، عن الشعبي ، وابن أبي هند ، عن الشعبي ، وزكرياء عن [ ص: 498 ] الشعبي ، قال : سمعت عروة بن مضرس بن أوس بن حارثة بن لام الطائي يقول : " أتيت رسول الله - عليه السلام - بمزدلفة ، ، فقلت : يا رسول الله جئت من جبلي طيئ ، ، ووالله ما جئت حتى أتعبت نفسي وأنضيت راحلتي ، وما تركت حبلا رملا من هذه الحبال إلا وقد وقفت عليه ، فهل لي من حج ؟ فقال رسول الله - عليه السلام - : من شهد معنا هذه الصلاة صلاة الفجر بالمزدلفة ، وقد كان وقف بعرفة قبل ذلك ليلا أو نهارا فقد تم حجه وقضى تفثه" . .

قال سفيان : وزاد زكرياء فيه - وكان أحفظ الثلاثة لهذا الحديث - قال : "قلت : يا رسول الله ، أتيت هذه الساعة من جبلي طيئ ، ، أكللت راحلتي وأتعبت نفسي فهل لي من حج ؟ فقال : من شهد معنا هذه الصلاة ، ووقف معنا حتى نفيض ، وقد كان وقف قبل ذلك بعرفة ، من ليل أو نهار فقد تم حجه وقضى تفثه" . . .

قال سفيان : وزاد داود بن أبي هند : " ، قال : أتيت رسول الله - عليه السلام - حين برق الفجر . . . " ، ثم ذكر الحديث .

التالي السابق


ش: هذه ثلاث طرق صحاح :

الأول : عن يزيد بن سنان القزاز شيخ النسائي أيضا ، عن يزيد بن هارون الواسطي شيخ أحمد ، روى له الجماعة .

عن إسماعيل بن أبي خالد هرمز أو سعد البجلي الكوفي أحد مشايخ أبي حنيفة ، روى له الجماعة .

عن عامر الشعبي روى له الجماعة .

عن عروة بن مضرس - بضم الميم وفتح الضاد المعجمة وكسر الراء المشددة وفي آخره سين مهملة - بن أوس بن حارثة بن لام الطائي الصحابي ، شهد مع النبي - عليه السلام - حجة الوداع ، قال ابن المديني : لم يرو عنه غير الشعبي .

وأخرجه الأئمة الأربعة على ما نذكره .

[ ص: 499 ] وأخرجه ابن أبي شيبة أيضا في "مصنفه" : ثنا وكيع ، عن إسماعيل بن أبي خالد ، عن الشعبي ، عن عروة بن مضرس الطائي : "أنه حج على عهد النبي - عليه السلام - فلم يدرك الناس إلا وهم بجمع ، قال : فأتيت النبي - عليه السلام - ، فقلت : يا رسول الله ، أتعبت نفسي وأنضيت راحلتي ، والله ما نزلت حبلا من الحبال إلا وقد وقفت عليه ، فهل لي من حج ؟ فقال رسول الله - عليه السلام - : من صلى معنا هذه الصلاة وقد أفاض قبل ذلك من عرفات ليلا أو نهارا ، فقد قضى تفثه وتم حجه" .

الثاني : عن ابن مرزوق ، عن وهب بن جرير بن حازم ، عن شعبة بن الحجاج ، عن عبد الله بن أبي السفر - بفتح السين المهملة وفتح الفاء - واسمه سعيد بن محمد الثوري الكوفي ، روى له الجماعة ، وعن إسماعيل بن أبي خالد ، كلاهما عن عامر الشعبي ، عن عروة بن مضرس ، وعن زكرياء بن أبي زائدة ميمون الكوفي - أحد أصحاب أبي حنيفة ، روى له الجماعة ، عن الشعبي ، وعن داود بن أبي هند عن الشعبي .

والحاصل أن شعبة روى هذا الحديث عن هؤلاء الأربعة : عبد الله بن أبي السفر ، وإسماعيل بن أبي خالد ، وزكرياء بن أبي زائدة ، وداود بن أبي هند ، وهؤلاء الأربعة قد رووه عن الشعبي ، عن عروة بن مضرس .

أما رواية عبد الله بن أبي السفر عن الشعبي فقد أخرجها النسائي : أنا إسماعيل بن مسعود ، نا خالد ، عن شعبة ، عن عبد الله بن أبي السفر ، قال : سمعت الشعبي يقول : حدثني عروة بن مضرس بن أوس بن حارثة بن لام قال : "أتيت النبي - عليه السلام - بجمع ؛ فقلت : هل لي من حج ؟ فقال : من صلى هذه الصلاة معنا ، ووقف هذا الموقف حتى نفيض ، وأفاض قبل ذلك من عرفات ليلا أو نهارا ؛ فقد تم حجه وقضى تفثه" .

[ ص: 500 ] وأما رواية إسماعيل بن أبي خالد ، عن الشعبي فقد أخرجها الطحاوي كما ذكر ، وابن أبي شيبة أيضا .

وأما رواية زكرياء بن أبي زائدة ، عن الشعبي فقد أخرجها الترمذي : ثنا ابن أبي عمر ، قال : ثنا سفيان بن عيينة ، عن داود بن أبي هند وإسماعيل بن أبي خالد وزكرياء بن أبي زائدة ، عن الشعبي ، عن عروة بن مضرس ابن أوس بن حارثة بن لام الطائي قال : "أتيت رسول الله - عليه السلام - بالمزدلفة ، حتى خرج إلى الصلاة فقلت : يا رسول الله ، ما تركت من حبل إلا وقفت عليه ، هل لي من حج ؟ فقال رسول الله - عليه السلام - : من شهد صلاتنا هذه ، ووقف معنا حتى ندفع ، وقد وقف بعرفة قبل ذلك ليلا أو نهارا ؛ فقد تم حجه وقضى تفثه" .

وأما رواية داود بن أبي هند عن الشعبي فقد أخرجها الطبراني في "الكبير" : نا زكرياء بن يحيى الساجي ، ثنا سعيد بن عبد الرحمن المخزومي ، ثنا سفيان بن عيينة ، عن داود بن أبي هند ، عن الشعبي ، عن عروة بن مضرس قال : " [رأيت] رسول الله - عليه السلام - واقفا بالمزدلفة ، فقال : من صلى صلاتنا هذه ، ثم أفاض معنا ، وقد وقف قبل ذلك بعرفة ليلا أو نهارا ؛ فقد تم حجه" .

الثالث : عن روح بن الفرج القطان المصري ، عن حامد بن يحيى بن هان البلخي نزيل طرسوس وشيخ أبي داود عن سفيان بن عيينة ، عن إسماعيل بن أبي خالد ، عن عامر الشعبي .

ورواه سفيان بن عيينة أيضا عن داود بن أبي هند ، عن الشعبي ، وعن زكرياء بن أبي زائدة عن الشعبي .

[ ص: 501 ] والحاصل أن ابن عيينة روى هذا الحديث عن هؤلاء الثلاثة ، وهؤلاء الثلاثة عن الشعبي .

وأخرجه الترمذي نحوه ، وقد ذكرنا آنفا .

قوله : "وابن أبي هند" بالرفع عطف على قوله : " إسماعيل بن أبي خالد " ، وكذلك قوله : "وزكرياء" بالرفع عطف عليه .

والحديث أخرجه أبو داود أيضا : عن مسدد ، قال : نا يحيى ، عن إسماعيل ، قال : نا عامر ، قال : أنا عروة بن مضرس الطائي ، قال : "أتيت النبي - عليه السلام - بالموقف - يعني بجمع - فقلت : يا رسول الله ، جئت من جبلي طي ، أكللت مطيتي وأتعبت نفسي ، والله ما تركت من حبل إلا وقفت عليه ، فهل لي من حج ؟ فقال رسول الله - عليه السلام - : من أدرك معنا هذه الصلاة ، وأتى عرفات قبل ذلك ليلا أو نهارا ، فقد تم حجه وقضى تفثه" .

وأخرجه ابن ماجه : عن أبي بكر بن أبي شيبة وعلي بن محمد ، كلاهما عن وكيع ، عن إسماعيل ، عن عامر الشعبي . . . إلى آخره نحوه .

ولما أخرجه الترمذي قال : هذا حديث حسن صحيح .

ويقال : إن الشيخين لم يخرجاه ؛ لأنه ليس على شرطهما ؛ لأن عروة بن مضرس لم يرو عنه غير الشعبي كما قاله ابن المديني .

قلت : فيه نظر ، فقد قال ابن الأثير : روى عنه ابنه أبو بكر والشعبي .

وقد قال الحكم : وقد أمسك عن إخراجه الشيخان محمد بن إسماعيل ومسلم [ ص: 502 ] بن الحجاج على أصلهما أن عروة بن مضرس لم يحدث عنه غير عامر الشعبي ، وقد وجدنا عروة بن الزبير بن العوام ، حدث عنه ، حدثنا عبد الصمد بن علي بن مكرم البزار ببغداد ، ثنا أبو عبد الله أحمد بن عبد الله بن أحمد بن حسان التستري بتستر ، ثنا عبد الوهاب بن فليح المكي ، ثنا يوسف بن خالد السمتي البصري ، ثنا هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عروة بن مضرس الطائي قال : "جئت رسول الله - عليه السلام - وهو بالموقف ، فقلت : يا رسول الله ، أتيت من جبل طيئ ، أكللت مطيتي وأتعبت نفسي ، والله ما بقي حبل من تلك الحبال إلا وقفت عليه ، فقال : من أدرك معنا هذه الصلاة - يعني : صلاة الغداة - وقد أتى عرفة قبل ذلك ليلا أو نهارا فقد تم حجه وقضى تفثه" .

قوله : "بجمع" . في محل النصب على الحال ، والباء فيه ظرفية ، أي أتيت النبي - عليه السلام - والحال أنه في جمع أي في المزدلفة .

قوله : "أنضيت راحلتي" . أي أهزلتها ، يقال : أنضى بعيره وينضيها إنضاء إذا أهزلها وجعلها نضوا ، والنضو : الدابة التي أهزلتها الأسفار وأذهبت لحمها ، ومادة هذه الكلمة نون وضاد معجمة وواو ، ويجوز فيه : أنضبت من النضب وهو التعب ، ولكن لا أدري هل هي رواية أم لا ؟

قوله : "أكللت راحلتي" أي أتعبتها وأعييتها ، من الإكلال ، من كل يكل كلالا ، يقال : كل السيف فهو كلل إذا لم يقطع .

قوله : "حبلا" . بالحاء المهملة وسكون الباء الموحدة وهو المستطيل من الرمل ، وقيل : الضخم منه ، وجمعه : حبال ، وقيل : الحبال في الرمل كالجبال في غير الرمل .

قوله : "رملا" بالنصب تصير لقوله : "حبلا" .

قوله : "من جبلي طيئ " . وهما أجأ وسلمى .

قوله : "حين برق الفجر" . أي : أضاء وانتشر نوره .

[ ص: 503 ] قوله : "من صلى معنا هذه الصلاة" . أراد بها صلاة الغداة بالمزدلفة .

قوله : "وقد وقف معنا" . جملة حالية ، أي : والحال أنه قد وقف معنا بعرفات قبل ذلك .

قوله : "أفاض قبل ذلك" . جملة حالية أيضا بتقدير "قد" كما في قوله تعالى : أو جاءوكم حصرت صدورهم أي قد حصرت ، والتقدير : قد أفاض قبل وقوفه بالمزدلفة من عرفة ليلا أو نهارا .

قوله : "وقضى تفثه" . قال الترمذي : يعني نسكه ، والتفث بالتاء المثناة من فوق والفاء المفتوحتين ، والثاء المثلثة ما يفعله المحرم بالحج إذا حل كقص الشارب والأظفار ونتف الإبط وحلق العانة ، وقيل : هو إذهاب الشعث والدرن والوسخ مطلقا . ويستفاد منه أحكام :

فرضية الوقوف بعرفة ؛ لأنه علق تمام الحج [بالوقوف] بها وجواز الوقوف بها ليلا ونهارا ؛ لأن وقته من زوال شمس يوم عرفة إلى طلوع الفجر من يوم النحر .

ووجوب الوقوف بالمزدلفة على ما يأتي بيان الخلاف فيه إن شاء الله تعالى .

واستدلت به الظاهرية على أن صلاة الغداة بالمزدلفة مع الإمام من فروض الحج كالوقوف بعرفة .

وقال ابن حزم في "المحلى" : ومن لم يدرك مع الإمام بمزدلفة صلاة الغداة فقد بطل حجه إن كان رجلا ، ثم استدل على ذلك بحديث عروة بن مضرس هذا .

قلنا : ظاهر الحديث متروك بالإجماع ، ألا ترى أنهم أجمعوا على أن من وقف بالمزدلفة ليلا إذا دفع منها قبل الصبح أن حجه تام ؟ فلو كان حضور الصلاة مع الإمام فرضا من فرائض الحج ما أجزأه ، فلم يبق إلا أنه من سنن الحج .

[ ص: 504 ] وأجمعوا أيضا أن قوله : "نهارا" أن الوقوف بالنهار لا يضره إن فاته ؛ لأن السائل يعلم أنه إذا وقف بالنهار فقد أدرك الوقوف بالليل ، فأعلمه - عليه السلام - أنه إذا وقف بالليل وقد فاته الوقوف بالنهار أن ذلك لا يضره ، لا أنه أراد بهذا القول أن يقف بالنهار دون الليل ، وقال أبو الفتح : معناه : ليلا ، أو نهارا وليلا ، فسكت عن أن يقول : وليلا لعلمه بما قدم من فعله ، فكأنه أراد بذكر النهار إيصال الليل ، قال : ويحتمل أن تكون "أو" بمعنى "الواو" ، فكأنه قال : ليلا ونهارا .

قلت : فيه نظر ؛ لأن "أو" لو كان بمعنى "الواو" لكان الوقوف واجبا ليلا ونهارا لم يغن أحدهما عن صاحبه وهذا لا يقوله أحد ، وجماعة العلماء يقولون : من وقف بعرفة ليلا أو نهارا بعد الزوال من يوم عرفة أجزأه إلا مالك بن أنس فإنه انفرد بقوله : لا بد من الوقوف بجزء من الليل مع النهار ، حتى قال مالك : من دفع من عرفة قبل الغروب فعليه الحج قابلا [إلا] أن يعود إليها قبل الفجر ، فإن عاد فلا دم عليه .

وقال سائر العلماء : من وقف بعرفة بعد الزوال فحجه تام وإن دفع قبل الغروب .

وقال الشافعي : فإن عاد حتى يدفع بعد مغيب الشمس فلا شيء عليه وإن لم يرجع حتى طلع الفجر أجزأه وأهراق دما .

وقاله أحمد وإسحاق والطبري وداود وعامة العلماء إلا الحسن البصري وابن جريج قالا : لا يجزئه إلا بدنة ، وقال الثوري وأبو حنيفة : إذا أفاض من عرفة قبل الغروب أجزأه وعليه دم ، وإن رجع بعد الغروب لم يسقط عنه الدم .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث