الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                صفحة جزء
                                                3814 3815 3816 3817 3818 3819 ص: وقد قال بهذا القول أيضا عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - .

                                                حدثنا ابن مرزوق ، قال : ثنا هارون بن إسماعيل ، قال : ثنا علي بن المبارك ، قال : حدثنا يحيى ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة : "أن رجلا من أهل الشام ، استفتاه في لحم الصيد وهو محرم ، فأمره بأكله ، قال : فلقيت عمر بن الخطاب ، فأخبرته بمسألة الرجل فقال : بما أفتيته ؟ فقلت : بأكله ، فقال : والذي نفسي بيده ، لو أفتيته بغير ذلك لعلوتك بالدرة ، إنما نهيت أن يصطاده" .

                                                حدثنا يونس ، قال : ثنا ابن وهب ، أن مالكا حدثه ، عن يحيى بن سعيد] ، أنه سمع سعيد بن المسيب يحدث ، عن أبي هريرة . . . فذكر مثله ، غير أنه قال : "لفعلت بك ، يتواعده" .

                                                حدثنا يونس ، قال : ثنا ابن وهب ، أن مالكا حدثه ، عن ابن شهاب ، عن سالم ، أنه سمع أبا هريرة يحدث أن عمر . . . فذكر نحوه .

                                                حدثنا نصر بن مرزوق ، وابن أبي داود ، قالا : ثنا عبد الله بن صالح ، قال : ثنا الليث ، قال : ثنا عقيل ، عن ابن شهاب . . . ، فذكر بإسناده مثله .

                                                فلم يكن عمر - رضي الله عنه - ليعاقب رجلا من أصحاب رسول الله - عليه السلام - في فتياه في هذا بخلاف ما يرى ، والذي عنده في ذلك ما يخالف ما أفتى به رأيا ، ولكن ذلك عندنا والله أعلم ، لأنه قد كان أخذ علم ذلك من غير جهة الرأي" .

                                                [ ص: 342 ] حدثنا أبو بكرة ، قال : ثنا نوفل بن إسماعيل ، قال : ثنا سفيان ، عن منصور ، عن إبراهيم ، عن الأسود : " أن كعبا سأل عمر - رضي الله عنه - عن الصيد يذبحه الحلال فيأكله الحرام ، فقال عمر - رضي الله عنه - : لو تركته لرأيتك لا تفقه شيئا" .

                                                التالي السابق


                                                ش: أي قد قال بقول أهل المقالة الثالثة ، وهو إباحة أكل لحم الصيد الذي اصطاده حلال عمر بن الخطاب .

                                                وأخرج ذلك عنه من أربع طرق صحاح :

                                                الأول : رجاله رجال "الصحيحين" : ما خلا ابن مرزوق ، ويحيى هو ابن أبي كثير الطائي ، وأبو سلمة هو عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف .

                                                وأخرجه البيهقي في "سننه" : من حديث إبراهيم بن طهمان ، عن هشام الدستوائي ، عن يحيى ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة قال : "سألني رجل من أهل الشام عن لحم اصطيد لغيرهم ، أيأكله وهو محرم ؟ فأفتيته أن يأكله ، فأتيت عمر فذكرت ذلك له ، فقال : ما أفتيت ؟ قلت : أمرته أن يأكله ، قال : لو أفتيته بغير ذلك لعلوت رأسك بالدرة ، قال : إنما نهرت أن يصطاده" .

                                                الثاني : كلهم رجال الصحيح ، وأخرجه مالك في "موطأه" : عن يحيى بن سعيد ] ، أنه سمع سعيد بن المسيب يحدث ، عن أبي هريرة : "أنه أقبل من البحرين ، حتى إذا كان بالربذة وجد ركبان أهل العراق محرمين ، فسألوه عن لحم صيد وجدوه عند أهل الربذة ، فأفتاهم أن يأكله ، [قال : ثم] إني شككت فيما أمرتهم به ، فلما قدمت المدينة ذكرت ذلك لعمر بن الخطاب - رضي الله عنه - ، فقال عمر : ماذا أمرتهم به ؟ فقال : أمرتهم بأكله ، فقال عمر بن الخطاب : لو أمرتهم بغير ذلك لفعلت بك ، يتواعده" .

                                                [ ص: 343 ] الثالث : وأيضا كلهم رجال الصحيح ، وأخرجه مالك في "موطأه" : عن ابن شهاب ، عن سالم بن عبد الله ، أنه سمع أبا هريرة : "أنه مر به قوم محرمون بالربذة ، فاستفتوه في لحم صيد وجدوا ناسا أحلة يأكلونه ، فأفتاهم بأكله ، قال : ثم قدمت المدينة على عمر بن الخطاب فسألته عن ذلك ، فقال : بم أفتيته ؟ قال : فقلت : أفتيتهم بأكله . قال : فقال عمر : لو أفتيتهم بغير ذلك لأوجعتك" .

                                                الرابع : عن نصر بن مرزوق وإبراهيم بن أبي داود البرلسي ، كلاهما عن عبد الله بن صالح ، عن الليث بن سعد ، عن عقيل - بضم العين - بن خالد الأيلي عن محمد بن مسلم بن شهاب الزهري ، عن سالم بن عبد الله ، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - .

                                                وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" : عن وكيع ، عن أسامة بن زيد ، عن سالم ، قال : سمعت أبا هريرة يقول : "لما قدمت من البحرين لقيني قوم من أهل العراق ، فسألوني عن الحلال يصيد الصيد فيأكله الحرام ، فأفتيتهم بأكله ، فقدمت على عمر - رضي الله عنه - فسألته عن ذلك فقال : لو أفتيتهم بغير هذا ما أفتيت أحدا أبدا" .

                                                قوله : "فلم يكن عمر ليعاقب" بفتح اللام لأنها للتأكيد ، معنى هذا الكلام أن أبا هريرة لو أفتى بخلاف ما عند عمر - رضي الله عنه - مثلا ، وكان ذلك برأيه واجتهاده ، وكذلك عند عمر برأيه واجتهاده ولم يكن عمر يعاقب أبا هريرة وهو من أصحاب النبي - عليه السلام - في فتياه بخلافه لأن ما عند كل منهما رأي واجتهاد ، وليس للمجتهد أن يعاقب مجتهدا آخر عند تخالف رأيهما ، ولكن الذي كان عند عمر كان من جهة وقوفه على علم فيه من النبي - عليه السلام - ، ولم يكن رأيه ولا اجتهاده ، فوافقه فتوى أبي هريرة ، فلذلك قال : "لو أفتيت بغير ذلك لعلوتك بالدرة" لأنه حينئذ كان يكون مفتيا بالرأي ، بخلاف ما عنده مما وقف عليه من جهة النبي - عليه السلام - ، فحينئذ كان يتوجه العقاب لمن يفتي بالرأي عند وجود النص من الشرع بخلافه فافهم .

                                                [ ص: 344 ] قوله : "حدثنا أبو بكرة إلى آخره" ذكره شاهدا لما رواه أبو هريرة عن عمر - رضي الله عنهما - ، أخرجه عن أبي بكرة بكار القاضي ، عن مؤمل بن إسماعيل القرشي ، عن سفيان الثوري ، عن منصور بن المعتمر ، عن إبراهيم النخعي ، عن الأسود بن يزيد النخعي ، عن كعب بن ماتع الحميري المعروف بكعب الأحبار ، أدرك النبي - عليه السلام - وأسلم في خلافة أبي بكر الصديق ، وقيل في خلافة عمر بن الخطاب ، ويقال : أدرك الجاهلية فقدم المدينة ، ثم خرج إلى الشام فسكن حمص حتى توفي بها سنة ثنتين من خلافة عثمان بن عفان - رضي الله عنه - وقد بلغ سنة مائة وأربع وستين ، روى له الجماعة غير مسلم ، وابن ماجه في التفسير .




                                                الخدمات العلمية