الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                صفحة جزء
                                                3941 ص: فأدخل على هذا القول ، فقيل : قد رأينا الحلال يصيب الصيد في الحرم فيجب عليه الجزاء لحرمة الحرم ، ورأينا المحرم يصيب صيدا في الحل فيجب عليه الجزاء لحرمة الإحرام ، ورأينا المحرم إذا أصاب صيدا في الحرم وجب عليه جزاء واحد لحرمة الإحرام ودخل [فيه] حرمة الجزاء لحرمة الحرم ، وهو في وقت ما أصاب ذلك الصيد في حرمتين : : في حرمة إحرام ، وحرمة حرم ، فلم يجب عليه لكل واحدة من الحرمتين ما كان يجب عليه لها لو أفردها ، قالوا : فكذلك القارن فيما كان يجب عليه لكل واحدة من عمرته وحجته لو أفردها لا يجب عليه في ذلك لما جمعهما إلا مثل ما يجب عليه في إحداهما ويدخل ما كان يجب للأخرى لو كانت مفردة في ذلك .

                                                قيل لهم : إنكم لم تقولون أن ما يجب على المحرم في قتله الصيد في الحرم جزاء واحد وقد قال أبو حنيفة ، وأبو يوسف ، ومحمد - رحمهم الله - : إن القياس كان عندهم في ذلك أنه يجب عليه جزاءان : جزاء لحرمة الإحرام ، وجزاء لحرمة الحرم ، وأنهم إنما خالفوا ذلك استحسانا ولكنا لا نقول في ذلك كما قالوا ، بل القياس عندنا في ذلك ما ذكروا أنهم استحسنوه ، وذلك أنا رأينا الأصل المجتمع عليه : أنه يجوز للرجل أن يجمع بين حجة وعمرة ولا يجمع بين حجتين ولا بين عمرتين ، فكان له [ ص: 493 ] أن يجمع بإحرام واحد بين شكلين مختلفين ، فيدخل بذلك فيهما ولا يجمع بين شيئين من صنف واحد ، فلما كان ما ذكرنا كذلك ؛ كان له أن يجمع أيضا بأدائه جزاء واحدا ما يجب عليه بحرمتين مختلفتين وهما : حرمة الحرم التي لا يجزئ فيها الصوم ، وحرمة الإحرام التي يجزئ فيها الصوم ، ويكون بذلك الجزاء الواحد مؤديا عما يجب عليه فيهما ، فلم يكن له أن يجمع بأدائه جزاء واحدا عما يجب عليه في انتهاك حرمتين مؤتلفتين من شكل واحد وهما : حرمة العمرة وحرمة الحج ، . كما لم يكن له أن يدخل بإحرام واحد في حرمة شيئين مؤتلفين .

                                                ولما كان ما ذكرنا أيضا كذلك وكان الطواف للحجة والطواف للعمرة من شكل واحد لم يكن بطواف واحد داخلا فيهما ، ولم يكن ذلك الطواف مجزئا عنهما ، واحتاج أن يدخل في كل واحد منهما دخولا على حدة ، ، قياسا ونظرا على ما ذكرنا مما يجمعه بإحرام واحد من الحجة والعمرة المختلفتين ، ومما ذكرنا مما لا يجمعه من الحجتين المؤتلفتين ومن العمرتين المؤتلفتين .

                                                التالي السابق


                                                ش: أراد به : [اعتراض] على ما ذكر من وجه النظر والقياس من جهة الخصم ، تقرير الاعتراض أن يقال : لا يلزم من دخول القارن في حرمتين أن يجب عليه طوافان قياسا على وجوب الكفارتين إذا جنى لأجل الحرمتين ؛ لأنا رأينا المحرم إذا أصاب صيدا فإنه يجب عليه جزاء واحد ، مع أن فيه حرمتين : حرمة الإحرام وحرمة الحرم .

                                                وتقرير الجواب أن يقال : إنكم قلتم بوجوب جزاء واحد على المحرم المذكور استحسانا لا قياسا ؛ لأن القياس عندكم يقتضي جزاءين لتعدد الجناية على الإحرام والحرم ، فلا يلزم من ترك القياس ها هنا عدم صحة القياس عليه ، على أنا نقول : القياس عندنا في مسألة المحرم المذكور هو ما قالوا أنه استحسان ، وبين ذلك بقوله : "وذلك أنا رأينا الأصل . . . إلى آخره" ، وهو ظاهر لا يحتاج إلى كثرة كلام .




                                                الخدمات العلمية