الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                صفحة جزء
                                                3612 3613 ص: فإن قال قائل : فقد قالت عائشة - رضي الله عنها - في حديثها : "كنت أرى وبيص الطيب في مفارقه بعد ما أحرم" قيل له : قد يجوز أن يكون ذلك وقد غسله كما ذكرنا ، وهكذا الطيب ربما غسله الرجل عن وجهه أو عن بدنه فيذهب ، ويبقى وبيصه ، . فلما احتمل ما روي عن عائشة - رضي الله عنها - من ذلك ما ذكرنا ؛ نظرنا هل فيما روي عنها شيء يدل على ذلك ؟ فإذا فهد قد حدثنا قال : ثنا أبو غسان ، قال : ثنا أبو عوانة ، عن إبراهيم بن محمد بن المنتشر ، عن أبيه قال : "سألت ابن عمر عن الطيب عند الإحرام ، فقال : ما أحب أن أصبح محرما ينضخ مني ريح الطيب ، فأرسل ابن عمر بعض بنيه إلى عائشة - رضي الله عنها - ليسمع أباه ما قالت ، قال : فقالت عائشة : أنا طيبت رسول الله - عليه السلام - ثم طاف في نسائه فأصبح محرما ، فسكت ابن عمر " .

                                                قال أبو جعفر : - رحمه الله - : فدل هذا الحديث على أنه قد كان بين إحرامه وبين تطييبها إياه غسل ؛ لأنه لا يطوف عليهن إلا اغتسل ، فكأنها إنما أرادت بهذه الأحاديث الاحتجاج على من كره أن يوجد من المحرم بعد إحرامه ريح الطيب ، كما كره ذلك ابن عمر - رضي الله عنهما - فأما بقاء نفس الطيب على بدن المحرم بعد ما أحرم وإن كان تطيب قبل الإحرام فلا ، فتفهم هذا الحديث فإن معناه معنى لطيف .

                                                [ ص: 116 ]

                                                التالي السابق


                                                [ ص: 116 ] ش: هذا السؤال وارد على قوله : "فقد يجوز أن يكون كانت تفعل به . . . " إلى آخره ، تقريره أن يقال : كيف يجوز ما ذكرت من التأويل وقد قالت عائشة في حديثها : "كنت أرى وبيص الطيب - أي بريقه ولمعانه - في مفارقه بعد ما أحرم" وهذا ينافي ما ذكرتم من التأويل ؟

                                                فأجاب عنه بقوله : "قيل له : تقريره أن يقال : يجوز أن يكون بريقه موجودا وقد كان غسله ، وهكذا شأن الطيب ربما يغسله الرجل عن بدنه أو عن وجهه أو عن عضو من أعضائه ، فيذهب بالغسل ويبقى بريقه ولمعانه .

                                                قوله : "فلما احتمل ما روي عن عائشة . . . " إلى آخره . هذا يمكن أن يكون جوابا عما يقال : هل تجد دليل من الحديث يدل على صحة ما ذكرتم من التأويل ؟ فقال : نعم ، وهو ما روي عن عائشة - رضي الله عنها - أنها قالت : "أنا طيبت رسول الله - عليه السلام - ثم طاف في نسائه ، فأصبح محرما" فهذا يدل على أنه قد كان بين إحرامه - عليه السلام - وبين تطييب عائشة - رضي الله عنها - إياه غسل ، لأنه - عليه السلام - ما كان يطوف على نسائه إلا وقد اغتسل ، فدل أن الغسل كان متخللا بين التطييب والإحرام ، ثم لا شك أن الطيب كان يزول بالغسل غير أنه قد كان يبقى ريحه ووبيصه ، وفهم من هذا أن مراد عائشة بهذه الأحاديث التي روي عنها بطرق مختلفة الإنكار على من قد كان كره أن يوجد من المحرم بعد إحرامه ريح الطيب ، لا أنها قصدت بذلك إباحة الطيب عند الإحرام ، وهو معنى قوله : "فأما بقاء نفس الطيب على بدن المحرم . . . " إلى آخره .

                                                وقد اعترض ابن حزم على الطحاوي في هذا المقام ، فقال : كل من الرواة عن عائشة ممن لا يعدل محمد بن المنتشر بأحد منهم لو انفرد ، فكيف إذا اجتمعوا من أنها قالت : إنها طيبته - عليه السلام - عند إحرامه ولإحلاله قبل أن يطوف بالبيت ، وما رواه من رواه منهم من أنها رأت الطيب في مفارقه - عليه السلام - بعد ثالثة من إحرامه أيضا ، فقد صح بيقين لا خلاف فيه أنه - عليه السلام - إنما أحرم في تلك الحجة إثر صلاة الظهر ، فصح أن [ ص: 117 ] الطيب الذي روى ابن المنتشر هو طيب آخر كان قبل ذلك بليلة طاف فيها - عليه السلام - على نسائه ثم أصبح كما في حديث ابن المنتشر .

                                                قلت : محمد بن المنتشر ممن روى له الجماعة ، فإذن لا اعتبار لقوله : "ممن لا يعدل محمد بن المنتشر بأحد منهم" وقد قيل : إن الطيب الذي طيبت به عائشة رسول الله - عليه السلام - كان من الذي لا يبقى له ريح ، وقال القاضي : أو نقول : إنه أذهبه غسل الإحرام . ويعضد هذا التأويل ما ذكر مسلم في الحديث : "طيبت رسول الله - عليه السلام - عند إحرامه ، ثم طاف على نسائه ثم أصبح محرما ، فقد ظهرت علة تطييبه أنها إنما كانت لمباشرة نسائه ، وأن غسله بعد ذلك منهن وغسله للإحرام أذهبه ، لا سيما وقد ذكر عنه أنه كان يتطهر من كل واحدة قبل مواقعة الأخرى ، فأي طيب يبقى بعد أغسال كثيرة ؟ ! ثم قال : وقد ثبت أن الطيب الذي طيبته به ذريرة ، وهي مما يذهبها الغسل ولا يبقى ريحها بعده .

                                                وقال البيهقي في كتاب "المعرفة" وغيره : واحتج الطحاوي في وجوب غسله قبل الإحرام حتى يذهب أثره بحديث محمد بن المنتشر ، وليس في هذا الحديث أنه أصابهن حتى وجب عليه الغسل ، وقد كان يطوف عليهن من غير أن يصيبهن ، قالت عائشة - رضي الله عنها - : "قل يوم - أو ما كان يوم - إلا ورسول الله - عليه السلام - يطوف علينا جميعا ، فيقبل ويلمس ما دون الوقاع ، فإذا جاء [الذي هو] يومها يبيت عندها" ثم إن كان في هذا الحديث دلالة على أنه اغتسل بعد ما تطيب أو اغتسل للإحرام كما روي في بعض الأخبار ؛ ففي حديث إبراهيم ، عن الأسود ، عن عائشة أنها قالت : "كأني أنظر إلى وبيص المسك في مفارق رسول الله - عليه السلام - وهو محرم" وفي حديث عطاء بن السائب ، عن إبراهيم بعد ثلاث ، وفي هذا دلالة على بقاء عينه وأثره عليه بعد الإحرام ؛ لأن وبيص المسك : بريقه ولمعانه ولا يكون لرائحة الطيب بريق إنما البريق لعينه الباقية عليه .

                                                [ ص: 118 ] قلت : قول عائشة - رضي الله عنها - في حديث محمد بن المنتشر : "فأصبح محرما" قرينة على أن المراد من قولها : "فطاف في نسائه" هو الوقاع على سبيل الكفاية لا التقبيل ولا اللمس ، وهذا ظاهر لا يدفع ؛ لأن المحرم ممنوع من الجماع ، وربما يمكث الرجل في إحرامه مدة طويلة من الزمن ، فلا يطوف من يريد الإحرام على نسائه إلا لأجل الوقاع ، بخلاف قولها : "قل يوم - أو ما كان يوم - إلا ورسول الله - عليه السلام - يطوف علينا" فإن هذا لا يشابه ما نحن فيه ، فافهم .

                                                وقوله : "وفي هذا دلالة على بقاء عينه . . . إلى آخره" قد ذكرنا أن الثابت عن الطيب الذي طيبته به عائشة - رضي الله عنها - هو الذريرة وأن ذلك مما يذهبها الغسل فيحتمل أن يذهب ذلك عن بدنه ويبقى وبيصها ، وكذلك المسك يحتمل أن يكون مخلوطا بشيء آخر بحيث أنه قد تلبس بالبدن ، فذهب عينه بالغسل وبقي وبيصه ، وهذا يعرف بالمس لأن الوبيص يكون من دهنه وقد بين ذلك في حديث آخر : "ثم أرى وبيص الدهن في رأسه ولحيته بعد ذلك" .

                                                ثم إسناد حديث ابن المنتشر صحيح ، وأخرجه عن فهد بن سليمان ، عن أبي غسان مالك بن إسماعيل النهدي شيخ البخاري ، عن أبي عوانة الوضاح اليشكري روى له الجماعة ، عن إبراهيم بن محمد بن المنتشر وثقه ابن حبان ، عن أبيه محمد بن المنتشر روى له الجماعة ، عن عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - .

                                                وأخرجه مسلم : ثنا سعيد بن منصور وأبو كامل جميعا ، عن أبي عوانة - قال سعيد : أنا أبو عوانة - عن إبراهيم بن محمد بن المنتشر ، عن أبيه قال : "سألت عبد الله بن عمر عن الرجل يتطيب ثم يصبح محرما ، فقال : ما أحب أن أصبح محرما أنضح طيبا ، لأن أطلى بقطران أحب إلي من أن أفعل ذلك ، فدخلت على عائشة ، فأخبرتها أن ابن عمر قال : ما أحب أن أصبح محرما أنضح طيبا ، لأن أطلى بقطران أحب إلي من أن أفعل ذلك ، فقالت عائشة : أنا طيبت رسول الله - عليه السلام - عند إحرامه ، ثم طاف في نسائه ، ثم أصبح محرما" .

                                                [ ص: 119 ] وأخرجه البخاري والنسائي أيضا .

                                                قوله : "ينضخ مني" أي يفور ومنه عينان نضاختان وقال ابن الأثير : النضخ بالخاء المعجمة قريب من النضح بالمهملة ، وقد اختلف فيهما أيهما أكثر ، والأكثر أنه بالمعجمة أقل من المهملة ، وقيل : هو بالمعجمة الأثر يبقى في الثوب والجسد ، وبالمهملة الفعل نفسه ، وقيل : هو بالمعجمة ما فعل تعمدا ، وبالمهملة من غير تعمد ، وقال : في حديث الإحرام : "ثم أصبح محرما ينضح طيبا" أي يفوح ، فذكره في الحاء المهملة ، ثم قال : والنضوح - بالفتح - ضرب من الطيب تفوح رائحته ، وأصل النضح الرشح فشبه كثرة ما يفوح من طيبه بالرشح ، وفي "المطالع" النضخ بالخاء المعجمة كاللطخ يبقى له أثر ، قالابن قتيبة : وهو أكثر من النضح بالمهملة ، ولا يقال فيه : نضحت ، وقد يكون معنى الحديث على هذا : يقطر ويسيل منه الطيب كما جاء في حديث محمد بن عروة : "وقد لطخ بالغالية ، وجعل أبوه يقول : قطرت قطرت" وقيل : بالمعجمة فيما ثخن كالطيب ، وبالمهملة فيما رق كالماء ، وقيل : كلاهما سواء .

                                                قوله : "ثم طاف في نسائه" أي على نسائه وكلمة "في" تجيء بمعنى "على" كما في قوله تعالى : ولأصلبنكم في جذوع النخل أي على جذوع النخل .




                                                الخدمات العلمية