الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


3946 3947 ص: وأما وجه ذلك من طريق النظر : فإنا قد رأينا الأصل المجتمع عليه : أن للضعفة أن يتعجلوا من جمع بليل ، وكذلك أمر رسول الله - عليه السلام - أغيلمة بني المطلب ، وسنذكر ذلك في موضعه من كتابنا هذا إن شاء الله تعالى .

وقد رخص لسودة ترك الوقوف بها .

حدثنا ابن خزيمة ، قال : ثنا حجاج ، قال : ثنا حماد ، قال : ثنا عبد الرحمن بن القاسم ، عن أبيه ، عن عائشة - رضي الله عنها - قالت : " كانت سودة امرأة ثبطة ، ثقيلة ، فاستأذنت النبي - عليه السلام - أن تفيض من جمع ، قبل أن تقف ، فأذن لها ، ولوددت أني كنت استأذنته فأذن لي" . .

[ ص: 516 ] قال أبو جعفر : - رحمه الله - : فسقط عنهم الوقوف بمزدلفة للعذر ، ورأينا عرفة ، لا بد من الوقوف بها لا يسقط ذلك لعذر ، فما سقط بالعذر فهو الذي ليس من صلب الحج ، وما لا بد منه فلا يسقط بعذر ولا بغيره ؛ فهو الذي من صلب الحج ، . ألا ترى أن طواف الزيارة هو من صلب الحج ، وأنه لا يسقط عن الحائض بالعذر ، وأن طواف الصدر ليس من صلب الحج ، وهو يسقط عن الحائض بالعذر - وهو الحيض - فلما كان الوقوف بمزدلفة مما يسقط بالعذر كان من شكل ما ليس بفرض ، فثبت بذلك ما وصفناه ، وهو قول أبي حنيفة ، وأبي يوسف ، ومحمد ، - رحمهم الله - .

التالي السابق


ش: أي : وأما وجه الوقوف بمزدلفة من طريق النظر والقياس فهو : أن الخصوم كلهم اتفقوا على أن الضعفة لهم التعجل من مزدلفة من الليل بدون الوقوف لأجل العذر .

واتفقوا أن الوقوف بعرفة لا يسقط بعذر ولا بغير عذر ، فالذي يسقط بعذر لا يكون من صلب الحج ، فالنظر على ذلك يقتضي أن يكون الوقوف بمزدلفة من أشكال ما ليس بفرض ، فإذا كان من هذا القبيل يكون غير فرض .

قوله : "للضعفة" جمع ضعيف ، كالنساء والصبيان وأصحاب الأعذار .

قوله : "وكذلك أمر رسول الله - عليه السلام - أغيلمة بني عبد المطلب" . أراد أنه - عليه السلام - أمرهم بالتعجيل من جمع ، على ما يأتي في الباب الذي بعد الباب الذي يليه .

والأغيلمة تصغير أغلمة ، والأغلمة جمع غلام على ما نبينه مستقصى إن شاء الله تعالى .

وأخرجه بإسناد صحيح ، عن محمد بن خزيمة ، عن حجاج بن المنهال شيخ البخاري ، عن حماد بن سلمة ، عن عبد الرحمن بن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - عن عائشة .

[ ص: 517 ] وأخرجه البخاري : ثنا محمد بن كثير ، أنا سفيان ، نا عبد الرحمن - هو ابن القاسم - عن القاسم ، عن عائشة قالت : "استأذنت سودة النبي - عليه السلام - ليلة جمع وكانت ثقيلة ثبطة فأذن لها" .

وفي رواية قالت : "نزلنا المزدلفة ، فاستأذنت النبي - عليه السلام - سودة أن تدفع قبل حطمة الناس ، وأقمنا حتى أصبحنا نحن ، ثم دفعنا بدفعه ، فلأن أكون استأذنت رسول الله - عليه السلام - كما استأذنت سودة رسول الله - عليه السلام - أحب إلي من مفروح به" .

وأخرجه مسلم : نا عبد الله بن مسلمة بن قعنب ، قال : أنا أفلح بن حميد ، عن القاسم ، عن عائشة أنها قالت : "استأذنت سودة رسول الله - عليه السلام - ليلة المزدلفة تدفع قبله وقبل حطمة الناس ، وكانت ثبطة - يقول القاسم : والثبطة : الثقيلة - قال : فأذن لها ، فخرجت قبل دفعة الناس ، وحبسنا حتى أصبحنا ودفعنا بدفعه ، ولأن أكون استأذنت رسول الله - عليه السلام - كما استأذنت سودة فأكون أدفع بإذنه أحب إلي من مفروح به" .

وأخرجه النسائي أيضا .

وسودة : هي بنت زمعة بن قيس بن عبد شمس القرشية العامرية أم المؤمنين ، تزوجها رسول الله - عليه السلام - بعد موت خديجة - رضي الله عنها - وكانت قبله عند السكران بن عمرو أخي سهل بن عمرو ، توفيت في آخر خلافة عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - .

قوله : "ثبطة" . بفتح الثاء المثلثة وكسر الباء الموحدة ، يعني بطيئة ، قال ابن قرقول : كذا ضبطناه ، وضبطه الحياني عن ابن سراج بالكسر والإسكان .

وقال عياض : حقيقة الثبطة المتأنية لثقلها وضخامتها .

[ ص: 518 ] قوله : "قبل حطمة الناس" . أي زحمتهم ، ومنه سمي الحطيم لانحطام الناس عليه أي ازدحامهم .

قوله : "من مفروح به" . أي مما يسر به المرء ، ولا يقال دون "به" ، ويقال : "من منفرح" بضم الميم وكسر الراء من قولهم : أفرحني الشيء إذا سرني ، فهو مفرح .

ويستفاد منه أن الوقوف بمزدلفة ليس بفرض ، إذ لو كان فرضا لما أذن - عليه السلام - لسودة أن تترك الوقوف بها .

وأن ضعفة الناس يجوز لهم أن يتركوا الوقوف بها لأجل عذرهم .

واحتجت الشافعية بهذا الحديث على مذهبهم في جواز الرمي بعد نصف الليل قبل الفجر .

قلنا : هذا كان رخصة لأولي الأعذار في الدفع من جمع ، والإفاضة بليل ، ولكن السنة المبيت بها وصلاة الفجر بها غلسا والوقوف بالمشعر الحرام حتى يسفر جدا ، ثم الدفع قبل طلوع الشمس كما فعل النبي - عليه السلام - في حديث جابر وعدة من الأحاديث .

***


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث