الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الأول يبطل الرد مطلقا

جزء التالي صفحة
السابق

فرع

قال : إن اشترى على البراءة ، وباع على العهدة ، ولم يخير بذلك قال مالك : للمشتري الرد ; لأن البراءة توهم العيب ، وعنه : خلافة لعدم تعين العيب ، قال مالك : لا يبع بالبراءة من اشترى على العهدة ; لأنه ضمن للمشتري بالعيب ، ويرجع به هو على بائعه فكأنه أخذ ثمنين ، فكذلك إذا اشترى بعهدة الثلاث ، ثم باع من يومه بالبراءة فيموت في الثلاث ، ويرجع على البائع .

قال ابن القاسم : إذا اشترى بالبراءة ، وباع بالعهدة فوجد الثالث عيبا رده على الأوسط ، وعلى الأول اليمين ، وقال في عبد تناوله ثلاثة نفر بالبراءة فوجد الأخير عيبا كان عند الأول ، حلف الوسط : ما علمه وليس بين الأول والآخر شيء لعدم المعاملة .

[ ص: 96 ] فرع

لم يختلف في علي الجواري أنهن لا يبعن على البراءة في بيع السلطان وغيره ، إلا أن يكون ملك امرأة أو صبي أو منفعة السبي خشية توقع الحمل .

فرع

قال صاحب النكت : قال ابن حبيب : إنما تجوز البراءة في الرقيق بعد طول اختباره ، فإن لم تطل إقامته عنده ولا اختبره كره له ; لأنه يشبه المخاطرة ، قال أصبغ : فإن وقع مضى .

فرع

قال ابن حبيب : وبرئ من كل عيب لم يعلمه ، وإن أتى ذلك على جل الثمن عند مالك وأصحابه إلا المغيرة ، قال : إلا أن يجاوز الثلث .

فرع

قال اللخمي : فلو لم يذكر قدر العيب ولا تفصيله قال ابن القاسم : البيع جائز ، وإن كان قليلا لزم المشتري ، وقال أشهب : يفسد للغرر .

فرع

قال ابن يونس : حوريا البراءة فيجوز أن توضع بعد العقد بدينار ، ويرجع بالعيوب ; لأنه الأصل .

فرع

قال صاحب المنتقى : لم أر لأحد من أصحابنا ضابط ما تدخله البراءة ، وضابطه : أنها تدخل في كل عقد معاوضة ليس من شرطه التماثل احترازا من [ ص: 97 ] القرض ، فإن من شرطه التماثل ، واشتراط البراءة فيه ، وفي القضاء يمنع التماثل لجواز أن يكون بأحدهما من العيوب ما ليس في الآخر ، والحيل بالتماثل كالتفاضل .

فرع

قال : ومقتضى اختصاص البراءة إذا وقعت في الحيوان أن يفسخ ، والمنقول عن مالك صحة البيع وبطلان الشرط ، وقال أشهب : لا أفسخه في الحيوان ، وأفسخه في العروض إلا أن يطول .

فرع

قال : إذا قلنا : بيع السلطان في المغنم والميراث والتفليس بالبراءة ، فباع ولم يبين أن المبيع من ذلك ، فعند مالك : للمشتري القيام لعدم الرضا بالبراءة ، وقال أصبغ بنفيها ; لأن بيع السلطان وبأسه لا يخفى ، وأما بيع الوصي والورثة فلا بد من علم المبتاع ; لأنه قد يخفى .

فرع

قال : الذي تقع فيه البراءة خاص وعام ، والأول ثلاثة أقسام : متفق على جوازه ، ومتفق على منعه ، ومختلف فيه ، فالأول : البراءة من حمل الأمة الظاهر ، والثاني : من حمل أمة أقر البائع بوطئها ; لأن الإنسان لا يبرأ من ولده ، ويفسد العقد على الصحيح للشرط الباطل ، وعن مالك : لا يفسد ، والثالث : من حمل الرائعة الذي لم يظهر ولم يقر بوطئها . منعه مالك في الدابة لعدم على قول ابن حبيب الجواز ، وقاله ( ش ) فإن دفع بعد العقد دينارا للبراءة منعه مالك في الدابة لعدم تعين العوض ، وحصره ابن حبيب في الجارية دون الدابة ، كما يجوز شراء طلب العبد بعد العقد ، وأما البراءة العامة مما لا يعلم ، فتصح عند [ ص: 98 ] مالك في كل عيب إلا حمل الرائعة ، كان العيب ظاهرا أو خفيا .

المانع الثاني : فوات العقود عليه حسا بالتلف ، أو حكما بالعقد والاستيلاد والكتابة والتدبير ; لأن الرد بالعيب فرع وجود العين ، وحيث لا عين لا رد ، وفي الكتاب : باع عبدا بثوبين فهلك أحدهما ووجد الآخر معيبا وهو وجه الصفقة رده وقيمة الهالك ، وأخذ العبد ، فإن فات بحوالة سوق أو تغير بدن ، والثاني ثلث القيمة أو ربعه رجع بحصة ذلك من قيمة العبد لا في عينه نفيا لضرر الشركة ، ولو كان العيب بالعبد رده مشتريه ، فإن كان الحاضر أرفع الثوبين ولم يفت بحوالة سوق أو غيره أخذ مع قيمة الهالك ، وإن فات بتغير سوق أو غيره أو لم يفت وليس وجه الصفقة ، أسلمه وأخذ قيمة ثوبه ما بلغت ، قال ابن يونس : قال أبو محمد : معنى قوله ثلث القيمة يريد : أو النصف ، أو الثلثين ، فإنه يرجع بحصته من قيمة العيب لا في عينه ; لأن العبد لما فات وجب الرجوع في قيمته ، والقيمة عين فصار الشراء فلا ينظر هل المعيب وجه الصفقة أو لا ؟ قال محمد : إن كان المعيب أدنى الثوبين وقد فات الأرفع أم لا والعبد لم يفت ، رد المعيب وحده ، ورجع بحصته من قيمة العبد لا في عينه لضرر الشركة ، وقال أشهب : بل في العبد ; لأنه الثمن ، وعلى رأيه : لا يراعى وجه الصفقة في العيب ; لأنه لا يراعى ضرر الشركة ونحوه له ، فمن باع جارية بجاريتين قيمتها سواء يرجع في المعيبة بنصف القيمة فاتت أم لا ، وقال أشهب : يرجع في عينها ، قال محمد : إن كانت المعينة أرفعها ونقص بدنها ردهما وأخذ جاريته ، إلا أن تفوت بسوق أو بدن ، فقيمتها يوم خروجها من الاستبراء ، وإن لم تفت المعينة لا المنفردة وفاتت الدنية رد المعينة وقيمة الدنية مطلقا لحصتها ; لانتقاض البيع ، ويأخذ جاريته ، وإنما يفيت المنفردة عيب مفسد ، وإن فاتت المنفردة فقط في سوق أو بدون رد المعينة فقط ورجع بقيمتها من قيمة صاحبتها إن فاتت الدنية فيأخذ تلك الحصة من قيمة المنفردة ، وإن لم تفت الدنية ردها مع المعينة وأخذ قيمة المنفردة ، وإن فاتت بقيمتها يوم القبض ، قال [ ص: 99 ] صاحب التنبيهات : جعل في الكتاب : تغير السوق مفيتا للعرض المعيب ; لأنه إذا كان قائما ، فإنما يرد بالحكم فأشبه البيع الفاسد ، وعنه : خلاف ذلك ولا خلاف أن حوالة السوق لا تفيت الرد بالعيب .

فرع

في الكتاب : قال ابن حبيب : إذا احتلفا بعد ضياع ما يغاب عليه فقال البائع : ملكتك فركبت ، وقال المبتاع : بل منعتني إن علم هلاكه فمن المبتاع ، وإلا صدق مع يمينه ، إلا أن تقوم بينة على تمكين البائع وامتناع المبتاع ، وقاله ابن القاسم ; لأنه غارم .

فرع

في الكتاب : إذا قبض الجارية بعد شهرين وحوالة السوق ، ثم ماتت عنده ، ثم ظهر عيبها لتقويم العقد لأنه صحيح بخلاف الفاسد ، لا يضمن إلا بالقبض ، وإن ماتت عند المبتاع أو تعيبت بعد قبض الثمن فضمانها من المبتاع ، وإن كان البائع حبسها بالثمن كالرهن ، هذا إذا لم يكن فيها مواضعة ، وقال عن المحبوس بالثمن من البائع وضمان الجارية من المبتاع ، وإن هلكت عند البائع حتى يقضى له بالرد بالعيب أو يبرئه البائع منها ، وينفذ عتقها من المبتاع ; لأنها ملكه ، وله الرضا بالعيب دون عتق البائع ، بخلاف البيع الفاسد لعدم الملك ، إلا أن يعتق المبتاع قبل عتق البائع ، فقيمتها ذلك .

قال ابن : اختلف قول مالك في ضمان العبد إذا لم ينفذ ، نظرا إلى أن المحبوس بالثمن كأنه لم يملك أو إلى أن العقد باطل ، قال ابن القاسم : ولو قبض الجارية ثم أشهد على البائع أنه لم يرض بالعيب ثم ماتت بعد الإقالة أو أصابها عيب فمن المشتري لضمانها بالقبض ، وقال محمد : من البائع ، كما لو استوجب سلعة قريبة [ ص: 100 ] العينة فإنها من المشتري قبل القبض ، فإن امتنع البائع من الإقالة فيقضى عليه فمن المشتري ; لأنه لم يوجب الإقالة على نفسه ، وقال مالك : أيضا من البائع ، قال صاحب التنبيهات : قال أشهب : إذا أعتق البائع في يد المشتري لا يعتق عليه إذا رجع إليه ; لأنه في ضمان غيره ، فإن كان في يد غيرهما نفذ عتق السابق منهما ، وإلا فعتق صاحب الحوز ; لأنه أملك به ، وقال : إذا أشهد المبتاع أنه غير راض بالعيب برئ منه إلا أن يطول الأمر حتى يرى أنه راض .

فرع

في الكتاب : إذا تصدق بها أو وهبها لغير ثواب فهو فوت ، ويرجع بقيمة العيب لتعلق حق الغير ، وإن باعها أو وهبها للثواب أو أجرها أو رهنها فلا يرجع بشيء ، فإذا زالت الإجارة أو الرهن فله الرد ، فإن تعيبت رد نقصها ، وقال أشهب : إن افتكها حين علم بالعيب فله ردها ، وإلا رجع بما بين الصحة والعيب ، قال ابن يونس : قال ابن حبيب : إذا قرب الأجل في الإجارة أو الرهن نحو الشهر أخر إلى انقضائه ، وإلا ففوت ، وإن باع مع العلم بالعيب فقد رضيه ، وإلا فلم ينقص للعيب ، قال مالك : لو ادعى بعد البيع العيب لم تكن له المطالبة ; لأنه لو ثبت لم يوجب عليه شيئا إلا أن يرجع إليه بشراء أو ميراث أو صدقة أو بعيب أو غير ذلك ، فله الرد على البائع ، وقاله ( ش ) وابن حنبل ، وقال ( ح ) : ليس له رده إلا أن يكون البيع بحكم حاكم ; لأنه أسقط حقه من الرد بالعيب فلا يرد ولو رضي به .

وجوابه : أن الرد امتنع لعجزه عنه ، ويرد بعد التمكن كما لو امتنع لغيبة البائع ، وقال الأئمة لا يرجع قبل الشراء بشيء ; لأنه استدرك ظلامته بالبيع ، وقياسا على زوال العيب كما قال مالك ، وقال أشهب : إذا رجع بشراء ولم يعلم بعيبه ، فله الرد على البائع الأخير ; لأن عقده يقتضي عهدته ، ثم هو مخير في الرضا والرد على المشتري الآن لأن العهدة الآن عليه ، فإن رده عليه فله رده على البائع الأول بالأقل من تمام الثمن الأول ، أو قيمة العيب ، ولو باعه المشتري [ ص: 101 ] الثاني من المشتري الأول بأقل مما اشتراه فله الرجوع على المشتري الأول بتمام ثمنه لا بالأقل ; لأن له رده عليه وهو الآن في يديه ، ولو باعه من غيره بأقل فرضيه مشتريه لم يرجع إلا بالأقل ، ولو وهبه من المشتري الأول ، أو تصدق به عليه رجع بقيمة العيب من الثمن الذي اشتراه به منه ، وللمشتري الأول الرد على البائع الأول وأخذ جميع الثمن الأول ، ولا يحاسبه ببقية الثمن الذي قبضه من الواهب ; لأن الثاني وهبه غيره ولورثة المشتري الأول ، فله رده على البائع الأول وأخذ جميع الثمن ; لأن ما وجب للميت قد ورثه المشتري الأول عنه ، قال محمد : إن كنت نقصت من الثمن لأجل العيش لظنك حدوثه عندك وتبين عيبه رجعت بالأقل ، وقال ابن عبد الحكم : بل بقيمته كاملة ، قال ابن حبيب : إن بعته بالثمن فأكثر ثم رجعت بشراء أو ميراث أو هبة قضي عليك بعدم الرجوع لخروجه بمثل الثمن فلا رجوع ، وإلا فلك الرجوع ، قال أبو محمد : بل لك الرد قضي عليك أم لا ، لانتقاض السبب المانع من الرد ، ولو فاتت عند المشتري الثاني ورجع عليك فلك الرجوع على البائع الأول بقيمة العيب ما لم تكن أكثر ، غرم الثالث ، فلا ترجع إلا بما غرم الثالث .

فرع

في الكتاب : إن ولدت من غيره ردها مع ولدها أو أمسكها ; لأنه . . . . فإن مات ولدها فله ردها والرجوع بالثمن كله ; لأن الولد غير مبيع إلا أن تنقصها الولادة فيرد نقصها ، فإن فاتت لم يكن له رد الولد مع قيمة الأم يوم العقد بغير ولد لهلاك المبيع بجملته ، قال أشهب : إلا أن يأخذ من القاتل في قيمتها مثل الثمن ; لأن الرد بالعيب نقض للعقد من أصله ، فالمأخوذ للبائع يسد عنه مسد الثمن ، قال صاحب تهذيب الطالب : إذا اشتراها حاملا فولدت عنده لم يحدث عنده عيب إذا لم تنقصها الولادة ، وإذا ردمها ردما أخذ [ ص: 102 ] الولد من ثمن أو قيمة بخلاف المفلس ببيع الولد ، وقال أصبغ : يرد في العيب من الثمن قدر قيمته كأنه اشتراه مع أمه مولودا . وإن مات الولد ردها ولا شيء عليه فيه ، وإن مات أو قتلت رجع بأرش العيب ، قال أشهب : إلا أن يقول البائع : أخذ ما أخذ في الولد من ثمن أو قيمة أو الولد نفسه إن كان باقيا ، أو قيمة الأم إن أخذت لها قيمة فذلك له ، وإلا فعليه قيمة العيب أو ما نقص من الثمن بعد أن يحسب عليه ، وما أخذ من قيمة أو ثمن ، ويرجع القاتل عليه بقيمة العيب يوم القتل ; لأنه دفع مقابلة ذلك الوقت إن لم يعلم به ، ويضم لقيمة الأم ما أخذ في الولد من ثمن أو قيمة ، ويرجع بما بقي على البائع ، قال أبو محمد : ومعنى قول أشهب في الكتاب : إذا قتلت الأم رجع بقيمة العيب إلا أن يكون أخذ في القيمة بمثل الثمن يريد : أو كانت القيمة مثل حصة العيب من الثمن ; لأنه إنما يرجع بالعيب ، وقال ابن شلبون : بل معناه مثل رأس ماله ، قال بعض الشيوخ : وقول أشهب خلاف قول ابن القاسم ; لأنها تقوم على القاتل معيبة فتبقى حصة العيب عند البائع ، وقول أشهب في الكتاب : إذا ماتت الأم فللبائع أخذ الولد ورد الثمن كله خلاف قول ابن القاسم ، بل يرجع بقيمة العيب ; لأن الولد لو هلك مع بقائها لم يعتبر ، ولو جرحت الأمة موضحة ردها ، ولا يرد الأرش ; لأنها لا ينقصها ، قال صاحب البيان : زيادة المبيع إما في الحال بالصنائع والأموال فليس فوتا اتفاقا ، أو في العين ، وهي ثلاثة أقسام : الولد ، والكبر ، والسمن ، ففي الولد قولان ليس بفوت بل له الرد ، ورده أو ثمنه إن باعه ، وقيل : فوت ، وفي كبر الصغير وسمن الجواري قولان .

فرع

قال ابن يونس : قال ابن الكاتب : الهبة للابن الصغير ليس بفوت لقدرته [ ص: 103 ] على الانتزاع ، فلا يكون له الرجوع بأرش العيب ، وقال ابن حبيب : فوت لتعلق حق الأرش .

فرع

قال بعض الشيوخ : إذا بلغ بالمرض حد السياق ، فأخذ أرش العيب ، ثم عجز المكاتب وصح المريض ، لا ينقض الحكم ، لأن سببه كان محققا .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث