الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                              معلومات الكتاب

                                                                                                                                                                                                                              سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد

                                                                                                                                                                                                                              الصالحي - محمد بن يوسف الصالحي الشامي

                                                                                                                                                                                                                              صفحة جزء
                                                                                                                                                                                                                              ذكر ثبات رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ورميه الكفار ، ونزوله عن بغلته ، ودعائه ربه سبحانه وتعالى ، وما وقع في ذلك من الآيات

                                                                                                                                                                                                                              روى ابن إسحاق ، والإمام أحمد عن جابر بن عبد الله ، وابن إسحاق ، وعبد الرزاق ، ومسلم عن العباس عم رسول الله - صلى الله عليه وسلم ، قال العباس : شهدت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم : يوم حنين ، فلزمت أنا وأبو سفيان بن الحارث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلم نفارقه ، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - على بغلة له شهباء ، قال عبد الرزاق : وربما قال معمر : بيضاء ، أهداها له فروة بن نفاثة الجذامي ، قال فلما التقى المسلمون والكفار ولى المسلمون مدبرين ، فطفق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يركض بغلته قبل الكفار ، وأنا آخذ بلجام بغلة رسول الله - صلى الله عليه وسلم ، وفي رواية : أكفها أن لا تسرع ، وهو لا يألو ما أسرع نحو المشركين ، وأبو سفيان بن الحارث آخذ ، بركاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -

                                                                                                                                                                                                                              وفي رواية بغرزه ، وفي رواية بثغره ، فالتفت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى أبي سفيان بن الحارث وهو مقنع في الحديد ، فقال : «من هذا” فقال : ابن عمك يا رسول الله ، وفي حديث البراء : وأبو سفيان ابن عمه يقود به ، قال ابن عقبة - رحمه الله تعالى : وقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الركابين ، وهو على البغلة ، فرفع يديه إلى الله - تعالى - يدعو يقول : «اللهم إني أنشدك ما وعدتني . . اللهم لا ينبغي لهم أن يظهروا علينا”


                                                                                                                                                                                                                              انتهى .

                                                                                                                                                                                                                              قال العباس : فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم : «يا عباس!! ناديا معشر الأنصار ، يا أصحاب السمرة ، يا أصحاب سورة البقرة” .

                                                                                                                                                                                                                              قال العباس - وكنت رجلا صيتا - فقلت بأعلى صوتي : أين الأنصار ، أين أصحاب [ ص: 323 ] السمرة ، أين أصحاب سورة البقرة ، قال : والله لكأنما عطفتهم حين سمعوا صوتي عطفة البقر على أولادها .


                                                                                                                                                                                                                              وفي حديث عثمان بن شيبة عند أبي القاسم البغوي ، والبيهقي «يا عباس ، اصرخ بالمهاجرين الذين بايعوا تحت الشجرة ، وبالأنصار الذين آووا ونصروا”

                                                                                                                                                                                                                              قال : فما شبهت عطفة الأنصار على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلا عطفة الإبل على أولادها . حتى ترك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كأنه في حرجة ، فلرماح الأنصار كانت أخوف عندي على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من رماح الكفار - انتهى . فقالوا : يا لبيك يا لبيك يا لبيك . قال : فيذهب الرجل يثني بعيره ولا يقدر على ذلك ، أي لكثرة الأعراب المنهزمين - كما ذكره أبو عمر بن عبد البر - فيأخذ درعه فيقذفها في عنقه ويأخذ سيفه وترسه ويقتحم عن بعيره ، فيخلي سبيله ، فيؤم الصوت حتى ينتهي إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى إذا اجتمع منهم مائة ، استقبلوا الناس فاقتتلوهم والكفار ، والدعوة في الأنصار يا معشر الأنصار ، ثم قصرت الدعوة على بني الحارث بن الخزرج ، وكانوا صبرا عند الحرب ، وأشرف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ركابيه ، فنظر إلى مجتلدهم وهم يجتلدون وهو على بغلته كالمتطاول عليها إلى قتالهم ،

                                                                                                                                                                                                                              فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : «هذا حين حمي الوطيس ، ثم أخذ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حصيات فرمى بهن وجوه الكفار ، ثم قال : «انهزموا ورب محمد”

                                                                                                                                                                                                                              فذهبت أنظر فإذا القتال على هيئته فيما أرى ، فو الله ما هو إلا أن رماهم بحصياته فما زلت أرى حدهم كليلا وأمرهم مدبرا ، فو الله ما رجع الناس إلا وأسارى عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مكتفون ، قتل الله تعالى - منهم من قتل ، وانهزم منهم من انهزم وأفاء الله تعالى على رسوله أموالهم ونساءهم وأبناءهم
                                                                                                                                                                                                                              .

                                                                                                                                                                                                                              وروى ابن سعد ، وابن أبي شيبة ، والإمام أحمد ، وأبو داود ، والبغوي في معجمه ، والطبراني وابن مردويه ، والبيهقي برجال ثقات عن أبي عبد الرحمن بن يزيد الفهري - يقال اسمه كرز - رضي الله تعالى عنه - قال : كنت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في حنين في يوم قائظ شديد الحر ، فنزلنا تحت ظلال السمر ، فلما زالت الشمس لبست لأمتي ، وركبت فرسي فأتيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو في فسطاطه ، فقلت : السلام عليك يا رسول الله ورحمته ، الرواح قد حان ، الرواح يا رسول الله ، قال : «أجل” ثم قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : «يا بلال” فثار من تحت سمرة كأن ظله ظل طائر ، فقال : لبيك وسعديك ، وأنا فداؤك . قال : «أسرج لي فرسي” فأتاه بسرج دفتاه من ليف ليس فيهما أشر ولا بطر ، فركب فرسه ، ثم سرنا يومنا ، فلقينا العدو ، وتشأمت الخيلان ، فقاتلناهم فولى المسلمون مدبرين كما قال الله تعالى ، فجعل رسول [ ص: 324 ] الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : «يا عباد الله . أنا عبد الله ورسوله ، يا أيها الناس إني أنا عبد الله ورسوله” فاقتحم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن فرسه ، وحدثني من كان أقرب إليه مني أنه أخذ حفنة من تراب فحثاها في وجوه القوم ، وقال : «شاهت الوجوه” قال يعلى بن عطاء : وأخبرنا أبناؤهم عن آبائهم أنهم قالوا : ما بقي منا أحد إلا امتلأت عيناه وفمه من التراب ، وسمعنا صلصلة من السماء كمر الحديد على الطست ، فهزمهم الله تعالى .

                                                                                                                                                                                                                              وروى أبو يعلى والطبراني برجال ثقات عن أنس - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أخذ يوم حنين كفا من حصى أبيض فرمى به وقال : «هزموا ورب الكعبة” وكان علي - رضي الله عنه - يومئذ أشد الناس قتالا بين يديه .

                                                                                                                                                                                                                              وروى أبو نعيم بسند ضعيف عن أنس - رضي الله عنه - والطبراني عن عكرمة - رحمه الله تعالى - قالا : لما انهزم المسلمون بحنين ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - على بغلته الشهباء - وكان اسمها دلدل - فقال لها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «دلدل البدي” فألزقت بطنها بالأرض ، فأخذ حفنة من تراب فرمى بها في وجوههم وقال : «حم لا ينصرون” فانهزم القوم ، وما رمينا بسهم ولا طعنا برمح ، كذا في هذه الرواية اسمها دلدل ،

                                                                                                                                                                                                                              والصحيح أن دلدل أهداها المقوقس فهي غير التي أهداها فروة بن نفاثة .

                                                                                                                                                                                                                              وروى أبو القاسم البغوي ، والبيهقي ، وأبو نعيم ، وابن عساكر عن شيبة بن عثمان - رضي الله عنه - : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال يوم حنين : يا عباس ناولني من الحصباء قال :

                                                                                                                                                                                                                              وأفقه الله - تعالى - البغلة كلامه ، فانخفضت به حتى كاد بطنها يمس الأرض ، فتناول رسول الله - صلى الله عليه وسلم من البطحاء فحثا في وجوههم وقال : «شاهت الوجوه ، هم لا ينصرون”
                                                                                                                                                                                                                              .

                                                                                                                                                                                                                              وروى عبد بن حميد في مسنده ، والبخاري في تاريخه ، والبيهقي وابن الجوزي عن يزيد بن عامر السوائي - رضي الله عنه - وكان شهد حنينا مع المشركين ثم أسلم - قال : أخذ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم حنين قبضة من الأرض ، ثم أقبل على المشركين فرمى بها في وجوههم وقال : «ارجعوا ، شاهت الوجوه” قال : فما من أحد يلقى أخاه إلا وهو يشكو القذى في عينيه ويمسح عينيه . [ ص: 325 ]

                                                                                                                                                                                                                              وروى الإمام أحمد ، والطبراني ، والحاكم ، وأبو نعيم ، والبيهقي برجال ثقات عن ابن مسعود - رضي الله تعالى عنه - قال : كنت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم حنين ، فولى الناس عنه ، وبقيت معه في ثمانين رجلا من المهاجرين والأنصار ، فقمنا على أقدامنا ولم نولهم الدبر ، وهم الذين أنزل الله - تعالى - عليهم السكينة ، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - على بغلته لم يمض قدما ، فحادت به بغلته فمال عن السرج ، فقلت له ارتفع رفعك الله . فقال : «ناولني كفا من تراب” فناولته ، فضرب وجوههم فامتلأت أعينهم ترابا ، ثم قال : «أين المهاجرون والأنصار ؟ ” قلت : هم أولاء ، قال : «اهتف بهم” فهتفت بهم ، فجاؤوا وسيوفهم بأيمانهم كأنها الشهب ، وولى المشركون أدبارهم



                                                                                                                                                                                                                              وروى ابن أبي شيبة والإمام أحمد ، والحاكم ، وابن مردويه ، والبيهقي عن أنس - رضي الله عنه - قال : جاءت هوازن يوم حنين بالنساء والصبيان والإبل والغنم فجعلوهم صفوفا ، ليكثروا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فالتقى المسلمون والمشركون ، فولى المسلمون مدبرين - كما قال الله تعالى - وبقي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وحده فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : «يا عباد الله أنا عبد الله ورسوله” ونادى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نداءين لم يخلط بينهما كلاما ، فالتفت عن يمينه فقال : «يا معشر الأنصار أنا عبد الله ورسوله” فقالوا : «لبيك يا رسول الله ، نحن معك” ثم التفت عن يساره فقال : يا معشر الأنصار أنا عبد الله ورسوله ، فقالوا : لبيك يا رسول الله نحن معك فهزم الله تعالى المشركين ، ولم يضرب بسيف ، ولم يطعن برمح .

                                                                                                                                                                                                                              وروى ابن سعد وابن أبي شيبة ، والبخاري ، وابن مردويه ، والبيهقي من طرق عن أبي إسحاق السبيعي - رحمه الله تعالى - قال : جاء رجل من قيس إلى البراء بن عازب - رضي الله عنهما - فقال : أكنتم وليتم ؟ وفي رواية : أوليت ؟ وفي أخرى : أوليتم مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم ؟

                                                                                                                                                                                                                              وفي أخرى : أفررتم يوم حنين يا أبا عمارة ؟ فقال : أشهد على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه ما ولى ، وفي رواية : لا والله ما ولى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم حنين دبره ، ولكنه خرج بشبان أصحابه وهم حسر ليس عليهم سلاح أو كثير سلاح ، فلقوا قوما رماة لا يكاد يسقط لهم سهم فلما لقيناهم وحملنا عليهم انهزموا ، فأقبل الناس على الغنائم ، فاستقبلونا بالسهام كأنها رجل جراد لا يكادون يخطئون ، وأقبلوا هناك إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - على بغلته البيضاء ، وأبو سفيان بن الحارث يقود به ،

                                                                                                                                                                                                                              فنزل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ودعا واستنفر ، وقال - صلى الله عليه وسلم - : «أنا [ ص: 326 ] النبي لا كذب ، أنا ابن عبد المطلب ، اللهم أنزل نصرك” .

                                                                                                                                                                                                                              قال البراء : وكنا إذا احمر البأس نتقي برسول الله - صلى الله عليه وسلم - وإن الشجاع منا الذي يحاذيه :

                                                                                                                                                                                                                              يعني النبي - صلى الله عليه وسلم .


                                                                                                                                                                                                                              وروى البخاري ، ومسلم ، والبيهقي عن سلمة بن الأكوع - رضي الله عنه - قال : غزونا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حنينا . فلما واجهنا العدو تقدمت فأعلو ثنية فاستقبلني رجل من المشركين فأرميه ، بسهم ، وتوارى عني فما دريت ما صنع ، ثم نظرت إلى القوم فإذا هم طلعوا من ثنية أخرى ، فالتقوا هم وأصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فولى أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأرجع منهزما . وعلي بردتان مؤتزرا بإحداهما مرتديا بالأخرى ، فاستطلق إزاري ، فجمعتهما جميعا ، ومررت برسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأنا منهزم - وهو على بغلته الشهباء ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : «لقد رأى ابن الأكوع فزعا” فلما غشوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نزل عن بغلته ثم قبض قبضة من تراب من الأرض ، ثم إنه استقبل به وجوههم ، وقال : شاهت الوجوه” فما خلى الله تعالى منهم إنسانا إلا ملأ عينيه ترابا من تلك القبضة ، فولوا مدبرين . وقسم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - غنائمهم بين المسلمين .

                                                                                                                                                                                                                              وروى أبو الشيخ عن عكرمة - رحمه الله تعالى - قال : لما كان يوم حنين ولى المسلمون ، وثبت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : «أنا محمد رسول الله” ثلاث مرات ، وإلى جنبه عمه العباس -

                                                                                                                                                                                                                              الحديث .

                                                                                                                                                                                                                              وروى ابن سعد ، والبخاري في التاريخ ، والحاكم ، والبيهقي عن عياض بن الحارث - رضي الله عنه - قال : أخذ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كفا من حصباء فرمى بها وجوهنا فانهزمنا .

                                                                                                                                                                                                                              وروى البخاري في التاريخ ، والبيهقي في الدلائل عن عمرو بن سفيان - رضي الله عنه - قال : قبض رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم حنين قبضة من الحصباء فرمى بها وجوهنا فانهزمنا ، فما خيل إلينا إلا أن كل حجر وشجر فارس يطلبنا . وروى ابن عساكر عن الحارث بن زيد مثله .

                                                                                                                                                                                                                              وروى ابن أبي شيبة ، والإمام أحمد - برجال الصحيح - عن أنس بن مالك - رضي الله [ ص: 327 ] عنه - قال : كان من دعاء النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم حنين : «اللهم إنك إن تشاء لا تعبد بعد اليوم” .

                                                                                                                                                                                                                              وذكر محمد بن عمر - رحمه الله تعالى - قال : كان من دعاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين انكشف عنه الناس ولم يبق معه إلا المائة الصابرة «اللهم لك الحمد ، وإليك المشتكى ، وأنت المستعان” فقال له جبريل : «لقد لقنت الكلمات التي لقن الله - تعالى - موسى يوم فلق البحر ، وكان البحر أمامه وفرعون خلفه” .

                                                                                                                                                                                                                              التالي السابق


                                                                                                                                                                                                                              الخدمات العلمية