الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                              صفحة جزء
                                                                                                                                                                                                                              ذكر استئذان الحجاج بن علاط - رضي الله عنه - من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعد فتح خيبر أن يذهب إلى مكة لأخذ ماله قبل وصول الخبر إليها

                                                                                                                                                                                                                              روى الإمام أحمد عن أنس - رضي الله عنه - والبيهقي عن ابن إسحاق ، ومحمد بن عمر عن شيوخه ، قالوا : كان الحجاج بن علاط بكسر العين المهملة ، وتخفيف اللام ، السلمي بضم السين ، خرج يغير في بعض غاراته ، فذكر له أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بخيبر ، فأسلم ، وحضر مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وكانت أم شيبة ابنة عمير بن هاشم - أخت مصعب بن عمير العبدري - امرأته ،

                                                                                                                                                                                                                              وكان الحجاج مكثرا ، له مال كثير ، وله معادن الذهب التي بأرض بني سليم - بضم السين ، فقال : يا رسول الله ، ائذن لي ، فأذهب فآخذ مالي عند امرأتي ، فإن علمت بإسلامي لم آخذ منه شيئا ، ومال لي متفرق في تجار أهل مكة ، فأذن له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : يا رسول [ ص: 140 ]

                                                                                                                                                                                                                              الله ، إنه لا بد لي من أن أقول ، قال «قل»

                                                                                                                                                                                                                              قال الحجاج : فخرجت فلما انتهيت إلى الحرم ، هبطت فوجدتهم بالثنية البيضاء ، وإذا بها رجال من قريش يتسمعون الأخبار قد بلغهم أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد سار إلى خيبر ، وعرفوا أنها قرية الحجاز أنفة ومنعة وريفا ورجالا وسلاحا ، فهم يتحسبون الأخبار ، مع ما كان بينهم من الرهان ، فلما رأوني قالوا : الحجاج بن علاط عنده - والله - الخبر - ولم يكونوا علموا بإسلامي - يا حجاج ، إنه قد بلغنا أن القاطع قد سار إلى خيبر بلد يهود ، وريف الحجاز ، فقلت : بلغني أنه قد سار إليها وعندي من الخبر ما يسركم فالتبطوا بجانبي راحلتي ، يقولون : إيه يا حجاج ؟ ! فقلت : لم يلق محمد وأصحابه قوما يحسنون القتال غير أهل خيابر ، كانوا قد ساروا في العرب يجمعون له الجموع ، وجمعوا له عشرة آلاف فهزم هزيمة لم يسمع بمثلها قط ، وأسر محمد أسرا ، فقالوا : لا نقتله حتى نبعث به إلى مكة فنقتله بين أظهرهم بمن قتل منا ومنهم ، ولهذا فإنهم يرجعون إليكم يطلبون الأمان في عشائرهم ، ويرجعون إلى ما كانوا عليه ، فلا تقبلوا منهم ، وقد صنعوا بكم ما صنعوا ، قال : فصاحوا بمكة ، وقالوا : قد جاءكم الخبر ، هذا محمد إنما تنتظرون أن يقدم به عليكم فيقتل بين أظهركم ، وقلت : أعينوني على جمع مالي على غرمائي فإني أريد أن أقدم فأصيب من غنائم محمد وأصحابه ، قبل أن تسبقني التجار إلى ما هناك ، فقاموا فجمعوا إلي مالي كأحث جمع سمعت به ، وجئت صاحبتي فقلت لها : مالي ، لعلي ألحق بخيبر فأصيب من البيع قبل أن يسبقني التجار .

                                                                                                                                                                                                                              وفشا ذلك بمكة ، وأظهر المشركون الفرح والسرور ، وانكسر من كان بمكة من المسلمين ، وسمع بذلك العباس بن عبد المطلب ، فقعد وجعل لا يستطيع أن يقوم فأشفق أن يدخل داره فيؤذى وعلم أنه يؤذى عند ذلك فأمر بباب داره أن يفتح وهو مستلق فدعا بقثم ، فجعل يرتجز ويرفع صوته لئلا يشمت به الأعداء ، وحضر باب العباس بين مغيظ ومحزون ، وبين شامت ، وبين مسلم ومسلمة مقهورين بظهور الكفر ، والبغي ، فلما رأى المسلمون العباس طيبة نفسه ، طابت أنفسهم ، واشتدت منتهم ، فدعا غلاما له يقال له أبو زبيبة ، بلفظ واحدة زبيب العنب ، ولم أجد له ذكرا في الإصابة ، فقال : اذهب إلى الحجاج فقل له : يقول لك العباس : الله أعلى وأجل من أن يكون الذي جئت به حقا ، فقال له الحجاج : اقرأ على أبي الفضل السلام ، وقل له : ليخل لي في بعض بيوته ، لآتيه بالخبر على ما يسره ، واكتم عني ، وأقبل أبو زبيبة يبشر العباس ، فقال : أبشر يا أبا الفضل ، فوثب العباس فرحا كأن لم يمسه شيء ، ودخل عليه أبو زبيبة ، واعتنقه العباس ، وأعتقه ، وأخبره بالذي قاله . [ ص: 141 ]

                                                                                                                                                                                                                              فقال العباس : لله علي عتق عشر رقاب ، فلما كان ظهرا ، جاءه الحجاج ، فناشده الله :

                                                                                                                                                                                                                              لتكتمن على ثلاثة أيام ، ويقال : يوما وليلة ، فوافقه العباس على ذلك ، فقال : إني قد أسلمت ، ولي مال عند امرأتي ، ودين على الناس ، ولو علموا بإسلامي لم يدفعوه إلي وتركت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقد فتح خيبر ، وجرت سهام الله - تعالى - ورسوله - صلى الله عليه وسلم - فيها وانتشل ما فيها ، وتركته عروسا بابنة مليكهمحيي بن أخطب ، وقتل ابن أبي الحقيق فلما أمسى الحجاج من يومه خرج وطالت على العباس تلك الليالي ، ويقال : إنما انتظره العباس يوما وليلة ، فلما كان بعد ثلاث ، والناس يموجون في شأن ما تبايعوا عليه ، عمد العباس إلى حلة فلبسها ، وتخلق بخلوق ، وأخذ بيده قضيبا ، ثم أقبل يخطر ، حتى وقف على باب الحجاج بن علاط فقرعه ، فقالت زوجته : ألا تدخل يا أبا الفضل ؟ قال : فأين زوجك ؟ قالت : ذهب يوم كذا وكذا ، وقالت : لا يحزنك الله يا أبا الفضل ، لقد شق علينا الذي بلغك ، قال : أجل ، لا يحزنني الله ، لم يكن بحمد الله إلا ما أحببنا ، فتح الله على رسوله خيبر ، وجرت فيها سهام الله ورسوله ، واصطفى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صفية لنفسه ، فإن كانت لك حاجة في زوجك فالحقي به ، قالت : أظنك والله صادقا .

                                                                                                                                                                                                                              ثم ذهب حتى أتى مجلس قريش وهم يقولون إذا مر بهم : لا يصيبك إلا خير يا أبا الفضل!! هذا والله التجلد لحر المصيبة ، قال : كلا والله الذي حلفتم به ، لم يصبني إلا خير بحمد الله ، أخبرني الحجاج بن علاط أن خيبر فتحها الله على رسوله ، وجرى فيها سهام الله وسهام رسوله ، فرد الله - تعالى - الكآبة التي كانت بالمسلمين على المشركين ، وخرج المسلمون من كان دخل في بيته مكتئبا حتى أتوا العباس فأخبرهم الخبر ، فسر المسلمون .

                                                                                                                                                                                                                              وقال المشركون [يا لعباد الله] انفلت عدو الله ، - يعني الحجاج أما والله لو علمنا لكان لنا وله شأن ، ولم ينشبوا أن جاءهم الخبر بذلك .

                                                                                                                                                                                                                              التالي السابق


                                                                                                                                                                                                                              الخدمات العلمية