الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
[ 6946 ] أخبرنا أبو محمد عبد الله بن يحيى بن عبد الجبار السكري ببغداد ، أخبرنا [ ص: 442 ] إسماعيل بن محمد الصفار ، حدثنا أحمد بن منصور ، حدثنا عبد الرزاق ، أخبرنا معمر ، عن الزهري في قوله : ( إني أرى في المنام أني أذبحك ) .

قال أخبرني القاسم بن محمد قال : اجتمع أبو هريرة وكعب فجعل أبو هريرة يحدث عن النبي صلى الله عليه وسلم وجعل يحدث كعب عن الكتب ، فقال أبو هريرة قال النبي صلى الله عليه وسلم : " إن لكل نبي دعوة مستجابة ، وإني قد خبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة " .

فقال له كعب : أنت سمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال : نعم ، قال : فداه أبي وأمي أولا أخبرك عن إبراهيم عليه السلام أنه لما أري ذبح ابنه إسحاق قال الشيطان : إن لم أفتن هؤلاء عند هذه لم أفتنهم أبدا ، فخرج إبراهيم بابنه ليذبحه ، فذهب الشيطان فدخل على سارة ، فقال : أين يذهب إبراهيم بابنك ؟ قالت : غدا به لبعض حاجته ، فقال : إنه لم يغد به لحاجة إنما ذهب به ليذبحه ، قالت : ولم يذبحه ؟ قال : يزعم أن ربه أمره بذلك ، قالت : فقد أحسن أن يطيع ربه ، فخرج الشيطان في أثرهما فقال للغلام : أين يذهب بك أبوك ؟ قال : لبعض حاجته ، قال : فإنه لا يذهب بك لحاجة ، ولكنه يذهب بك ليذبحك ، قال : ولم يذبحني ؟ قال : يزعم أن ربه أمره بذلك ، قال : فوالله لئن كان أمره بذلك ليفعلن ، قال : فيئس منه فتركه ولحق بإبراهيم ، فقال : أين عدوت بابنك ؟ قال : لحاجة ، قال : فإنك لم تغد به لحاجة إنما [ ص: 443 ] غدوت به لتذبحه ، قال : ولم أذبحه ؟ قال : تزعم أن ربك أمرك بذلك ، قال : فوالله لئن كان الله أمرني بذلك لأفعلن ، قال : فتركه ويئس أن يطاع قال : ( فلما أسلما وتله للجبين وناديناه أن يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا إنا كذلك نجزي المحسنين ) .

قال : فأوحى إلى إسحاق أن ادع فإن لك دعوة مستجابة ، قال إسحاق : اللهم إني أدعوك أن تستجيب لي أيما عبد لقيك من الأولين والآخرين لقيك لا يشرك بك شيئا أن تدخله الجنة .

قال الحليمي رحمه الله : والمعنى في ذلك - والله أعلم - أن من حج واعتقد في حجه ما قدمنا ذكره في بابه من أنه قد انسلخ من زينة الدنيا وشهوتها ، وخلفها وراء ظهره ، وتاب من الذنوب ، وطهر منها قلبه ، وجاء معتذرا متنصلا منيبا إلى ربه ، أمر أن يقرب بذلك قربانا يقربه له من بعض ما أحل له من بهيمة الأنعام ، حتى إذا رمى أتبعه نحره أو ذبحه ، وكان كأن يقول : اللهم إني قد أتيت من التقصير في حقوقك ، وكسبت من السيئات ، ما لو كان لي إلى نحر نفسي سبيل لنحرتها عقوبة لها بما أسلفت من المعاصي ، ولكنك حرمت ذلك علي ، وأحللت لي بهيمة الأنعام ، وإني متقرب إليك بهديي هذا فاقبله مني ، واجعله فداء لي بمنك وطولك ، كما فديت ابن خليلك إبراهيم بالذبح العظيم برحمتك وفضلك ، واقبله مني كما قبلته من إبراهيم خليلك ومن محمد نبيك ورسولك .

ونحر ذلك بقلبه ويعتقده ، ويعلم أن هذا معنى قربانه وعرضه ، وإن قاله بلسانه فلا بأس ، وما قلته من هذا فهو في الأضحية مثله ، وليس بينهما فرق سوى أن ذلك هدي إلى البيت الحرام ، وهذا ليس بهدي ، وهما جميعا سنة ، وليس بفرض ؛ لأن إخلاص التوبة يجزئ عن الفدية كما يجزئ عن الاستغفار ، لكن الاستغفار معها من أعظم السنن كذلك الفدية .

قال الإمام أحمد رحمه الله : ثم ذكر الحليمي ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما لا يجزئ في الضحايا وهو ما .

[ ص: 444 ]

التالي السابق


الخدمات العلمية