الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
فائدة : قوله ( وإن غصب ثوبا فصبغه ، أو سويقا فلته بزيت فنقصت قيمتهما ، أو قيمة أحدهما : ضمن النقص . وإن لم تنقص ولم تزد ، أو زادت قيمتهما : فهما شريكان بقدر ما لهما . وإن زادت قيمة أحدهما : فالزيادة لصاحبه ) . هذه الجملة لا خلاف فيها . لكن قال الحارثي : الضمير في " نقصت قيمتهما " عائد على الثوب والصبغ ، والسويق والزيت . لأنها إحدى الحالات الواردة في قيمة المالين ، من الزيادة والنقص والتساوي . وفي عوده على مجموع الأمرين أعني الثوب والصبغ في صورة النقص [ ص: 165 ] مناقشة . فإن ضمان الغاصب لا يتصور . لنقصان الصبغ . إذ هو ماله . فلا يجوز إيراده لإثبات حكم الضمان والأجود أن يقال : تنقص قيمة الثوب . وكذا قوله " أو قيمة أحدهما " ليس بالجيد . فإنه متناول لحالة النقصان في الصبغ ، دون الثوب . وليس الأمر كذلك . فإن الضمان لا يجب على هذا التقدير بحال . والصواب : حذفه . غير أن الضمان إن فسر بالنسبة إلى الغاصب : يكون النقص محسوبا عليه . وقيل : باستعمال اللفظ في حقيقته ومجازه معا ، وباستعمال المشترك في مدلوليه معا . فيتمشى . انتهى . فإذا حصل النقصان ، لكونه مصبوغا ، أو لسوء العمل ، فعلى الغاصب . وعلى هذا يحمل إطلاق المصنف . فإذا كان قيمة كل منهما خمسة وهي الآن بعد الصبغ ثمانية فالنقص على الغاصب . وإن كان لانخفاض سعر الثياب : فالنقص على المالك . فيكون له ثلاثة . وإن كان لانخفاض سعر الصبغ : فالنقص على الغاصب . فيكون له ثلاثة . وإن كان لانخفاضهما معا على السواء : فالنقص عليهما . لكل منهما أربعة . هذا الصحيح . قدمه الحارثي . وقيل : يحمل النقص على الصبغ في كل حال . وهو قول صاحب التلخيص .

قوله ( فإن أراد أحدهما قلع الصبغ : لم يجبر الآخر ) . هذا المذهب جزم به في الوجيز . واختاره المصنف ، والشارح ، وابن عقيل ، وغيرهم . وقدمه في المحرر ، والفروع . قال القاضي : هذا قياس المذهب وفيه وجه آخر : يجبر ويضمن النقص ، سواء كان الغاصب أو المغصوب منه . وأطلقهما الحارثي في شرحه . [ ص: 166 ] ويحتمل أن يجبر إذا ضمن الغاصب النقص يعني : إذا أراد الغاصب قلع صبغه ، وامتنع المغصوب منه : أجبر على تمكينه من قلعه ، ويضمن النقص . وهذا قدمه في الهداية ، والمذهب ، والمستوعب ، والخلاصة ، والتلخيص ، والرعايتين ، والحاوي الصغير ، والفائق . قال المصنف ، والشارح : إذا أراد الغاصب قلع الصبغ . فقال أصحابنا : له ذلك سواء أضر بالثوب أو لم يضر . ويضمن نقص الثوب إن نقص . ولم يفرق الأصحاب بين ما يهلك صبغه بالقلع ، وبين ما لا يهلك . قال المصنف : وينبغي أن ما يهلك بالقلع لا يملك قلعه . وظاهر كلام الخرقي : أنه لا يملك قلعه إذا تضرر به الثوب . لأنه قال : المشتري إذا بنى أو غرس في الأرض المشفوعة . فله أخذه إذا لم يكن في أخذه ضرر ، وقال المصنف وتبعه الشارح : إن اختار المغصوب منه قلع الصبغ . ففيه وجهان .

أحدهما : يملك إجبار الغاصب عليه .

والثاني : لا يملك إجباره عليه . قال القاضي . هذا ظاهر كلام الإمام أحمد رحمه الله . انتهى . وتقدم ذلك . فعلى القول بالإجبار من الطرفين : لو نقص الثوب بالقلع : ضمنه الغاصب . بلا نزاع . وإن نقص الصبغ . فقال في الكافي : لا شيء على المالك . قال الحارثي : وهو أصح . وقال في المحرر : يضمنه المالك كما في الطرف الآخر . قوله ( وإن وهب الصبغ للمالك ، أو وهبه تزويق الدار ونحوها فهل يلزم المالك قبولها ؟ على وجهين ) . [ ص: 167 ] وأطلقهما في الكافي ، والمغني ، والشرح ، والفائق ، والحاوي الصغير .

أحدهما : يلزمه قبوله . وهو المذهب . وهو ظاهر كلام الخرقي في الصداق . وصححه القاضي ، وصاحب المستوعب ، والتلخيص ، والرعاية الصغرى . وقدمه في الهداية ، والمذهب ، والخلاصة ، والرعاية الكبرى ، والفروع . قلت : فيعايى بها .

والوجه الثاني : لا يلزمه قبوله . صححه في التصحيح ، والنظم . قال الحارثي في التزويق ونحوه : هذا أقرب إن شاء الله تعالى . فائدتان : إحداهما : لو طلب المالك تملك الصبغ بالقيمة . فقال القاضي ، وابن عقيل وظاهر كلام الإمام أحمد رحمه الله : لا يجبر الغاصب على القبول . واختاراه . قاله في القواعد . وذكر المصنف وجها بالإجبار . قال الحارثي : وهو الصحيح .

الثانية : لو نسج الغزل المغصوب ، أو قصر الثوب ، أو عمل الحديد إبرا ، أو سيوفا ونحو ذلك ، ووهبه لمالكه : لزمه قبوله . ولو سمر بمساميره بابا مغصوبا ، ثم وهب المسامير لرب الباب : لم يلزمه قبولها . قطع به الأكثر . منهم صاحب المستوعب ، والتلخيص ، والرعاية . قال في الفروع : في الأصح . وقيل : يلزمه .

التالي السابق


الخدمات العلمية