الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

كتاب الغصب

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

قوله ( وتصرفات الغاصب الحكمية كالحج وسائر العبادات ، والعقود . كالبيع ، والنكاح ، ونحوها باطلة في إحدى الروايتين ) . وهي المذهب . قال الشارح : هذا أظهر . قال الزركشي : هذا المذهب . وصححه في التصحيح وغيره . قال في التلخيص ، في باب البيع : وإن كثرت تصرفاته في أعيان المغصوبات يحكم ببطلان الكل . على الأصح . وجزم به في الوجيز ، وغيره . وقدمه في الفروع ، وغيره . قال في الفروع : اختاره الأكثر . ذكره في كتاب البيع في الشرط السابع . [ ص: 204 ] والأخرى : صحيحة . وعنه : تصح موقوفة على الإجازة . وأطلقهن في الفائق . وقال ، وقيل : الصحة مقيدة بما لم يبطله المالك من العقود . انتهى . قلت : قال الشارح : وقد ذكر شيخنا في الكتاب المشروح رواية : أنها صحيحة . وذكرها أبو الخطاب . قال : وهذا ينبغي أن يتقيد في العقود بما إذا لم يبطله المالك . فأما إن اختار المالك إبطاله ، فأخذ المعقود عليه . فلا نعلم فيه خلافا . وأما ما لم يدركه المالك ، فوجه التصحيح فيه : أن الغاصب تطول مدته ، وتكثر تصرفاته . ففي القضاء بطلانها ضرر كثير . وربما عاد الضرر على المالك . انتهى . وقال ما قاله الشارح ، والقاضي في خلافه ، وابن عقيل . نقله عنهما في الفائدة العشرين ، والمصنف في المغني . وأطلق الرواية مرة كما هنا ، ومرة قال : ينبغي أن يقيد . كما قال الشارح . وقال : هو أشبه من الإطلاق . قال الحارثي : وهذه الرواية لم أر من تقدم المصنف وأبا الخطاب في إيرادها . وقال أيضا : وأما الصحة على الإطلاق : فلا أعلم به أيضا ، سوى نصه على ملك المالك . كربح المال المغصوب ، كما سنورده في مسألة الربح . وقال عن كلام المصنف في تقييد الرواية : أما طول مدة الغصب ، وكثرة تصرفات الغاصب : فلا يطرد . بل كثير من المغصوب لا يتصرف فيه بعقد أصلا ، وبتقدير الاطراد غالبا . [ ص: 205 ] تنبيهان

أحدهما : بنى المصنف في المغني ، وجماعة : تصرف الغاصب ، على تصرف الفضولي . فأثبت فيه ما في تصرف الفضولي ، من رواية الانعقاد موقوفا على إجازة المالك . قال الحارثي : ومن متأخري الأصحاب : من جعل هذه التصرفات من نفس تصرفات الفضولي . قال : وليس بشيء ثم قال : ولا يصح إلحاقه بالفضولي . وفرق بينهما بفروق جيدة .

الثاني : هذا الخلاف المحكي في أصل المسألة من حيث الجملة . وقد قسمها المصنف قسمين : عبادات ، وعقود . فأما العبادات : ففيها مسائل .

منها : الوضوء بماء مغصوب ، والوضوء من إناء مغصوب ، وغسل النجاسة بماء مغصوب ، وستر العورة بثوب مغصوب ، والصلاة في موضع مغصوب . وقد تقدم ذلك مستوفى في كتاب الطهارة ، والآنية ، وإزالة النجاسة ، وستر العورة ، واجتناب النجاسة .

ومنها : الحج بمال مغصوب ، كما قال المصنف . والصحيح من المذهب : أنه لا يصح . نص عليه . قال ابن أبي موسى : وهو الصحيح من المذهب . وجزم به في الوجيز ، وغيره قال في الخلاصة : باطل على الأصح . قال الشارح : باطل على الأظهر قال ابن منجا في شرحه : هذا المذهب . قال في الرعاية الصغرى ، والحاوي الصغير : يبطل في كل عبادة على الأصح . وصححه الناظم ، وغيره . وقدمه الحارثي وغيره . وهو من مفردات المذهب . [ ص: 206 ] وقيل عنه : يجزئه مع الكراهة . قاله ابن أبي موسى . واختاره ابن عقيل . قال الحارثي : وهو أقوى . قلت : وهو الصواب . فيجب بدل المال دينا في ذمته .

ومنها : الهدي المغصوب : لا يجزئ . صرح به الأصحاب . نص عليه في رواية علي بن سعيد . وعنه : الصحة موقوفة على إجازة المالك . ونص الإمام أحمد رحمه الله على الفرق بين أن يعلم أنها لغيره : فلا يجزئه ، وبين أن يظن أنها لنفسه : فيجزئه في رواية ابن القاسم ، وسندي . وسوى كثير من الأصحاب بينهما في حكاية الخلاف . قال في الفائدة العشرين : ولا يصح . وإن كان الثمن مغصوبا : لم يجزئه أيضا . اشتراه بالعين أو في الذمة . قاله الحارثي . قلت : لو قيل بالإجزاء إذا اشتراه في الذمة لكان متجها .

ومنها : لو أوقع الطواف أو السعي أو الوقوف على الدابة المغصوبة . ففي الصحة روايتا الصلاة في البقعة المغصوبة . قاله الحارثي . قلت : النفس تميل إلى صحة الوقوف على الدابة المغصوبة .

ومنها : أداء المال المغصوب في الزكاة غير مجزئ . قال الحارثي : ثم إن أبا الخطاب صرح بجريان الخلاف في الزكاة . وتبعه المصنف في المغني وغيره من الأصحاب كما انتظمه عموم إيراد الكتاب . فإن أريد به ما ذكرنا من أداء المغصوب عن الغاصب وهو الصحيح فهذا شيء لا يقبل نزاعا ألبتة . لما فيه من النص . فلا يتوهم خلافه . وإن أريد به الأداء عن المالك ، بأن أخرج عنه من النصاب المغصوب وهو بعيد جدا فإن الواقع من التصرف للعبادة إنما يكون عن الغاصب نفسه . فلا [ ص: 207 ] يقبل أيضا . خلافا لاتفاقنا على اعتبار نية المالك ، إلا أن يمتنع من الأداء . فيقهره الإمام على الأخذ منه . فيجزئ في الظاهر . وليس هذا بواحد من الأمرين . فلا يجزئ بوجه .

ومنها : كل صدقة من كفارة ، أو نذر ، أو غيرهما كالزكاة سواء .

ومنها : عتق المغصوب . لا ينفذ بلا خلاف في المذهب . ونص عليه . قاله الحارثي .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث