الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                صفحة جزء
                                                                                                                قاعدة : حق الله تعالى : أمره ونهيه ، وحقوق العباد : مصالحهم فقد تنفرد ، فالأيمان حق الله تعالى ، والقيم والأيمان حقوق العباد ، وقد تجتمع ، ويغلب حق الله إجماعا فلا يتمكن العبد من الإسقاط كالسرقة ، وقد يغلب حق العبد إجماعا كالدين ، وما من حق للعبد إلا وفيه حق لله تعالى ، وهو أمره بإيصال ذلك الحق ، وقد يختلف العلماء أيهما يغلب كالحد في القذف ، فمن غلب حق الله تعالى منع العفو ، أو حق الآدمي جوزه ، والعتق اجتمع فيه حق الشريك ، فتنقيص ماله بعيب العتق ، وحق العبد بتخليصه لاكتسابه وطاعة ربه ، وحق الله تعالى في إزالة الاصمة عن ابن آدم المكرم من خالقه ، وتوجه تكاليفه عليه ، وحق الله تعالى فيه مغلب .

                                                                                                                [ ص: 140 ] فرع في الكتاب : إذا أعتق المسلم نصيبه قوم عليه كان العبد مسلما أو ذميا لحق الشريك والعبد ، أو أعتق الذمي حصته والعبد مسلم قوم عليه لأنها جناية منه ، وأجبر على عتق جميعه . لأن الإسلام لا يعلوه الكفر ، أو كافر لم يقوم ، لأن الذمي لا يلزمه العتق ، ولو أعتقه كله ، وقال غيره : يقوم عليه حصة المسلم ، لأنه حكم بين مسلم وكافر ، قال ابن يونس : هذان أبان النصراني المعتق عن نفسه حتى لو أراد رده في الرق لم يكن له ذلك جبر المسلم على أن يقومه عليه ويكمل عتقه ، وإلا فلا تقويم إلا أن يشاء المسلم ، ونصراني بين نصرانيين لا تقويم فيه إلا أن يرضوا بحكمها ، أو بين حر وعبد فأعتق الحر حصته قوم عليه ، أو لعبد فلا عتق له إلا بإذن سيده ، فيقوم على سيده ، كان للعبد مال أم لا ، لأن السيد هو المعتق في المعنى ، قال سحنون : وتباع في قيمته وقيمة العبد وغيرها من مال السيد ، قال محمد : وكذلك إن كان بغير إذنه فأجاز .

                                                                                                                فرع : في الكتاب : إذا وهبت لعبد نصفه ، أو أخذت منه دنانير على عتق نصفه ، أو على بيع نصفه من نفسه ، عتق كله ، وولاؤه لك ، وإن أعتقت نصيبك من العبد المشترك على مال أخذته من العبد ، ووردت وجه العتاقة ، عتق عليك كله ، وغرمت حصة شريكك ، ورددت المال إلى العبد ، لأن من أعتق نصيبه من العبد المشترك واستثنى شيئا من ماله عتق كله ، ورد ما استثنى للعبد ، وإن علم أنك أردت الكتابة فسخ ذلك ، وبقي العبد بينكما ، وأعطيت نصف المال لشريكك ، وفي المنتقى : إذا وهبت العبد نفسك فيه : قال مالك : يقوم عليك لاندراجه في الحديث .

                                                                                                                [ ص: 141 ] فرع في الكتاب : أعتق أحدكم نصيبه ، ثم الآخر ، وأنتما مليان لم يقوم الثالث إلا على الأول ، لأنه الذي أعاب العبد ، فإن كان عديما لم يقوم على الثاني ، لأنه لم يعبه ، فإن أعتقتما معا . قوم عليكما إن كنتما موسرين ، لأنه ليس أحدكما أولى من الآخر ، وإلا قوم على الملي منكما لا ، قال ابن يونس : جميع الأصحاب على عدم التقويم على الثاني إذا أعسر الأول إلا ابن نافع ، قال : يقوم على الثاني إن كان مليا ، لأن الأول يقدمه في حين العدم ، ولأنه لو امتنع المتمسك من التقويم فللعبد طلبه ، قال عبد الملك : إن أعتقا معا ليس للمتمسك أن يقوم على أحدهما ، وإن رضي المقوم عليه ، ولو جاز ذلك جاز له بيعه من أجنبي على أن يعتقه ، وقال : إذا أعسر أحدهما ، لا يلزم الملي إلا حصته إذا قوم عليهما ، لأنهما ابتدأا الفساد معا ، وعن مالك : إن كان لأحدكم نصفه ، وللآخر ثلثه ، وللآخر سدسه ، فأعتق صاحب الثلث والسدس حصتهما معا ، فليقوم عليهما بقدر ملكهما كالشفعة في اختلاف الأنصباء ، فإن أعدم أحدهما فالجميع على الموسر ، كما إذا أسلم أحد الشفعاء نصيبه لم يأخذ الآخر إلا الجميع ، أو يسلم ، وقاله المغيرة ، ثم رجع التقويم نصفين كما لو قتلناه ، وروي عن مالك شاذا ، وقاله ( ش ) ، واتفقوا أن من عجز منهما عن بعض ذلك ، أنه يتم على الآخر ، قال اللخمي : يقوم على الأول في مسألة الكتاب ، إلا أن يرضى الثاني بالتقويم عليه ، ولا مقال للأول ، لأن الاستكمال حق للعبد ، لا حقه ، وإذا جاز الاستكمال على المتمسك جاز على الأوسط .

                                                                                                                تنبيه : قال ( ش ) و ( ح ) : إذا أعتقا معا يقوم عليهما نصفين ، لنا : أنهما تقاوما في الآجال الضرر ، فتقاويان في التقويم ، احتجوا . بقوله - صلى الله عليه وسلم - : ( من [ ص: 142 ] أعتق شركا له في عبد ) الحديث ، وظاهره يقتضي تقويمه على كل واحد منهما ، كما لو ادعاه الجميع كلاهما ، ولأنه لو انفرد كل واحد منهما عتق عليه الجميع ، فقد استوى السدس والنصف ، لأن الفرق بينه وبين الشفعة : أن هذا جناية ، والمشتركان في الجناية لا يشترط تساوي إتلافهما ، بل أصل الاشتراك في الفعل والشفعة مال ، فيعتبر قدر المالية ، كاستحقاق كسب العبد .

                                                                                                                والجواب عن الأول : أن الشفعة لو انفرد صاحب السدس أخذ الجميع ، وعند الاجتماع يجب التفاوت .

                                                                                                                وعن الثاني : ما تقدم في الأول .

                                                                                                                وعن الثالث : لا يسلم أن العتق إتلاف ، وإلا لم أسقطت القيمة عن المعسر ، بل يتبع في الذمة ، ثم إن الشريكين إذا أغرمناهما لإزالة الضرر فقد نفعناهما بثبوت الولاء لهما : فليس إتلافا مطلقا .

                                                                                                                التالي السابق


                                                                                                                الخدمات العلمية