الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                صفحة جزء
                                                                                                                فرع

                                                                                                                في الكتاب إذا تنازعتما في حلول نجم ، صدق المكاتب كمن أكرى كار سنة ، أو باع بدنانير إلى أجل بسنة فادعى حلولها صدق المكتري والمشتري ، وإن قال : خمسون في عشرة أنجم ، وقلت : في خمسة ، صدق ويصدق عند تكافؤ البينتين ; لأنه المطلوب ، وإلا قضى بأعدلهما قاله أشهب ، وقال غيره : يقضى ببينة السيد ; لأنها زادت ، لأنه لو قال : الكتابة ألف ، وقال المكاتب : تسعمائة صدق المكاتب ويقضى ببينة السيد ; لأنه زادت ، وإن قلت : مائة ، وقال : ثمانون . صدق إن أشبه قوله لأن الكتابة فوت ، كمن اشترى عبدا فكاتبه ثم اختلفا في الثمن صدق المشتري ، ثم رجع إلى أنهما يتحالفان ويترادان إن لم تفت السلعة بحوالة سوق فاعلا ، وإن بعث بكتابته فأنكرت قبضها ولم يقم المرسول بينة ، فالدافع ضامن ، كمن بعث بدين أو خلع . في النكت : الفرق بين اختلافهما في عدد النجوم ، واختلافهما في عدد [ ص: 299 ] الكتابة ، وتكافأت البينتان ; لأن بينة السيد زادت في اختلافهما في النجوم فشهدت له بنفع قلة النجوم ، ونفعت بينة العبد بالتأخير فيقابل النفع فلا مزية ، وبه يظهر الفرق بين ما له هاهنا وبين ما استشهد به الغير ، قال اللخمي : اختلافهما يقع في ستة مواضع : القدر ، والجنس ، والحلول ، والقطاعة هل كانت على أحد الوجوه السابقة أو أنه لا يكون حرا إلا بأداء ما قاطعه عليه ثم يعجل ، ويختلفان فيما قاطعه وعجل عتقه عليه ، وإن اختلف في القدر فقد تقدم ، وعلى أصل أشهب : يتكالفان ويتفاسخان ما لم يؤد نجما فيتحالفان ويرجع إلى كتابة المثل ما لم يزد على دعوى السيد أو ينقص عن دعوى العبد ، وهو أصله في البيع : أنهما يتحالفان مع فوات السلعة ، ويرد القيمة ما لم تزد أو تنقص ، وكل هذا إذا أتيا بما يشبه ، وإلا فالقول قول مدعي الأشبه من سيد أو عبد اختلفا هل نجم أو بعده فإن اختلفا في الجنس هل هو ثوب أو زيت فعلى أصل قول ابن القاسم : الكتابة فوت ويتحالفان ، وعليه كتابة مثله من العين فإن نكل أحدهما صدق الحالف فإن قال : دنانير ، وقلت : دراهم وهما في العدد سواء أخذ ما قاله العبد ، واشترى به ما قاله السيد ولم يتحالفا ، وإن اختلف قدرهما : فالجواب : ما تقدم ، وإن قلت : عينا ، وقال : عروضا صدقت ; لأنها غالب الكتابة ، إلا أن الأشبه في قدره ، ويصدق العبد في التنجيم ; لأنه سنة الكتابة ، إلا إن يأتي بالأشبه من كثرة النجوم نحو عشرين سنة ، ويصدق السيد في حلول القطاعة ; لأنه أصلها إن كانت القطاعة أقل من الكتابة ، وقال أصبغ : وإلا فالقول قول العبد : إنك قسمت الكتابة في قدرها إلى مثل ذلك الأجل أو دونه أو أكثر منه إذا أتى بما يشبه إن عجلت له العتق ، وإلا تحالفتما [ ص: 300 ] وتفاسختما ، وعادت الكتابة ، فإن اختلفتما في جنس ما قاطعه به تحالفتما وتفاسختما وعادت الكتابة إن لم يعجل له العتق ، وإلا صدق العبد لأنه مدعى عليه ، ووافقنا ( ح ) إذا اختلفا في مال الكتابة ، وقال ( ش ) : يتحالفان ويتفاسخان ويرجع رقيقا ، لنا : القياس على ما إذا أعتقه في الحال على مال فإنه يصدق مع يمينه اتفاقا ، ولأنه خرج من يد مولاه بالكتابة فلا يكون ، كما إذا كاتبه المشتري واختلفا في الثمن لم يتحالفا لخروجه عن اليد ، ولأنها عتق بشرط فلا يثبت فيه التحالف كما إذا قال : إن جاء رأس الشهر فأنت حر ، وادعى العبد أن الشرط دخول الدار ، وإذا سقط التحالف كان القول قول من عليه البدل كالمتبايعين إذا سقط بينهما التحالف فيحلف من عليه البدل . احتجوا : بأنها عقد يلحقه الفسخ فأشبه البيع ، ولأنه لو شهد شاهد أنه كاتبه على ألف ، وشهد آخر أنه كاتبه على مائة لم يحكم بالكتابة كما لا يحكم بالبيع ، فهي كالعقود يدخلها التحالف .

                                                                                                                والجواب عن الأول : الفرق بأن الكتابة تثبت مع نوع من الجهالة ، ولا يفسدها الشرط الذي يفسد البيع ; لأنها موضع مسامحة وعتق فلا يفسخ بالتحالف كالبيع .

                                                                                                                وعن الثاني : أن السيد يحلف مع شاهد الألف .

                                                                                                                قاعدة : المدعي الذي عليه البينة : من قوله على خلاف أصل أو عادة ، والمدعى عليه الذي يصدق من واث أصلا كمدعي القلة والبراءة ، أو عادة كمدعي الأشبه ، ورد الوديعة وقد قبضها ببينة ، أو إنفاق ما لم يوافق العادة على اليتيم ، وعلى هذه القاعدة تتخرج فروع الدعاوي كلها ، وليس المدعي هو الطالب ، بل قد يكون المطلوب ، كالوصي والمودع .

                                                                                                                التالي السابق


                                                                                                                الخدمات العلمية