الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                صفحة جزء
                                                                                                                [ ص: 51 ] نظائر : قال العبدي : التي تثبت بالشاهد واليمين أربعة : الأموال ، والخلطة ، والكفالة ، والقصاص في جراح العمد ، والتي لا تثبت بالشاهد واليمين ثلاثة عشر : النكاح ، والطلاق ، والعتق ، والولاء ، والأحباس ، والوصايا لغير المعين ، وهلال رمضان ، وذي الحجة ، والموت ، والقذف ، والإيصاء ، ونقل الشهادة ، وترشيد السفيه . والمختلف فيها تثبت بذلك أم لا ؟ خمس : الوكالة قد ماتت ، والتجريح ، والتعديل . ووافقنا ( ش ) وابن حنبل ، ومنع ( ح ) الحكم بالشاهد واليمين ، قال وينقض القضاء إن وقع وهو نزعه ، وأول من قضى به معاوية . وليس كما قال ، بل أكثر العلماء قاله ، والفقهاء السبعة وغيرهم ، لنا : ما في الموطأ أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ( قضى باليمين مع الشاهد ) وروي في المسانيد بألفاظ متقاربة ، وقال عمرو بن دينار رواية عن ابن عباس ذلك في الأموال ، وإجماع الصحابة على غير ذلك . روي ذلك عن أبي بكر وعمر وعلي وأبي بن كعب وعدد كثير من غير مخالف ، روى ذلك النسائي وغيره ، ولأن اليمين شرع في حق من ظهر وقوي جانبه ، وقد ظهر ذلك في حقه ليشاهده ، ولأنه أحد المتداعيين فشرع اليمين في حقه إذا رجح جانبه كالمدعى عليه ، وقياسا للشاهد على اليد ، ولأن اليمين أقوى من المواثيق لدخولها في اللعان دون المواثيق ، وقد حكم بالمواثيق مع الشاهد ، فيحكم باليمين ، ولقوله - صلى الله عليه وسلم - : ( البينة على من ادعى ) وهي مشتقة من البيان ، والشاهد واليمين يبين الحق ، وقوله تعالى : ( إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا ) وهذا ليس بفاسق ، [ ص: 52 ] فوجب أن يقبل قوله مع الشاهد ، لأنه قابل بالفرق ، احتجوا بقوله تعالى : ( واستشهدوا شهيدين من رجالكم ، فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ) فحصر المشروع عند عدم الشاهدين في الرجل والمرأتين ، فالشاهد واليمين زيادة في النص ، والزيادة نسخ ، وهو لا يقبل في الكتاب بخبر الواحد ، وقوله - صلى الله عليه وسلم - لحضرمي ادعى على كندي : ( شاهداك أو يمينه ) ولم يقل : شاهدك ويمينك . وقال - صلى الله عليه وسلم - : ( البينة على من ادعى ، واليمين على من أنكر ) فحصر البينة في المدعي واليمين في جهة المنكر ، لأن المبتدأ محصور في خبره ، واللام للعموم ، فلم يبق يمين في جهة المدعي ، ولأنه لما تعذر نقل البينة للمنكر تعذر نقل اليمين للمدعي ، وقياسا على أحكام الأبدان ، ولأن اليمين لو كان كالشاهد لجاز تقديمه كأحد الشاهدين مع الآخر .

                                                                                                                والجواب عن الأول : أنا نسلم أنه زيادة ، لكن نمنع أنه نسخ ، لأن النسخ الرفع ، ولم يرتفع شيء ، وارتفاع الحصر يرجع إلى أن غير المذكور غير مشروع ، وكونه غير مشروع يرجع إلى البراءة الأصلية ، والبراءة الأصلية ترتفع بخبر الواحد اتفاقا ، ولأن الآية واردة في التحمل دون الأداء ، لقوله تعالى ( إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه ) وقوله تعالى : ( أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى ) واليمين مع الشاهد لا تدخل في التحمل ، فالحصر في التحمل باق ، ولا نسخ بكل تفسير ، ولأن اليمين تشرع فيمن ادعى رد الوديعة ، وجميع الأمناء ، والقسامة ، واختلاف المتبايعين ، وينتقض ما ذكر ثم بالنكول وهو زيادة في حكم . وعن الثاني : أن الحصر ليس مرادا بدليل الشاهد [ ص: 53 ] والمرأتين ، ولأنه قضي بلفظ يختص باثنين لخصوص حالهما فيعم ذلك النوع وكل من وجد بتلك الصفة لا تقبل منه إلا بشاهدين ، وعليكم أن تبينوا أن تلك الحالة مما قلنا نحن فيها بالشاهد واليمين . وعن الثالث : أن اليمين التي على المنكر لا تتعداه ، لأنها اليمين التي عليه ، وهي اليمين الرافعة ، واليمين التي مع الشاهد هي الجالبة فهي غيرها ، فلم يبطل الحصر ، وهو الجواب عن قولهم : إنما لم يتحول اليمين ، فإنا لم نحول تلك اليمين ، بل أثبتنا يمينا أخرى بالسنة ، مع أن التحول واقع غير منكر ، لأنه لو ادعى عليه فأنكر لم يكن للمنكر إقامة البينة ، ولو ادعى القضاء ، كان له إقامة البينة مع أنها بينة ، فأقيمت في الحالين . وعن الرابع : الفرق بأن الشاهدين معناهما مستويان ، فلا مزية لأحدهما في التقديم ، وأما اليمين فإنها تدخل القوة لجهة المدعي بالشاهد ، فلا قوة فلا تشرع ، والشاهدان شرعا لأنهما حجة مستقلة مع الضعف ، ووافقنا ( ح ) في أحكام الأبدان ، وخالفنا ( ش ) يحلف المدعي قبل قيام شاهد ، فإن نكل حلف المدعي . لنا : قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل ) فأخبر - صلى الله عليه وسلم - أنه لا يثبت إلا بهما ، فمن قال باليمين مع النكول فعليه الدليل ، وقال الله تعالى : ( وأشهدوا ذوي عدل منكم ) وإنما أمر بهذه الشهادة لأنها سبب الثبوت ، ولأن الشاهد والمرأتين أقوى من اليمين والنكول ، لأنها حجة من غير [ ص: 54 ] جهة المدعي ولم يثبت بها فلا يثبت بالآخر ، ولأن ما ذكروه يؤدي إلى استباحة الفروج بالباطل ، لأنها إذا أحبها ادعى عليها فتنكر ، فيحلفها فتنكر ، فيحلف فيستبيحها بتواطئ منها ، ولأن المرأة قد تكره زوجها فتدعي عليه في كل يوم فتحلفه ، وكذلك الأمة تدعي العتق ، وهذا ضرر عظيم . احتجوا بقضية حويصة ومحيصة في قضية عبد الرحمن بن سهل ، وهي في الصحاح . وقال فيها - صلى الله عليه وسلم - : ( يحلف لكم يهود خمسين يمينا ) ولأن كل حق توجهت اليمين فيه على المدعى عليه ، فإذا نكل ردت على المدعي ، أصله : المال ، وقياسا على اللعان ، فإن المرأة تحد بيمين الزوج ، ونكولها عن اليمين ، ولقوله - صلى الله عليه وسلم - : ( البينة على من ادعى ، واليمين على من أنكر ) وهو عام يتناول صورة التنازع ، لأنه - صلى الله عليه وسلم - قال لركانة لما طلق امرأته البتة : ( ما أردت بالبتة ؟ فقال : واحدة ، فقال له : آلله : والله ما أردت إلا واحدة ؟ ! فقال : والله ما أردت إلا واحدة ) فحلفه بعد دعوى امرأته الثلاث ، والجواب : أن الأيمان تمت بعد الموت ، وهو وجوده مطروحا بينهم وهم أعداؤه ، وغلظه خمسين ، بخلاف صورة النزاع في المعنيين ، ولأن القتل نادر وفي الخلوات حيث يتعذر الإشهاد فغلظ أمره لحرمة الدماء . وعن الثاني : أن المدعى عليه هاهنا لا يحلف بمجرد الدعوى فانحسمت المادة . وعن الثالث : أن اللعان مستثنى للضرورة ، فجعلت الأيمان مقام الشهادة لتعذرها وضرورة [ ص: 55 ] الأزواج لنفي العار وحفظ النسب . وعن الرابع : أنه مخصوص بما ذكرنا من الضرورة وخطر الباب . وعن الخامس : أنه وإن صح فالفرق : أن أصل الطلاق ثبت بلفظ صالح بل ظاهر للثلاث ، ودعوى المرأة أصل الطلاق : وليس فيه ظهور ، بل مرجوح باستصحاب العصمة .

                                                                                                                التالي السابق


                                                                                                                الخدمات العلمية