الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
[ ص: 161 ] ( فصل )

ولا يجب عليه أن يحج بنفسه حتى يقدر على الركوب ، فمتى قدر على الركوب على حالة من الأحوال لزمه الحج بنفسه ، فإن عجز عنه لمرض ، أو كبر لم يلزمه .

والمعتبر في ذلك : أن يخشى من ركوبه سقوطه ، أو مرض ، أو زيادة مرض ، أو تباطؤ برء ، ونحو ذلك . فأما إن كان توهما وجبنا ، أو مرة يعتريه أحيانا ، ويقدر أن يستطب ... .

ثم إن كان ميئوسا من برئه فإنه يحج عن نفسه ، قال أحمد - في رواية أبي طالب - : يحج الرجل عن الرجل وهو حي وعن المرأة ، وإذا كان شيخا كبيرا لا يستمسك على الراحلة يحج عنه وليه ، وإذا كانت امرأة ثقيلة لا يقدر مثلها يركب ، والمريض الذي قد أويس منه أن يبرأ : فيحج عنهم وليهم ، وهذا الذي أمر فيه النبي - صلى الله عليه وسلم - الخثعمية قالت : يا رسول الله ، إن أبي شيخ كبير وقد أدركته فريضة الله في الإسلام ، وهو لا يستمسك على الراحلة ، أفأحج عنه ؟ قال : ( نعم حجي عن أبيك ) .

فإذا كان الرجل والمرأة لا يقدران على الحج ، وقد وجب عليهما الحج : حج عنهما وليهما .

[ ص: 162 ] وإحجاجه عن نفسه : واجب عند أصحابنا على ما ذكره أبو عبد الله سواء بلغ وهو معضوب ، أو عضب بعد ذلك قبل وجود المال ، أو بعد وجود المال . وظاهر كلام أبي بكر وابن أبي موسى : أنه لا يجب ؛ لأن ابن أبي موسى ذكر أن شروط الوجوب : الحرية ، والبلوغ ، والإسلام ، والعقل ، والصحة ، والزاد والراحلة ، والمحرم للمرأة ، وخلو الطريق . وذكر أبو بكر : أن الحج يجب على الرجل بثلاثة أوصاف : بالزاد ، والراحلة ، والصحة . وعلى المرأة بأربعة أوصاف : الزاد ، والراحلة ، والصحة ، والمحرم .

لما تقدم من أن الخثعمية وغيرها أخبرت أن أباها قد فرض عليه الحج ، وأقرها النبي - صلى الله عليه وسلم - على ذلك ، وأمرها أن تحج عنه ، وشبه ذلك بالدين المقضي . ولولا أن الحج قد وجب على هذا المعضوب لما صح ذلك .

فإن قيل : المراد أنه من أهل وجوب الحج ... .

وأيضا : فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - سئل : ما يوجب الحج ؟ فقال : ( الزاد والراحلة ) ولم يفرق بين القادر بنفسه والعاجز .

وأيضا : فإن فرائض الله إذا قدر أن يفعلها بأصل أو بدل وجب عليه ذلك ، كما يجب بدل الصوم ، وهو الإطعام ، وبدل الكفارات ، وبدل الوضوء والغسل .

[ ص: 163 ] وأيضا : فإنه من أهل وجوب الحج ، وهذه الحجة تجزئ عنه ، ويسقط بها عنه فرض الإسلام ، بنص النبي - صلى الله عليه وسلم - وقد أمكنته الاستنابة من غير ضرر في دينه ولا دنياه ؛ لأن النائب إن كان أجيرا فلا ضرر منه عليه فيه ؛ لأن عمله يقع مستحقا للمستأجر كالاستيجار على البناء والخياطة والكتابة . وإن كان نائبا محضا فإن النفقة إنما تجب في مال المستنيب ، فلا منة عليه في ذلك ، يبقى عمل النائب فقط وذلك لا منة فيه ؛ لأن له عوضا صحيحا في شهود المشاعر ، وعمل المناسك ، وحضور الموسم ، وله بذلك عمل صالح غير إبراء ذمة المنيب من حج الفرض ، وإنما بلغ ذلك بمال المستنيب فيصيران متعاونين على إقامة الحج ، هذا بماله ، وهذا ببدنه فليس لأحدهما منة على الآخر ، بخلاف ما لو حج عنه بمال نفسه .

لا سيما إن كان الحاج وليه ، فإنه مأمور من جهة الشرع بأن يحج عنه [ ص: 164 ] صلة لرحمه ، وقضاء لحقه ، كما هو مأمور بالعقل عنه ، وولايته في النكاح وغيره ، ولا منة عليه بذلك . وإذا حج عن نفسه أجزأ عنه وإن عوفي .

قال - في رواية إسحاق بن منصور ، وأبي طالب - : إذا لم يقدر على الحج فحجوا عنه ، ثم صح بعد ذلك وقدر : فقد قضي عنه الحج ولا قضاء عليه ، وعلى هذا عامة أصحابنا .

فإن وجد الزاد والراحلة ، ولم يجد من يحج عنه فهو كما لو عاقه عائق ، أو ضاق الوقت هل يثبت الوجوب في ذمته ؟ على روايتين .

التالي السابق


الخدمات العلمية