الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
[ ص: 570 ] ( فصل )

وإذا نسي المحرم ما أحرم به ، أو أحرم بمثل فلان ، وتعذر معرفته ، قال أحمد - في رواية أبي داود - في رجل لبى فنسي لا يدري بحج أو عمرة : يجعلها عمرة ، ثم يلبي من مكة .

وقال - في رواية ابن منصور وذكر له قول سفيان في رجل أهل لا يدري بحج أو عمرة : فأحب إلي أن يجمعهما - قال أحمد : أنا أقول : إن كان أهل بحج فشاء أن يجعله عمرة فعل ، وإن كان أهل بحج وعمرة [ ولم يسق الهدي ، وشاء أن يجعلها عمرة فعل . فقد نص على أنه يجعله عمرة ] فيتمتع بها إلى الحج ، وهذا حسن مستقيم على الأصل الذي تقدم ، فإنه إذا شرع لمن يذكر ما أحرم به أن يجعله متعة ، فلمن لا يذكر أولى .

ثم اختلف أصحابنا فأقره بعضهم على ظاهره ، وهذه طريقة أبي الخطاب وغيره ، ثم بعض هؤلاء قال : إنما يلزمه عمرة على ظاهر رواية أبي طالب .

[ ص: 571 ] والصواب : أنه يلزمه عمرة يتمتع بها إلى الحج ، فلزمه عمرة وحج ، كما بينه في رواية أبي داود . إلا أن يكون قد ساق الهدي ، فإن قياس هذا أن يلزمه القران ، وهذا لأنه قد تيقن وجوب أحد الثلاثة في ذمته ، فلزمه الخروج منه بيقين ، كما لو نسي صلاة من يوم لا يعلم عينها . وإذا تمتع فإنه قد خرج بيقين ، أما إذا أفرد جاز أن يكون [ الذي في ذمته عمرة أو قرانا ، وإذا قرن جاز أن يكون ] قد أحرم بالحج أولا ، فلا يصح إدخال العمرة عليه .

وأما القاضي وأكثر أصحابه ; كالشريف ، وأبي الخطاب في خلافة ، وابن عقيل وغيرهم : فإنهم يخيرونه بين العمرة والحج ، وحملوا كلام أحمد على الاستحباب ; لأن الأصل براءة ذمته من الأنساك الثلاثة ، فلم يجب إلزامه بالشك . وزعم القاضي أنه لو نذر إحراما ونسيه لم يلزمه إلا عمرة ؛ لأنها الأولى ، وكذلك هنا ، ولأن الشك في التعيين يجعل التعيين كعدمه فيكون بمنزلة من أحرم مطلقا ، فله صرفه إلى ما شاء . وهذا بخلاف الصلاة ، فإن التعيين شرط في إحرامها ، فإذا صلى صلاة مطلقة لم تصح . والحج بخلاف ذلك ، فإنه يصح مع الإبهام ، فإذا شك في عين ما أحرم به فالأصل عدم التعيين ، وإنما يتقين أنه محرم ، والإحرام بأحد الثلاثة يبرئ الذمة من هذا الإحرام .

فعلى هذا إن عينه بقران ، فإن كان قارنا فقد أجزأ عنه ، وإن كان معتمرا فقد [ ص: 572 ] أدخل الحج على العمرة ، وذلك صحيح إلا أن يقال : إن المتمتع يجب عليه الحج ، وإن كان مفردا فقد أدخل الحج على العمرة .

فإن قيل : يصح إدخال العمرة على الحج - أجزأته عنهما ، وإن قيل : لا يصح على المشهور من المذهب - فيصح له الحج بكل حال .

وأما العمرة فهل تجزئه ؟ على وجهين : أحدهما : تجزئه ؛ لأنه قد صار قارنا .

والثاني : لا تجزئه - وهو أصح - لأنه غير متيقن لصحة قرانه . فعلى هذا إن كان قد طاف للعمرة وسعى لها ، ثم طاف للحج وسعى ، وإن لم يزد على أعمال المفرد ، وقلنا : بأن أعمال العمرة لا تدخل في الحج : لم يخرج من إحرامه إلا بطواف للعمرة . وهل يحتاج إلى إعادة طواف الحج لكونه قد شرك في طوافه الأول بين الحج والعمرة على ما سيأتي ؟

وإن قلنا : تدخل أعمال العمرة في الحج - وهو ظاهر المذهب - فإنه قد شرك في الطواف بين حج صحيح وعمرة لم تصح ، وذلك يجزئه في أشهر الوجهين ، قاله القاضي .

ثم إن قلنا : يسقط النسكان عنه ، لزمه الدم . وإن قلنا : إنما يسقط الحج ، ففي وجوب الدم وجهان :

أحدهما : لا يجب - وهو الصحيح - للشك في سببه .

[ ص: 573 ] والثاني : يجب ؛ لأنه التزمه ظاهرا ، ولأنه أحوط .

وإن اختار الإفراد سقط عنه الحج يقينا ، سواء كان قد أحرم أولا به ، أو بالعمرة ، أو بهما ، ولا دم عليه ؛ لأنه لم يلتزمه ، ولا تحقق وجوبه ، وهل يحتاج في خروجه من الإحرام إلى طواف بنية العمرة ؟ على وجهين :

وإن عينه بتمتع ولم يسق الهدي فهو متمتع ظاهرا وباطنا ، ويجزئه عن العمرة والحج . قال - بعض أصحابنا - : ولو بدا له بعد قضاء العمرة أنه لا يحج لم يكن عليه شيء ، وهذا ليس بجيد .

وإن كان قد ساق الهدي وتمم أعمال الحج فقد حصل له الحج يقينا . وأما العمرة : فهو فيها كالقارن ؛ لجواز أن يكون قد أحرم أولا بالحج ، فلا يصح فسخه إلى العمرة ، ثم هو قد طاف أولا وسعى للعمرة ، ثم طاف بعد التعريف وسعى للحج .

فإن قلنا : إن أفعال العمرة لا تدخل في أعمال الحج إذا كان قارنا ، فقد خرج من الإحرام بيقين ، وكذلك إن قلنا : إنه يجوز للقارن أن يطوف لها قبل التعريف .

وأما إن قلنا : إن أفعال العمرة تدخل في الحج ولا يجزئ الطواف لها قبل التعريف - فإن طوافه قبل التعريف لم يقع عن عمرة القران ، وهو بعد الوقوف إنما طاف عن الحج خاصة ، فلا يخرج من إحرامه حتى يطوف لها ثانيا بعد الوقوف ، وهذا على قول من يوجب على القارن أن ينوي عنهما .

وأما من قال : الطواف للحج يجزئ عن النسكين إذا كان في الباطن كذلك - فكذلك هنا .

[ ص: 574 ] وفي وجوب الدم وجهان ذكرهما القاضي وغيره كما قلنا في القارن ، أحدهما : عليه الدم ؛ لأنه التزم موجبه ، وهو أحوط .

والثاني : لا دم عليه ؛ لجواز أن يكون إحرامه - في الأصل - بحجة وقد فسخها بعمرة ، فلا دم عليه . وهذا غير مستقيم على أصلنا ، بل الصواب أنه إن حج من عامه فهو متمتع ظاهرا وباطنا ، فعليه دم المتعة بلا تردد إلا أن يكون إحرامه أولا بعمرة بلا نية تمتع ، ونقول : إن نية التمتع شرط في وجوب الدم ، وإن لم يحج من عامه فلا دم عليه قولا واحدا ، ولا وجه لإيجابه .

التالي السابق


الخدمات العلمية