الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
[ ص: 419 ] ( الفصل الثاني )

في الوقت الذي يستحب فيه الإحرام والذي عليه أصحابنا : أنه يستحب فيه الإحرام في دبر الصلاة وهو جالس مستقبل القبلة ، وإن أحرم بعد ذلك فحسن ، وقد تقدم قول أحمد في - رواية المروذي - فإن وافقت صلاة مكتوبة صليت ، وإلا فصل ركعتين ، فإن أردت المتعة فقل : اللهم إني أريد العمرة فيسرها لي وتقبلها مني وأعني عليها ، تسر ذلك في نفسك مستقبل القبلة ، وتشترط عند إحرامك تقول : إن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني . وإن شئت أهللت على راحتك ، وذكر في الإفراد والقران مثل ذلك إلا أنه قال : فقل اللهم إني أريد العمرة والحج فيسرهما لي وتقبلهما مني لبيك اللهم عمرة وحجا قبل ذلك ، وكذلك قال - في رواية حنبل - إذا أراد الإحرام فإن وافق صلاة مكتوبة صلى ثم أحرم ، وإن شاء إذا استوى على راحلته ، وإن أحب أن يحرم من المسجد [ أحرم ، وإن شاء بعدما صلى في دبر الصلاة فأي ذلك فعل أجزأه بعد خروجه من المسجد ] في حديث ابن عمر .

[ ص: 420 ] وقال - في رواية عبد الله - : فإن وافق صلاة مكتوبة صلى ، ثم أحرم وإن شاء إذا استوى على راحلته .

وقال - في رواية أبي طالب - : إذا أراد الإحرام استحب له أن يغتسل ، ويلبس إزارا ورداء فإن وافق صلاة مكتوبة صلى ثم أحرم ، وإن شاء إذا استوى على راحلته فلبى تلبية النبي - صلى الله عليه وسلم - .

وجعل القاضي وغيره هذه النصوص - منه - : مقتضية للاستحباب عقيب الصلاة [ وإن شاء أحرم إذا استوت به راحلته ؛ لأن أحمد بدأ بالأمر بذلك ثم جوز الآخر ، ولأنه إنما شرع الإحرام عقيب الصلاة ] بناء على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أحرم عقيبهما ، فيكون ذلك زائدا على رواية من روى أنه أحرم عند استواء ناقته وانبعاثها به ، ولأنه إذا كان مشروعا في هاتين الحالتين فتقديمه أفضل .

وقال في رواية الأثرم - وقد سئل : أيما أحب إليك : الإحرام في دبر الصلاة ، أو إذا استوت به ناقته ؟ - [ قال : كل قد جاء دبر الصلاة وإذا استوت به ناقته ] وإذا علا البيداء .

[ ص: 421 ] قال القاضي : وظاهر هذا أنه مخير في جميع ذلك ، وليس أحدهما بأولى من الآخر .

ولفظ أبي الخطاب : وعنه أن إحرامه عقيب الصلاة ، وإذا استوى على راحلته وإذا بدأ في السير سواء ، ولفظ غيره فيها : أن الإحرام عقيب الصلاة وحين تستوي به راحلته على البيداء سواء .

والمذهب على ما حكينا ، وأن المستحب : أن يحرم دبر الصلاة ، ومعنى قولنا إذا استوى على راحلته : أنها الحال التي يريد أن يأخذ في المسير .

وقد نقل عبد الله عن أبيه : أنه يلبس ثوبين ثم يقلد بدنته ثم يشعر ثم يحرم هكذا الأمر ، هكذا يروى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - .

وعلى هذا : يستحب الإحرام إذا ركب وأراد الأخذ في السير ؛ لأن تقليد الهدي وإشعاره بعد الصلاة ، وقد جعل الإحرام بعده .

وإذا أحرم دبر الصلاة ففي أول أوقات التلبية ثلاثة أوجه :

أحدها : أنه يلبي إذا استوت به راحلته كما ذكره الشيخ ، قاله الخرقي وذكره القاضي وابن عقيل في المجرد والفصول ، وهو المنصوص عنه في رواية الأثرم ؛ قال : قد يكون الرجل محرما بغير تلبية إذا عزم على الإحرام وقد [ ص: 422 ] يلبي الرجل ولا يحرم ولا يكون عليه شيء وهو يعزم على الإحرام ، فإذا انبعثت به راحلته لبى .

والثاني : أن أول حال تشرع فيها التلبية إذا أشرف على البيداء لا في أول الإحرام ، ذكره القاضي في بعض المواضع .

والثالث : أنه يلبي عقيب إحرامه في دبر الصلاة وهو الذي استقر عليه قول القاضي وغيره من أصحابنا ، وقد نص في رواية المروذي على أنه يصل الإحرام بالتلبية .

قال أحمد - في رواية حرب وقد سأله عن الرجل إذا أحرم في دبر الصلاة أيلبي ساعة يسلم أم متى ؟ قال : يلبي متى شاء ساعة يسلم ، وإن شاء بعد ذلك وسهل فيه .

وأكثر نصوص أحمد تدل على أن زمن الإحرام هو زمن التلبية - كما تقدم عنه - : أنه مخير بين الإحرام والإهلال عقيب الصلاة ، وعلى الراحلة ولم يذكر في شيء من ذلك أنه يحرم عقيب الصلاة ويلبي إذا استوت به راحلته .

وسبب هذا : الاختلاف في وقت إحرام النبي - صلى الله عليه وسلم - وإهلاله ، فروى نافع [ ص: 423 ] قال : " كان ابن عمر يأتي مسجد ذي الحليفة فيصلي ، ثم يركب فإذا استوت به راحلته قائمة أحرم ، ثم قال : هكذا رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " رواه البخاري .

وفي لفظ - له - : " رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يركب راحلته بذي الحليفة ، ثم يهل حين تستوي به قائمة " .

وعن ابن عمر قال : " بيداؤكم هذه التي تكذبون على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيها ما أهل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلا من عند المسجد " يعني مسجد ذي الحليفة ، وفي رواية " ما أهل إلا من عند الشجرة حين قام به بعيره " متفق عليها .

وفي رواية عنه : " سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يهل ملبدا يقول : لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك [ لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك ] [ ص: 424 ] وقال : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يركع بذي الحليفة ركعتين ، ثم إذا استوت به الناقة قائمة عند مسجد ذي الحليفة أهل بهؤلاء الكلمات " رواه مسلم .

وعنه أيضا - قال : " كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا وضع رجله في الغرز وانبعثت به راحلته قائمة أهل من ذي الحليفة " متفق عليه .

وهذا يبين أنه أهل لما انبعثت به إلى القيام وهو استواؤها ؛ لأن البعير إذا نهض يكون منحنيا ، فإذا استوى صار قائما .

وهذا كله يبين أنه أهل حين استواء البعير وإرادة المسير قبل أن يشرع في السير ، فعلى هذا تكون التلبية عوضا عن الذكر المشروع .

[ ص: 425 ] وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما " أن إهلال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من ذي الحليفة حين استوت به راحلته " رواه البخاري ، وقال : رواه أنس وابن عباس .

وعن أنس بن مالك قال : " صلى النبي - صلى الله عليه وسلم - بالمدينة أربعا ، وبذي الحليفة ركعتين ، ثم بات حتى أصبح بذي الحليفة ، فلما ركب راحلته واستوت به أهل " رواه البخاري ، ولمسلم إلى قوله : " ركعتين " .

وعن ابن عباس قال : " صلى النبي - صلى الله عليه وسلم - الظهر بذي الحليفة ، ثم دعا بناقته فأشعرها في صفحة سنامها الأيمن ، وسلت الدم عنها ، وقلدها نعلين ثم ركب راحلته ، فلما استوت به على البيداء أهل بالحج " رواه أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي .

فهذه نصوص صحيحة أنه إنما أهل حين استوت به راحلته واستوى [ ص: 426 ] عليها ، ورواتها مثل ابن عمر وجابر وأنس وابن عباس في رواية صحيحة .

ثم من قال من أصحابنا : يحرمون عقيب الصلاة قال : قد جاء أنه أحرم عقيب الصلاة ، وهنا أنه أهل إذا استوت به راحلته ، فتحمل تلك الرواية على الإحرام المجرد ، وهذه على الإهلال ؛ لأن التلبية إجابة الداعي ، وإنما تكون الإجابة إذا أراد أن يأخذ في الذهاب إليه بخلاف الإحرام فإنه عقد وإيجاب ففعله عقيب الصلاة أقرب إلى الخشوع .

وأما رواية البيداء فروي عن أنس بن مالك : " أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى الظهر ثم ركب راحلته ، فلما علا على جبل البيداء أهل " رواه أحمد وأبو داود والنسائي ، وقد روى البخاري نحوه ، وعن جابر بن عبد الله قال : " لما أراد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الحج أذن في الناس فاجتمعوا ، فلما أتى البيداء [ ص: 427 ] أحرم " رواه الترمذي وقال : حديث حسن صحيح ، ورواه مسلم في حديثه الطويل ، ولفظه : " فصلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في المسجد ، ثم ركب القصوى ، حتى إذا استوت به ناقته على البيداء نظرت إلى مد بصري بين يديه من راكب وماش ، وعن يمينه مثل ذلك ، ومن خلفه مثل ذلك ، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - بين أظهرنا وعليه ينزل القرآن وهو يعرف تأويله ، وما عمل به من شيء عملنا به ، فأهل بالتوحيد لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك " .

وعن سعد بن أبي وقاص قال : " كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا أخذ طريق الفرع أهل إذا استقلت به راحلته ، وإذا أخذ طريق أحد أهل إذا أشرف على [ ص: 428 ] جبل البيداء " رواه أبو داود .

ووجه الأول ما روى خصيف عن سعيد بن جبير عن ابن عباس " أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لبى في دبر الصلاة " رواه الخمسة إلا أبا داود ، ولفظ أحمد : " لبى في دبر الصلاة " وقال الترمذي : حديث حسن غريب ، وفي رواية [ ص: 429 ] لأحمد وأبي داود عن سعيد قال : " قلت لابن عباس : عجبا لاختلاف أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في إهلاله ، فقال : إني لأعلم الناس بذلك إنما كانت منه حجة واحدة فمن هنالك اختلفوا ، خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حاجا فلما صلى في مسجده بذي الحليفة ركعتين أوجب في مجلسه ، فأهل بالحج حين فرغ من ركعتيه فسمع ذلك منه أقوام ، فحفظوا عنه ، ثم ركب فلما استقلت به ناقته أهل ، فأدرك ذلك منه أقوام فحفظوا عنه ، وذلك أن الناس إنما كانوا يأتون أرسالا فسمعوه حين استقلت به ناقته ثم مضى فلما علا على شرف البيداء أهل ، فأدرك ذلك أقوام فقالوا : إنما أهل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين علا شرف البيداء ، وايم الله لقد أوجب في مصلاه وأهل حين استقلت به راحلته ، وأهل حين علا على شرف البيداء " .

ورواه الأثرم وقال : " أوجب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الإحرام حين فرغ من صلاته ، ثم خرج فلما ركب راحلته واستوت به ناقته أهل " ولعل هذا اللفظ هو الذي اعتمده بعض أصحابنا .

[ ص: 430 ] وروى .... عن ابن عباس أنه قال : " أهل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في مسجد ذي الحليفة وأنا معه ، وناقة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عند باب المسجد وابن عمر معها ، ثم خرج فركب فأهل فظن ابن عمر أنه أهل في ذلك الوقت " .

وهذه رواية مفسرة فيها زيادة علم واطلاع على ما خفي في غيرها ، فيجب التقيد بها واتباعها ، وليس هذا مخالفا لما تقدم عنه أنه أهل حين استوت به على البيداء ؛ لأن تلك الرواية بعض هذه .

وعن أشعث بن عبد الملك عن الحسن عن أنس : " أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلى الظهر بالبيداء ثم ركب وصعد جبل البيداء وأهل بالحج والعمرة حين صلى الظهر " رواه النسائي ، ويدل عليه ما روى عمر قال : " سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو بوادي العقيق يقول : أتاني الليلة آت من ربي - عز وجل - فقال : صل في هذا الوادي المبارك وقل : عمرة في حجة ، وفي لفظ : " عمرة وحجة " رواه البخاري وغيره ، فلم يجعل بين الصلاة والإحرام فصلا .

[ ص: 431 ] وأيضا فإن كل صلاة مشروعة لسبب بعدها : فإنه يستحب أن يوصل بها كصلاة الاستخارة وصلاة الحاجة وصلاة الاستسقاء وغير ذلك .

فإن إحرامه جالسا مستقبل القبلة أقرب إلى اجتماع همه وحضور قلبه ، وهو بعد الصلاة أقرب إلى الخشوع منه عند الركوب ، فإحرامه حال الخشوع أولى ، وقد بين في هذا الحديث أنه لبى عقيب الصلاة ، وكذلك جميع الأحاديث ليس فيها فرق بين الإحرام والتلبية .

بل التلبية والإهلال والإحرام وفرض الحج بمعنى واحد ، ولهذا في حديث ابن عمر : " أنه أحرم حين استوت به ناقته " وفي لفظ : " أنه أهل " فعلم أنه إنما قصد ابتداء الإحرام .

[ ص: 432 ] فمن زعم أنه أحرم ولم يلب ، ثم لبى حين استوت به ناقته فهو مخالف لجميع الأحاديث ولعامة نصوص أحمد .

والإحرام من مكة من المتمتع كغيره يحرم عقيب الركعتين اللتين يصليهما بعد طواف سبع ، ذكره القاضي وغيره ، وقد قال أحمد - في رواية حرب - : إذا كان يوم التروية أهل بالحج من المسجد .

والمنصوص عنه - في رواية عبد الله في حق المتمتع - : إذا كان يوم التروية طاف بالبيت فإذا خرج من المسجد لبى بالحج ، فذكر أنه يهل إذا خرج من المسجد ، وفي موضع آخر : قلت : من أين يحرم بالحج ؟ قال : إذا جعل البيت خلف ظهره ، قلت فإن بعض الناس يقول : يحرم من الميزاب ؟ قال : إذا جعل البيت خلف ظهره أهل .

فقد نص على أنه يهل إذا أخذ في الخروج من المسجد والذهاب إلى منى ، وهذا يوافق رواية من روى أنه يهل إذا استقلت به ناقته خارجا من مسجد ذي الحليفة .

والتلبية عقيب الإحرام ، إنما تستحب إذا كانت في البرية والصحراء ، فإن كانت في الأمصار لم تستحب حتى يبرز ؛ لأنها لا تستحب في الأمصار ، ذكره [ ص: 433 ] القاضي في رواية أحمد بن علي ، وقد سئل إذا أحرم في مصره يلبي ، فقال : ما يعجبني ، كأنه ذهب إلى التلبية من وراء الجدر .

وقال - في رواية المروذي - : التلبية إذا برز عن البيوت .

فإن كان الإحرام في مسجد في البرية أو في قرية ... .

التالي السابق


الخدمات العلمية