الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
قلنا : أما قولهم : فسخ الحج كان مختصا بهم ، والتمتع إنما كان بالفسخ ، فعنه أجوبة: -

أحدها : أن الفسخ حكم ثابت في حق جميع الأمة كما سنبينه إن شاء الله ، فمتعته كذلك ؛ ولهذا مذهب أحمد وأصحابه : أن المستحب لمن أحرم بحج مفرد ، أو بعمرة وحج ، وأحرم إحراما مطلقا ، أو أحرم بمثل ما أحرم به فلان : أن يفسخوا الحج إلى العمرة ويتمتعوا بالعمرة إلى الحج امتثالا لأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وطاعة له ، وإن كان بعض العلماء لا يجيزه فليس لأحد مع السنة كلام ، ولا يشرع الاحتراز من اختلاف يفضي إلى ترك ما ندبت إليه السنة ؛ كما [ ص: 502 ] استحببنا التطيب قبل الإحرام ، وبعد الإحلال الأول اتباعا للسنة ، وفي جوازه من الخلاف ما قد علم ، وكما استحببنا التلبية إلى أن يرمي جمرة العقبة ، وفي كراهته من الخلاف ما قد علم ، ونظائره كثيرة .

الثاني : أن أمرهم بالمتعة تضمن شيئين : -

أحدهما : جواز الفسخ .

والثاني : استحباب التمتع واختياره ، فإذا بطل أحدهما لم يبطل الآخر ، وهذا لأنه لو لم تكن المتعة أفضل من غيرها لكان النبي - صلى الله عليه وسلم - قد اختار لأصحابه ما غيره أفضل منه ، وحضهم على ذلك ، والتزم لأجله فسخ الحج ، وبين [ ص: 503 ] أنه إنما منعه من التحلل معهم سوق هديه ، ولا يجوز أن يعتقد أن النبي - صلى الله عليه وسلم - يختار لهم ما غيره أفضل منه .

الثالث : أن في حديث عائشة المتفق عليه ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : " من أحب أن يهل بعمرة فليهل ، ومن أحب أن يهل بحج فليهل ، فلولا أني أهديت لأهللت بعمرة " . وهذا نص في أن الإهلال بالعمرة لغير المهدي أفضل ، وقال أيضا . . .

الرابع : أنه - صلى الله عليه وسلم - قال في آخر الأمر بمكة : " لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما سقت الهدي ، ولجعلتها عمرة " وفي لفظ : " لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما أهديت ، ولولا أن معي الهدي لأحللت " . فبين أنه - صلى الله عليه وسلم - لو كان ذلك الوقت مستقبلا للإحرام الذي استدبره : لأحرم بعمرة إذا لم يكن معه هدي ، وهو لا يتأسف إلا على فوات الأفضل . فعلم أن من لم يسق الهدي فإن الأفضل له العمرة .

وأما قولهم : إنما تأسف على الموافقة :

قلنا : في الحديث ما يرد هذا ، فإنه قال : " فرأى أن الفضل في الإحلال " . هكذا في حديث جابر ، ثم ذلك في سوق الهدي ، أي : لو استقبلت من أمري ما سقت الهدي موافقة لكم ، وإن كان سوق الهدي أفضل ، لكن إذا لم يسق الهدي فقد بين أنه يحل من إحرامه ، ويجعلها عمرة ، مع أنه لا ضرورة إلى هذا ، فلو كان هذا مفضولا مع ترك سوق الهدي ، لكان قد اختار لنفسه ولأصحابه ما غيره أفضل منه ، وذلك غير جائز .

[ ص: 504 ] والدليل على أن فسخ الحج إلى العمرة جائز ، وأنه هو الأفضل من المقام على الحج لمن يريد أن يحج ويعتمر في سفرة واحدة ، هذه الأحاديث الصحاح الصراح التي ذكرناها مع ما احتج به ابن عباس من ظاهر القرآن .

قال أحمد في - رواية عبد الله - : كان ابن عباس يختار المتعة من أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أصحابه بالإحلال ، قال : ثنا يحيى بن سعيد ، عن ابن جريج قال : أخبرني عطاء قال : قلت له : من أين كان ابن عباس أخذ أنه من طاف بالبيت فقد حل ؟ قال : من قول الله عز وجل : " ثم محلها إلى البيت العتيق " ومن أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - أصحابه أن يحلوا في حجة الوداع ، فكأن ابن عباس رأى أن الشعائر : اسم يجمع مواضع النسك ، كما قال تعالى : " إن الصفا والمروة من شعائر الله " ، وقال : " المشعر الحرام " ، ويعم الأفعال التي يفعلها الناسك ، ويعم الهدايا التي تهدى إلى البيت . وبين أن محل . . .

[ ص: 505 ] وأما قوله : إن الفسخ لا يجوز إلا لذلك الوفد خاصة ، فغير صحيح لوجوه : -

أحدها : أن ما ثبت في حق الواحد من الأحكام ثبت في حق جميع الأمة ، وهذا مما يعلم بالاضطرار من دين الإسلام ، وحيث ما خص الواحد بحكم ، فلا بد أن يكون اختصاصه بذلك الحكم لعلة اختص بها ، لو وجدت في غيره لكان حكمه حكمه ، ولا بد من دليل على التخصيص كما قال لأبي بردة بن نيار في الأضحية : " تجزئك ولا تجزئ عن أحد بعدك " ؛ لأنه كان قد ذبح قبل أن [ ص: 506 ] يسن وقت الأضحية ، وكما خص سالما مولى أبي حذيفة بأن يرضع كبيرا ؛ لأنه قد تبني قبل أن يحرم سبحانه - أن يدعى الرجل لغير أبيه .

ثم إن التخصيص يكون لواحد ، وهنا أمر جميع من حج معه بالتحلل ، وقد أمر من بعدهم بالاقتداء بهم ، فلو كانوا مخصوصين بذلك لوجب بيانه وإظهار ذلك وإشاعته ، وإلا فلو ساغ دعوى مثل هذا ؛ لساغ أن يدعى اختصاصهم بكثير من الأحكام ، وحينئذ ينقطع اتباع غيرهم له وإلحاقهم به ، وفي هذا تعطيل للشريعة ، وما ذكروه من مستند التخصيص سنتكلم عليه إن شاء الله تعالى .

الثاني : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد بين بيانا شافيا أن هذه العمرة - المتمتع بها التي فسخ الحج إليها - حكم مؤبد إلى يوم القيامة ؛ لما أطلعه الله عليه أن سيكون قوم يدعون أن هذه كان مخصوصا بهم .

ففي صحيح مسلم من حديث جابر : " حتى إذا كان آخر طواف على [ ص: 507 ] المروة ، قال : لو أني استقبلت من أمري ما استدبرت لم أسق الهدي وجعلتها عمرة ، فمن كان منكم ليس معه هدي فليحل وليجعلها عمرة . فقام سراقة بن جعشم فقال : يا رسول الله ، ألعامنا هذا ، أم لأبد ؟ فشبك النبي - صلى الله عليه وسلم - أصابعه واحدة في الأخرى وقال : دخلت العمرة في الحج مرتين ، لا بل لأبد أبد " وفي رواية للبخاري : " أن سراقة بن مالك بن جعشم لقي النبي - صلى الله عليه وسلم - بالعقبة وهو يرميها ، فقال : ألكم هذه خاصة يا رسول الله ؟ قال : لا ، بل للأبد " . وفي حديث ابن عباس : " فأمرهم فجعلوها عمرة ، ثم قال : لو استقبلت من أمري ما استدبرت لفعلت كما فعلوا ، لكن دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة ، ثم أنشبت أصابعه بعضها في بعض " .

فبين النبي - صلى الله عليه وسلم - : أن ذلك الذي فعلوه ليس لهم خاصة ، وإنما هو للأبد . ولا يجوز أن يقال : إنما أشار إلى العمرة قبل الحج ، وهو التمتع فبين أن التمتع جائز إلى يوم القيامة ، ولم يقصد الفسخ ؛ لما روى ابن بطة في مسألة أفردها في الفسخ عن جابر بن عبد الله أن سراقة بن مالك بن جعشم " سأل [ ص: 508 ] النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال : يا رسول الله ، أرأيت ما أمرتنا به من المتعة وإحلالنا ، لنا خاصة أو هو شيء للأبد ؟ فقال : بل هو للأبد " ، وفي لفظ آخر : " قال : يا رسول الله ، فسخ الحج لنا خاصة أم للأبد ؟ قال : بل للأبد " . وهذا نص في أن المراد فسخ الحج إلى عمرة التمتع ، وأن حكم ذلك باق إلى الأبد .

وروي أيضا عن طاوس قال : " علي هو الذي سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - أنفسخ لمدتنا هذه ، أم للأبد ؟ قال : للأبد " .

وعن طاوس قال له رجل : " من سنتنا هذه ؟ قال : لا ، بل للأبد " ؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أشار إلى الذي فعلوه ، والذي فعلوه أنهم قدموا ينوون الحج لا يعرفون العمرة ، [ فقال لهم : إذا طفتم بالبيت وبين الصفا والمروة فحلوا من إحرامكم واجعلوها عمرة ] إلا من ساق الهدي " . وسياق حديث جابر واضح في ذلك ، والتمتع المحض لم يجر له ذكر ولا فعله عامتهم ، وإن كان قد فعله قليل منهم ، وقد قال له سراقة بن جعشم : " أرأيت عمرتنا هذه لعامنا هذا ، أم للأبد ؟ قال : للأبد " . وقوله : عمرتنا هذه صريح في العمرة التي تحللوا بها من حجهم .

وأيضا : فإنه لو كان هذا هو المقصود لبين النبي - صلى الله عليه وسلم - ذلك ولم يطلق الجواب إطلاقا ، بل قال : أما المتعة فجائزة ، وأما الفسخ فخاص لنا ؛ لأن السؤال وقع عما فعلوه ، فلو كان مشتملا على ما هو لذلك العام وللأبد ، لوجب تفصيل الجواب .

وأيضا فقوله : " دخلت العمرة في الحج مرتين " نص في أن الحج تدخل [ ص: 509 ] فيه العمرة إلى يوم القيامة ، وهو يعم الاعتمار قبل الحج ، سواء كان نوى العمرة أولا ، أو نوى الحج ، أم حل من إحرامه . ولا يجوز أن يقصد به القسم الأول فقط ؛ لأن سبب الحديث هو القسم الثاني ، وسبب اللفظ العام لا بد أن يكون داخلا فيه لا يجوز إخراجه منه ، وظاهره أن كل حج يجوز أن يدخل فيه عمرة ، سواء كان قد أحرم بها ابتداء ، أو حل من الحج بعمرة ثم أهل بالحج . وليس المراد بذلك جواز فعل العمرة في أشهر الحج ، سواء حج أو لم يحج ؛ لأن قوله في الحج حقيقة في الفعل ، ولا سيما وقد شبك - صلى الله عليه وسلم - بين أصابعه ، واليدان كل واحدة منهما من جنس الأخرى ، فلا بد أن يكون الداخل من جنس المدخول فيه .

وأيضا : فقد قال سراقة بن جعشم هذا وهو بعسفان : " اقض لنا قضاء قوم كأنما ولدوا اليوم ، فقال : إن الله أدخل عليكم في حجكم عمرة ، فإذا قدمتم فمن تطوف بالبيت وبين الصفا والمروة فقد حل ، إلا من كان معه الهدي " فبين النبي - صلى الله عليه وسلم - أن ذلك الحج الذي حجوه قد أدخل الله عليهم فيه عمرة ، وإنما ذلك بأن يحلوا من الحج ويجعلوها عمرة ، ثم بين أن إدخال العمرة في الحج إلى يوم القيامة . فهذا نص قاطع لا خفاء به : أن كل حاج له أن يدخل في حجه عمرة ، سواء كان أحرم من الميقات أو أحرم أولا بالحج .

وأيضا : فإن كل من أم هذا البيت يريد الوقوف بعرفة فهو حاج من حين يحرم من الميقات وإن أحرم أولا بالعمرة ، فإذا اعتمر في هذا الحج فقد أدخل في حجته عمرة ، فلا معدل عن هذا الأمر الواضح البين .

وأيضا : فإنه إذا اعتمر في أشهر الحج وحج ، فقد أدخل العمرة في الحج ، وإن [ ص: 510 ] لم يحج ذلك العام فلم يدخلها .

وأيضا : فلو كان معناه جواز العمرة في أشهر الحج لكان هذا قد علموه قبل ذلك ، حيث اعتمر في ذي القعدة ثلاث عمرات ، وأيضا . . .

الوجه الثالث : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - بين أن فسخ الحج إلى العمرة ليس هو شيئا خارجا عن القياس ، وتغيظ على من توقف فيه ، وقد اعترضوا عليه بمثل ما يعترض به بعض أهل زماننا ، فالاعتراض عليه نفثة من الشيطان في نفوس الناس .

قال جابر : فقال لهم : " أحلوا من إحرامكم بالطواف بالبيت وبين الصفا والمروة ، وقصروا ، ثم أقيموا حلالا حتى إذا كان يوم التروية فأهلوا بالحج ، واجعلوا التي قدمتم بها متعة ، فقالوا : كيف نجعلها متعة وقد سمينا الحج ؟ فقال : افعلوا ما أمرتكم ، فلولا أني سقت الهدي لفعلت مثل الذي أمرتكم ، ولكن لا يحل مني حرام حتى يبلغ الهدي محله ، ففعلوا " وفي رواية مسلم : " فقلنا : لما لم يكن بيننا وبين عرفة إلا خمس أمرنا أن نفضي إلى نسائنا ، فنأتي عرفة تقطر مذاكيرنا المني " قال جابر : فقام النبي - صلى الله عليه وسلم - فينا فقال : " قد علمتم أني أتقاكم لله ، وأصدقكم ، وأبركم ، ولولا هدي لأحللت كما تحلون ، ولو استقبلت من أمري ما استدبرت لم أسق الهدي ، فحلوا . فحللنا ، وسمعنا وأطعنا " . وهذا كله يدل على أن ذلك أمر حسن مباح في نفسه ، وأن توقف من توقف فيه خطأ عظيم ؛ ولذلك تغيظ عليه كما تغيظ على من توقف عن الإحلال في عمرة [ ص: 511 ] الحديبية ، وكما تغيظ على من تحرج عن القبلة للصائم وقال : " يحل الله لرسوله ما شاء " وكما تغيظ على من كره أن يصبح صائما وهو جنب ، وكما يرخص في أشياء ، فبلغه أن ناسا تحرجوا من ذلك ، وفي كل ذلك يقول : " إني أخشاكم لله وأعلمكم بما أتقي " فتبين بذلك أن هذا ليس مما يتقى ويجتنب ولم أفعله لخصوص في . فلو كان البقاء على الإحرام هو الواجب في الأصل ، وإنما وقعت الرخصة في وقت خاص - لم يتغيظ مثل هذا التغيظ .

الوجه الرابع : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال في هذه الحجة : " لتأخذوا عني مناسككم " رواه مسلم من حديث جابر . ومعلوم أنهم إنما يأخذونها ليقتدوا [ ص: 512 ] به فيها ، ويهتدوا بهديه ، ويستنوا بسنته ، فلو كانت تلك الحجة خارجة عن القياس ، ومختصة بأولئك الركب ، لم يجز أن يقال : " خذوا عني مناسككم " [ بل خذوا مناسككم ] إلا في التحلل أو نحو ذلك .

الوجه الخامس : أن أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أفتوا بالفسخ بعده ، ولو كان مختصا بذلك الركب لم يخف ذلك عليهم ، وقد تقدم ذكر ذلك عن أبي موسى الأشعري وابن عباس .

الوجه السادس : أنه لا موجب لاختصاصهم بها ؛ وذلك لأنه إن كان المقصود بيان جواز الاعتمار في أشهر الحج ، فقد بين هذا باعتماره في ذي القعدة هو وأصحابه عمرة الحديبية ، وعمرة القضية ، وعمرة الجعرانة ، فهو لم يعتمر قط إلا في أشهر الحج . وإن كان المقصود بيان العمرة قبل الحج في أشهره فهذا حصل بقوله عند الميقات ، وبفعل بعض أصحابه وهم الذين أحرموا من الميقات بعمرة مثل عائشة ، ونحوها ، فإنه قد قال لهم عند الميقات : " من شاء أن يهل بعمرة فليفعل ، ومن شاء أن يهل بحجة فليفعل ، ومن شاء أن يهل بعمرة وحجة فليفعل " . فأي بيان لجواز العمرة قبل الحج أبين من هذا ، وقد أحرم كثير منهم بالعمرة قبل الحج بإذنه ؟

وأيضا : فإنه - صلى الله عليه وسلم - إما أن يكون قد عزم على أمرهم بالتمتع قبل الإحرام ، أو في أثناء الطريق ، فإن كان قد عزم عليه أولا فلأي شيء لم يأمرهم أن يحرموا كلهم بالعمرة ، ويترك هو سوق الهدي كما قد أسف عليه ، ويريحهم [ ص: 513 ] من مؤنة الفسخ الذي هو على خلاف ظاهر القرآن على زعم من يقول ذلك ؟ وإن كان عزم عليه في أثناء الطرق فلا بد أن يكون قد بدا له ما لم يكن قد بدا له قبل ذلك ، وهو لم يبد له بيان جواز الاعتمار قبل ذلك ، فإنه قد بين ذلك قبل هذا ، فعلم أن الذي بدا له : جواز الإحلال من هذا الإحرام بعمرة ، وأن يكونوا كلهم متمتعين ، وأن الفضل في ذلك .

قال طاوس : " خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ينتظر القضاء في حجته ، فلما قدم طاف بالبيت وبين الصفا والمروة ، فنزل عليه القضاء ، فأمر من لم يكن معه هدي أن يحل ، قال : فدخلت العمرة في الحج " وفي لفظ : " أحرم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ينتظر أمر ربه ، فلما كان بمكة أمر بالأمر " رواه سعيد . ومعناه أنه ينتظر هل يتمون ما أحرموا به أو يغيرونه ؛ لأنه قد صح بالروايات المستفيضة [ ص: 514 ] أنهم أحرموا إما بعمرة ، أو بحج ، أو بعمرة وحج .

وأيضا : فلو كان المقصود بيان جواز العمرة في أشهر الحج لبين ذلك بالكلام ، كما بين لهم كثيرا من الأحكام .

الوجه السابع : لو كان الفسخ خارجا عن مقتضى الكتاب وهو مختص بهم لم يفرق الحال بين من ساق الهدي ، ومن لم يسقه ، حتى ينشأ من ذلك ترددهم وتأسفه على سوق الهدي ، وموافقتهم . وقد بين أن سائق الهدي لا يجوز له الفسخ ؛ امتثالا لقوله : " ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدي محله " فهلا أمر الجميع بالإتمام امتثالا لقوله : " وأتموا الحج والعمرة لله " أيضا ، أو جوز تخصيص ذلك الركب من حكم هاتين الآيتين لقصد بيان جواز العمرة قبل الحج في أشهره ، فإن دلالة الآيتين على الحكم عند من يخالف في ذلك سواء . فلما أمر بالفسخ من لم يسق الهدي دون من ساق ، وبين أن السوق يمنع الفسخ - علم قطعا أن الفسخ في نفسه أمر جائز مستحب ، وأن لا مانع منه غير سوق الهدي . وهذا واضح لمن أنصف .

الوجه الثامن : أن الله أمر نبيه بإتمام الحج والعمرة لله قبل حجة الوداع بأربع سنين ، فلا يخلو إما أن يكون الفسخ تركا لإتمام الحج لله ، فلا يكون أولئك الصحابة مخاطبين بهذه الآية ، ولا داخلين في حكمها ، وهم المواجهون بالخطاب ، المقصودون به قبل الناس كلهم ، ثم كيف يجوز لمسلم أن يعتقد أنهم لم يتموا الحج لله ؟ ! وإن لم يكن الفاسخ تاركا لإتمام الحج لله ، بل هو متم له كما أمر الله ، فلا فرق في هذا بين ناس ، وناس .

الوجه التاسع : أن الله قد أرخص لهم في المتعة بقوله : " فمن تمتع بالعمرة إلى الحج " وقد نزل ذلك في سنة ست ، وقد أحرم منهم نفر بالعمرة كما [ ص: 515 ] في حديث جابر وعائشة ، فكيف يقال : أن المسلمين كانوا لا يرون الاعتمار في أشهر الحج ؟ ! نعم كان المشركون يرون ذلك ، والمسلمون قد بين الله لهم في كتابه ، وعلى لسان نبيه قبل حجة الوداع جواز الاعتمار في أشهر الحج ، سواء حج في ذلك العام ، أو لم يحج ، وقد فعلوا ذلك . فعلم أن توقفهم وترددهم إنما كان في فسخ الحج إلى العمرة والإحلال من الإحرام لفضل التمتع لا لبيان جوازه .

العاشر : أن . . .

التالي السابق


الخدمات العلمية