الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
وأما إذا ساق الهدي ففيه روايتان :

إحداهما : القران أفضل ، قال - في رواية المروذي - إن ساق الهدي [ ص: 441 ] فالقران أفضل ، وإن لم يسق فالتمتع نقلها أبو حفص .

والثانية : التمتع أفضل بكل حال ، وقد صرح بذلك في رواية حرب قال : سمعت أبا عبد الله يقول : أنا أختار في الحج التمتع قال : وقال ابن عباس هي واجبة ، قال : وسألته مرة أخرى ما تختار في الحج ؟ قال : أنا أختار التمتع يدخل مكة بعمرة ويطوف بالبيت ، وبين الصفا والمروة ، ويحل إن لم يكن معه هدي ، فإذا كان يوم التروية أهل بالحج من المسجد ، وإن كان ساق الهدي طاف بالبيت وبين الصفا والمروة [ لعمرته ثم قام على إحرامه ] فإذا كان يوم التروية أهل بالحج هذا مذهبه ؛ وذلك لما اعتمده أحمد وبنى مذهبه عليه وهو أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما أحرم هو وأصحابه من ذي الحليفة قال : " من شاء أن يهل بحج ، ومن شاء أن يهل بعمرة ، ومن شاء أن يهل بعمرة وحج " فلما قدموا مكة : أمرهم كلهم أن يحلوا من إحرامهم إذا طافوا بالبيت وبالصفا والمروة ، ويجعلوها عمرة ، ويتمتعوا بالعمرة إلى الحج إلا من ساق الهدي فإن سوق الهدي يمنعه من التحلل .

وكان دخولهم مكة يوم الأحد رابع ذي الحجة ، فلما كان يوم التروية أمرهم [ ص: 442 ] أن يهلوا بالحج ، فحج المسلمون كلهم مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بأمره متمتعين حجة الوداع التي هي أكمل بها الدين وأتم بها النعمة ، وقد كرهوا ذلك ، والنبي - صلى الله عليه وسلم - يأمرهم بالمتعة ، ويغضب على من لم يفعلها ويقول : " لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما سقت الهدي ، ولولا الهدي لأحللت " لعلمه بفضل الإحلال ، فثبت بذلك أن المتعة أفضل من حجة مفردة ، ومن القران بين العمرة والحج من وجوه :

أحدها : أنها آخر الأمرين من النبي - صلى الله عليه وسلم - فإنه أمرهم بها عينا بعد أن خيرهم عند الميقات بينها وبين غيرها ، فعلم أنه لم يكن يعلم أولا فضل المتعة حتى أمره الله بها وحضه عليها ، فأمر أصحابه بها وحضهم عليها ، ولو كان - صلى الله عليه وسلم - يعلم أولا من فضل المتعة ما علمه بعد قدومه مكة لكان قد أمرهم بالإهلال بها من الميقات ، ولم يخيرهم بينها وبين غيرها ليستريح من كراهتهم لفسخ الحج ومشقته عليهم ، فإنه ما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثما ،

[ ولهذا قال : " ما استدبرت لما سقت الهدي ولجعلتها عمرة " ] .

[ ص: 443 ] الثاني : أن المسلمين حجوا معه متمتعين جميعهم إلا من ساق الهدي وكانوا قليلا ، وذلك بأمره ، وأمره أبلغ في الإيجاب والاستحباب من فعله لو كان الفعل معارضا له : ( وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ) ولا ينبغي لمؤمن أن يختار لنفسه غير ما اختاره الله ورسوله .

الثالث : أن هذه الحجة حجة الوداع لم يحج النبي - صلى الله عليه وسلم - بالمسلمين قبلها ولا بعدها ، وفيها أكمل الله الدين ، وأتم النعمة ، وأحييت مشاعر إبراهيم ، وأميت أمر الجاهلية ، فلم يكن الله تعالى يختار لرسوله ، وللمؤمنين من السبل إلا أقومها ، ومن الأعمال إلا أفضلها ، وقد اختار الله لهم المتعة .

وهذه الجملة التي ذكرناها من حجة النبي - صلى الله عليه وسلم - وأمره المسلمين بالمتعة : مما أجمع عليه علماء الأثر ، واستفاض بين أهل العلم ، واشتهر حتى لعله قد تواتر عندهم ، ونحن نذكر من الأخبار بعض ما يبين ذلك :

[ ص: 444 ] فروى الزهري عن سالم عن أبيه قال : " تمتع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في حجة الوداع بالعمرة إلى الحج ، وأهدى فساق معه الهدي من ذي الحليفة ، وبدأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأهل بالعمرة ، ثم أهل بالحج وتمتع الناس مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالعمرة إلى الحج ، فكان من الناس من أهدى ومنهم من لم يهد ، فلما قدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مكة قال للناس : " من كان أهدى فإنه لا يحل من شيء حرم منه حتى يقضي حجه ، ومن لم يكن منكم أهدى فليطف بالبيت وبالصفا والمروة ، وليقصر وليحلل وليهد ، فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع أهله " .

وطاف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين قدم مكة ، فاستلم الركن أول شيء ثم خب ثلاثة أطواف من السبع ، ومشى أربعة أطواف ثم ركع حين قضى طوافه بالبيت عند المقام ركعتين ، ثم سلم فانصرف ، فأتى الصفا ، فطاف بالصفا والمروة سبعة أطواف ، ثم لم يحلل من شيء حرم منه حتى قضى حجه ونحر هديه يوم النحر ، وأفاض فطاف بالبيت ثم حل من كل شيء حرم منه وفعل مثل ما فعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من أهدى فساق الهدي من الناس
.

وعن الزهري عن عروة عن عائشة زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - " أنها أخبرته عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في تمتعه بالعمرة إلى الحج وتمتع الناس معه بمثل الذي أخبرني سالم عن ابن عمر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - " . متفق عليه .

[ ص: 445 ] وعن سالم أنه سمع رجلا - من أهل الشام - وهو يسأل عبد الله بن عمر عن التمتع بالعمرة إلى الحج فقال عبد الله بن عمر : " هي حلال ، قال الشامي : إن أباك قد نهى عنها ؟ فقال عبد الله بن عمر : أرأيت إن كان أبي نهى عنها وصنعها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أأمر أبي نتبع أم أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ؟ فقال الرجل : بل أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - . فقال : لقد صنعها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " رواه الترمذي ، وروى النسائي عنه : " العمرة في أشهر الحج تامة قد عمل بها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأنزلها الله تعالى في كتابه " .

وعن نافع عن ابن عمر : " أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لبد رأسه وأهدى فلما قدم مكة أمر نساءه أن يحللن ، قلن ما لك أنت لا تحل ؟ قال : " إني قلدت هديي ولبدت رأسي ، فلا أحل حتى أحل من حجتي وأحلق رأسي " رواه أحمد .

[ ص: 446 ] وعن حميد الطويل عن بكر بن عبد الله عن عبد الله بن عمر قال : ( قدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مكة وأصحابه مهلين بالحج ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : من شاء أن يجعلها عمرة إلا من كان معه الهدي ، قالوا : يا رسول الله أيروح أحدنا إلى منى وذكره يقطر منيا ؟ ! قال : نعم ، وسطعت المجامر ، وقدم علي بن أبي طالب من اليمن فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : بم أهللت ؟ قال : بما أهل به النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال : فإن لك معنا هديا ، قال حميد : فحدثت به طاوسا فقال : هكذا فعل القوم ) وفي رواية : " اجعلها عمرة " .

وفي رواية ( خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولبى بالحج ولبينا معه ، فلما قدم أمر من لم يكن معه الهدي أن يجعلوها عمرة " رواه أحمد بإسناد صحيح [ ص: 447 ] وبعضه في الصحيحين .

وذكر ابن الجوزي أنه في الصحيحين ، وأظنه وهما .

وعن الأسود عن عائشة قالت : " خرجنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا نرى إلا أنه الحج ، فلما قدمنا تطوفنا بالبيت ، فأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من لم يكن ساق الهدي أن يحل ، قالت : فحل من لم يكن ساق الهدي ، ونساؤه لم يسقن فأحللن ، قالت عائشة : فحضت فلم أطف بالبيت ، فلما كانت ليلة الحصبة قالت : قلت : يا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، يرجع الناس بعمرة وحجة وأرجع أنا بحجة ، قال : أوما كنت طفت ليالي قدمنا مكة ، قالت : قلت : لا ، قال : فاذهبي مع أخيك إلى التنعيم فأهلي بعمرة ثم موعدك مكان كذا وكذا ، قالت صفية : [ ص: 448 ] ما أراني إلا حابستكم ، قال : عقرى حلقى ، أوما كنت طفت يوم النحر ، قالت : بلى ، قال : لا بأس عليك انفري ، قالت عائشة : فلقيني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو مصعد من مكة وأنا منهبطة عليها ، أو أنا مصعدة وهو منهبط منها " .

وفي رواية الأعمش عن إبراهيم عن الأسود : " خرجنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نلبي لا نذكر حجا ولا عمرة " وساق الحديث بمعناه .

وعن يحيى بن سعيد عن عمرة عن عائشة قالت : " خرجنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لخمس بقين من ذي القعدة ، ولا نرى إلا أنه الحج فلما كنا [ ص: 449 ] بسرف حضت حتى إذا دنونا من مكة أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من لم يكن معه هدي إذا طاف بالبيت وبين الصفا والمروة أن يحل ، قالت عائشة : فدخل علينا يوم النحر بلحم بقر ، فقلت : ما هذا ، فقال : ذبح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن أزواجه، قال يحيى : فذكرت هذا الحديث للقاسم بن محمد ، فقال : أتتك والله بالحديث على وجهه " .

وعن عبد الرحمن بن القاسم ، عن أبيه ، عن عائشة أنها قالت : " خرجنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا نذكر إلا الحج ، حتى جئنا سرف فطمثت ، فدخل علي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأنا أبكي ، فقال : ما يبكيك ؟ [ فقلت : والله لوددت أني لم أكن خرجت العام ، فقال : ما لك ؟ ] لعلك نفست ، قلت : نعم ، قال : هذا شيء كتبه الله على بنات آدم ، افعلي ما يفعل الحاج غير ألا تطوفي بالبيت حتى [ ص: 450 ] تطهري ، قالت : فلما قدمت مكة قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأصحابه : اجعلوها عمرة ، فأحل الناس إلا من كان معه هدي ، قالت : فكان الهدي مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر وعمر ، وذي اليسارة ، ثم أهلوا حين راحوا ، قالت : فلما كان يوم النحر طهرت ، فأمرني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأفضت ، قالت : فأتينا بلحم بقر فقلت : ما هذا ؟ فقالوا : أهدى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن نسائه البقر ، فلما كانت ليلة الحصبة قلت : يا رسول الله ، أيرجع الناس بحجة وعمرة ، وأرجع بحجة ؟ قالت : فأمر عبد الرحمن بن أبي بكر فأردفني على جمله ، قالت : فإني لا أذكر وأنا حديثة السن أنعس فتصيب وجهي مؤخرة الرحل ، حتى جئنا إلى التنعيم فأهللت منها بعمرة جزاء بعمر الناس التي اعتمروا " .

وعن أفلح بن حميد ، عن القاسم ، عن عائشة - رضي الله عنها - قالت : " خرجنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في أشهر الحج ، وليالي الحج ، وحرم الحج فنزلنا بسرف ، قالت : فخرج إلى أصحابه فقال : من لم يكن منكم معه هدي فأحب أن يجعلها عمرة فليفعل ، ومن كان معه الهدي فلا ، قالت : فالآخذ بها [ ص: 451 ] والتارك لها من أصحابه ، قالت : فأما رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ورجال من أصحابه ، فكانوا أهل قوة وكان معهم الهدي ، فلم يقدروا على العمرة ، قالت : فدخل علي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأنا أبكي ، فقال : ما يبكيك يا هنتاه ؟ قلت : سمعت قولك لأصحابك فمنعت العمرة ، قال : وما شأنك ؟ قلت : لا أصلي ، قال : فلا يضرك ، إنما أنت امرأة من بنات آدم كتب الله عليك ما كتب عليهن ، فكوني في حجتك ، فعسى الله أن يرزقكيها ، قالت : فخرجنا في حجته ، وفي لفظ : " فخرجت في حجتي " حتى قدمنا منى فطهرت ، ثم خرجت من منى فأفضت بالبيت ، قالت : ثم خرجت معه في النفر الآخر حتى نزل المحصب ونزلنا معه ، فدعا عبد الرحمن بن أبي بكر ، فقال : اخرج بأختك من الحرم فلتهل بعمرة ، ثم افرغا ، ثم ائتيا ها هنا ، فإني أنتظركما حتى تأتياني ، قالت : فخرجنا حتى إذا فرغت ، وفرغت من الطواف ثم جئته بسحر ، فقال : هل فرغتم ؟ فقلت : نعم ، قالت : فآذن بالرحيل في أصحابه ، فارتحل الناس فمر متوجها إلى المدينة ، وفي لفظ : " فأذن في أصحابه بالرحيل ، فخرج فمر بالبيت ، فطاف به قبل [ ص: 452 ] صلاة الصبح ، ثم خرج إلى المدينة " . متفق على هذه الأحاديث كلها .

وعن ذكوان عن عائشة قالت : " قدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأربع مضين من ذي الحجة أو خمس ، فدخل علي وهو غضبان ، فقلت : من أغضبك أدخله الله النار ، قال : أوما شعرت أني أمرت الناس بأمر فإذا هم يترددون ، فلو أني استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي معي حتى أشتريه ثم أحل كما حلوا " رواه مسلم .

وعن الزهري ، عن عروة ، عن عائشة قالت : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي ، ولحللت مع الناس حين حلوا " رواه البخاري . فهذا الحديث مبين أن الصحابة حلوا إلا من ساق الهدي . وأن النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه صدروا عن مكة ليلة الحصبة ، وهي الليلة التي تلي ليالي منى ، ولم يقيموا بمكة بعد ليالي منى شيئا ، وأنه لم يعتمر بعد الحج أحد ممن كان مع النبي - صلى الله عليه وسلم - إلا عائشة وحدها ، حتى أخوها عبد الرحمن الذي كان معها لم يعتمر من التنعيم ؛ لأنهم كانوا قد اعتمروا قبل الحج .

[ ص: 453 ] وقولها : " لا نرى إلا أنه الحج " ؛ تعني : من كان أحرم بالحج ، أو قرن بينهما ، وربما كانوا أكثر الوفد . ترى أنهم يقيمون على حجهم ولا يتحللون منه قبل الوقوف ؛ لأنها قالت : فلما قدمنا تطوفنا بالبيت ، وهي لم تتطوف ، فكانت الكناية عن الحاج في الجملة .

وقولها : لا نذكر حجا ولا عمرة : تعني في التلبية ؛ لأنها قد بينت في رواية أخرى أن منهم من أهل بالحج ، ومنهم من أهل بالعمرة ، ومنهم من قرن بينهما ، وأنها كانت هي متمتعة ، وقولها : فالآخذ بها والتارك لها من الصحابة ، هذا كان بسرف قبل أن يقدموا مكة ؛ لأنه كان إذنا ولم يكن أمرا ، فلما قدموا جزم النبي - صلى الله عليه وسلم - بالأمر ، وتردد بعض الناس ، فغضب النبي - صلى الله عليه وسلم - على من تردد ، فأطاعوا الله ورسوله وتمتعوا ، وتوجع النبي - صلى الله عليه وسلم - على كونه لم يمكنه موافقتهم في الإحلال من أجل هديه ، وبين ذلك ما روى عبد الله بن عمر عن القاسم عن عائشة قالت : " منا من أهل بالحج مفردا ، ومنا من قرن ، ومنا من تمتع " رواه البخاري .

[ ص: 454 ] وروى الزهري ، عن عائشة قالت : " خرجنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في حجة الوداع ، فمنا من أهل بعمرة ، ومنا من أهل بحج ، فقدمنا مكة ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " من أحرم بعمرة ولم يهد فليحلل ، ومن أحرم بعمرة فأهدى فلا يحل حتى يحل بنحر هديه ، ومن أهل بحج فليتم حجه ، قالت : فحضت ، فلم أزل حائضا حتى كان يوم عرفة ولم أهلل إلا بعمرة ، فأمرني النبي - صلى الله عليه وسلم - أن أنقض رأسي ، وأمتشط ، وأهل بالحج ، وأترك العمرة ، ففعلت ذلك [ ص: 455 ] حتى قضيت حجتي ، فبعث معي عبد الرحمن بن أبي بكر ، فأمرني أن أعتمر مكان عمرتي من التنعيم " ، وفي رواية عنها قالت : " خرجنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : من أراد منكم أن يهل بحج وعمرة فليفعل ، ومن أراد أن يهل بحج فليهل ، ومن أراد أن يهل بعمرة فليهل ، قالت عائشة : وأهل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالحج ، وأهل به ناس معه ، وأهل معه ناس بالعمرة والحج ، وأهل ناس بعمرة ، وكنت فيمن أهل بعمرة " .

وعن أبي الأسود ، عن عروة ، عن عائشة - رضي الله عنها - أنها قالت : " خرجنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عام حجة الوداع ، فمنا من أهل بعمرة ، ومنا من أهل بحج ، وأهل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالحج ، فأما من أهل بعمرة فحل ، وأما من أهل بالحج أو جمع الحج والعمرة فلم يحلوا حتى كان يوم النحر " .

وعن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة - قالت : " خرجنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - موافين لهلال ذي الحجة ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " من أحب [ ص: 456 ] أن يهل بعمرة فليهل ، ومن أحب أن يهل بحجة فليهل ، ولولا أني أهديت لأهللت بعمرة . فمنهم من أهل بعمرة ، ومنهم من أهل بحجة ، فكنت فيمن أهل بعمرة ، فحضت قبل أن أدخل مكة ، فأدركت يوم عرفة وأنا حائض ، فشكوت ذلك إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : دعي عمرتك ، وانقضي رأسك ، وامتشطي ، وأهلي بالحج . ففعلت ، فلما كانت ليلة الحصبة أرسل معي عبد الرحمن إلى التنعيم ، فأردفها ، فأهلت بعمرة مكان عمرتها . قال هشام : فقضى الله حجها وعمرتها ، ولم يكن في شيء من ذلك هدي ولا صدقة ، ولا صوم " . متفق [ ص: 457 ] على هذه الأحاديث ، وليس في رواية عروة هذه ذكر الفسخ ؛ ولهذا كان ينكره حتى جرى بينه وبين ابن عباس فيه ما جرى . فأما قوله : " ومن أهل بالحج فليتم حجه " : فيتحمل شيئين :

أحدهما : من استمر إهلاله بالحج ، ولم يحوله إلى عمرة ، فإنه لا يتحلل منه ، وكان هذا في حق من ساق الهدي ممن أحرم بالحج ، وكذلك قوله في الحديث : " وأما من أهل بالحج أو جمع الحج والعمرة ، فلم يحلوا حتى كان يوم النحر " . إن لم يكن هذا من قول عروة وكان من قول عائشة ، فإن معناه : من دام إهلاله بالحج ، أو بالحج والعمرة واستمروا : هم الذين لم يحلوا لأجل سوق الهدي ؛ لأنها قد أخبرت في غير موضع أنهم كانوا لا يرون إلا الحج ، وأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمر من لم يسق الهدي إذا طاف بالبيت وبين الصفا والمروة أن يحل ، أو أن هذا كان قبل أن يأذن لهم في الفسخ قبل أن يدنوا من مكة في أوائل الإحرام .. . .

وأما قولها : خرجنا موافين لهلال ذي الحجة .. . .

[ ص: 458 ] وعن أبي عمران أسلم قال : " حججت مع موالي ، فدخلت على أم سلمة زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - فقلت : أعتمر قبل أن أحج ؟ قالت : إن شئت فاعتمر قبل أن تحج ، وإن شئت فبعد أن تحج ، قال : فقلت : إنهم يقولون : من كان ضرورة فلا يصلح أن يعتمر قبل أن يحج ، قال : فسألت أمهات المؤمنين فقلن مثل ما قالت ، فرجعت إليها ، فأخبرتها بقولهن ، قال : فقالت : نعم وأشفيك ، سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : أهلوا يا آل محمد بعمرة في حج " رواه أحمد .

وعن طاوس عن ابن عباس قال : " كانوا يرون أن العمرة في أشهر الحج أفجر الفجور في الأرض ، ويجعلون المحرم صفر ، ويقولون : إذا برأ الدبر ، وعفا [ ص: 459 ] الأثر ، وانسلخ صفر ، حلت العمرة لمن اعتمر ، قدم النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه صبيحة رابعة مهلين بالحج ، فأمرهم أن يجعلوها عمرة ، فتعاظم ذلك عندهم ، فقالوا : يا رسول الله ، أي الحل ؟ ، قال : حل كله " [ متفق عليه ، وهذا لفظ البخاري ، ولفظ مسلم : من أفجر الفجور ، وقال : الحل كله ] .

قال سفيان بن عيينة : كان عمرو يقول : " إن هذا الحديث له شأن " . رواه البخاري .

وعن طاوس عن ابن عباس قال : " تمتع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى مات ، وأبو بكر حتى مات ، وعمر حتى مات ، وعثمان حتى مات ، وكان أول من نهى عنها معاوية ، قال ابن عباس : فعجبت منه ، وقد حدثني أنه قصر عن رسول [ ص: 460 ] الله - صلى الله عليه وسلم - بمشقص " رواه أحمد - وهذا لفظه - والترمذي وقال : حديث حسن ، وفيه ليث بن أبي سليم .

وعن أبي العالية البراء ، عن ابن عباس قال : " قدم النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه لصبح رابعة يلبون بالحج ، فأمرهم أن يجعلوها عمرة إلا من معه هدي " . متفق عليه ، وهذا لفظ البخاري ، ولفظ مسلم : " لأربع خلون من العشر وهم يلبون بالحج ، فأمرهم أن يجعلوها عمرة " وفي لفظ : " صلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الصبح بذي طوى ، وقدم لأربع مضين من ذي الحجة ، وأمر أصحابه أن يحلوا إحرامهم بعمرة إلا من كان معه الهدي " وفي لفظ له : " أهل رسول الله [ ص: 461 ] - صلى الله عليه وسلم - بالحج ، فقدم لأربع مضين من ذي الحجة ، فصلى الصبح ، وقال حين صلى الصبح : من شاء أن يجعلها عمرة فليجعلها عمرة " وفي لفظ : " فصلى الصبح بالبطحاء " .

وعن مجاهد عن ابن عباس قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " هذه عمرة استمتعنا بها ، فمن لم يكن عنده هدي فليحلل الحل كله ، فإن العمرة قد دخلت في الحج إلى يوم القيامة " . رواه أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي .

وعن مجاهد عن ابن عباس قال : " أهل النبي - صلى الله عليه وسلم - بالحج ، فلما قدم طاف بالبيت وبين الصفا والمروة ، ولم يقصر ولم يحل من أجل الهدي ، وأمر من لم يكن ساق الهدي أن يطوف وأن يسعى ويقصر ، أو يحلق ثم يحل " رواه أبو داود ، وفيه يزيد بن أبي زياد .

وعن . . . ابن عباس قال : " قدمنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حجاجا فأمرهم فجعلوها عمرة ، ثم قال : لو استقبلت من أمري ما استدبرت لفعلت كما فعلوا ، لكن دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة ، ثم أنشب أصابعه [ ص: 462 ] بعضها في بعض ، فحل الناس إلا من كان معه الهدي ، وقدم علي - عليه السلام - من اليمن ، فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : بم أهللت ؟ قال : أهللت بما أهللت به ، قال : فهل معك هدي ؟ قال : لا ، قال : فأقم كما أنت ولك ثلث هديي ، قال : وكان مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مائة بدنة " رواه أحمد .

وعن النهاس ، عن عطاء ، عن ابن عباس ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " إذا أهل الرجل بالحج ، ثم قدم مكة ، فطاف بالبيت وبالصفا والمروة ، فقد حل ، وهي عمرة " رواه أبو داود ، ورواه أحمد وغيره ، عن ابن جريج ، عن عطاء ، عن ابن عباس موقوفا ، وهو أشبه .

وعن عكرمة ، عن ابن عباس : أنه سئل عن متعة الحج ، فقال : " أهل المهاجرون والأنصار ، وأزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - في حجة الوداع وأهللنا ، فلما قدمنا مكة قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : اجعلوا إهلالكم بالحج عمرة إلا من [ ص: 463 ] قلد الهدي ، فطفنا بالبيت وبالصفا والمروة ، وأتينا النساء ، ولبسنا الثياب ، وقال : من قلد الهدي فإنه لا يحل له حتى يبلغ الهدي محله ، ثم أمرنا عشية التروية أن نهل بالحج ، فإذا فرغنا من المناسك جئنا فطفنا بالبيت وبالصفا والمروة فقد تم حجنا وعلينا الهدي ، كما قال الله تعالى : " فما استيسر من الهدي فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم " إلى أمصاركم الشاة تجزئ ، فجمعوا نسكين في عام بين الحج والعمرة ، فإن الله تعالى أنزله في كتابه وسنة نبيه - صلى الله عليه وسلم - وأباحه للناس غير أهل مكة ، قال الله تعالى : " ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام " وأشهر الحج التي ذكر الله تعالى : شوال ، وذو القعدة ، وذو الحجة ، فمن تمتع في هذه الأشهر فعليه دم أو صوم . . والرفث : الجماع ، والفسوق : المعاصي ، والجدال : المراء " رواه البخاري .

وعن أبي جمرة قال : " تمتعت فنهاني ناس ، فسألت ابن عباس ، فأمرني فرأيت في المنام كأن رجلا يقول لي : حج مبرور وعمرة متقبلة ، فأخبرت ابن . . [ ص: 464 ] رواه أحمد ومسلم ، وروى أبو داود أوله .

وعن مسلم أيضا - قال : " سألت ابن عباس عن متعة الحج فرخص فيها ، وكان ابن الزبير ينهى عنها ، فقال : هذه أم ابن الزبير تحدث أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رخص فيها ، فادخلوا عليها ، فاسألوها ، قال : فدخلنا عليها فإذا هي امرأة ضخمة عمياء ، فقالت : قد رخص رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيها " رواه مسلم .

وعن صفية بنت شيبة عن أسماء قالت : " خرجنا محرمين ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : من كان معه هدي فليقم على إحرامه ، ومن لم يكن معه هدي فليحلل ، فلم يكن معي هدي ، فحللت ، وكان مع الزبير هدي فلم يحل ، قالت : فلبست ثيابي ، ثم خرجت إلى الزبير ، فقال : قومي عني ، فقلت : أتخشى أن أثبت عليك " ، وفي رواية : " قدمنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مهلين بالحج " [ ص: 465 ] رواه مسلم .

وعن مجاهد عن جابر بن عبد الله - رضي الله عنهما - قال : " قدمنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ونحن نقول : لبيك اللهم لبيك بالحج ، فأمرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فجعلناها عمرة " . رواه البخاري .

وعن جابر بن عبد الله قال : " أهللنا بالحج مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلما قدمنا مكة أمرنا أن نحل ونجعلها عمرة ، فكبر ذلك علينا ، وضاقت به صدورنا ، فقال : يا أيها الناس ، أحلوا ، فلولا الهدي الذي معي لفعلت كما فعلتم ، قال : فأحللنا حتى وطئنا النساء ، وفعلنا ما يفعل الحلال ، حتى إذا كان يوم التروية وجعلنا مكة بظهر ، أهللنا بالحج [ قال : أهل النبي - صلى الله عليه وسلم - هو وأصحابه بالحج ] ، وليس مع أحد منهم هدي غير رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وطلحة ، وقدم علي من اليمن ومعه هدي ، فقال : أهللت بما أهل به النبي - صلى الله عليه وسلم - فأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - أصحابه أن يجعلوها عمرة ، ويطوفوا ، ويقصروا ، ويحلوا ، إلا من كان معه الهدي قالوا : ننطلق إلى منى وذكر أحدنا يقطر ، فبلغ ذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال : لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما أهديت ، ولولا أن معي الهدي لأحللت ، وحاضت عائشة ، فنسكت المناسك كلها غير أنها لم تطف بالبيت ، فلما طهرت طافت بالبيت ، قالت : يا رسول الله تنطلقون بحجة وعمرة ، وأنطلق بحج ، فأمر عبد الرحمن بن أبي بكر أن يخرج معها إلى التنعيم ، [ ص: 466 ] فاعتمرت بعد الحج في ذي الحجة ، وأن سراقة بن مالك بن جعشم لقي النبي - صلى الله عليه وسلم - بالعقبة وهو يرميها ، فقال : ألكم هذه خاصة يا رسول الله ، قال : لا ، بل للأبد " ، وفي رواية عن ابن شهاب قال : " قدمت مكة متمتعا بعمرة ، فدخلنا قبل التروية بثلاثة أيام ، فقال لي ناس من أهل مكة : تصير الأن حجتك حجة مكية ، فدخلت على عطاء أستفتيه فقال : حدثني جابر بن عبد الله - رضي الله عنهما - : " أنه حج مع النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم ساق البدن معه ، وقد أهلوا بالحج مفردا ، فقال لهم : أحلوا من إحرامكم بطواف بالبيت ، وبين الصفا والمروة ، وقصروا ثم أقيموا حلالا ، حتى إذا كان يوم التروية فأهلوا بالحج واجعلوا التي قدمتم بها متعة ، فقالوا : كيف نجعلها متعة ، وقد سمينا الحج ؟ فقال : افعلوا ما أمرتكم ، فلولا أني سقت الهدي لفعلت مثل الذي أمرتكم ، ولكن لا يحل مني حرام حتى يبلغ الهدي محله ، ففعلوا " متفق عليه . وهذان .... البخاري .

[ ص: 467 ] ....عباس ، فقال : سنة النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال لي : أقم عندي فأجعل لك سهما من مالي ، فقال شعبة : فقلت : لم ؟ فقال : للرؤيا التي رأيت " ، وفي لفظ : " سألت ابن عباس عن المتعة ، فأمرني بها ، وسألته عن الهدي ، فقال : فيها جزور ، أو بقرة ، أو شرك في دم ، قال : وكأن ناسا كرهوها ، فنمت ، فرأيت في المنام كأن المنادي ينادي ، حج مبرور ومتعة متقبلة ، فأتيت ابن عباس فحدثته ، فقال : الله أكبر ، سنة أبي القاسم - صلى الله عليه وسلم - " . متفق عليه .

وعن مسلم القري سمع ابن عباس يقول : " أهل النبي - صلى الله عليه وسلم - بعمرة ، وأهل أصحابه بحج ، فلم يحل النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا من ساق الهدي من أصحابه وحل بقيتهم ، وكان طلحة بن عبيد الله فيمن ساق الهدي فلم يحل ، [ ص: 468 ] ولمسلم ، فقلنا : " لما لم يكن بيننا وبين عرفة إلا خمس أمرنا أن نفضي إلى نسائنا ، فنأتي عرفة تقطر مذاكيرنا المني ، قال جابر بيده : كأني أنظر إلى قوله بيده يحركها ، قال : فقام النبي - صلى الله عليه وسلم - فينا ، فقال : قد علمتم أني أتقاكم لله ، وأصدقكم وأبركم ، ولولا هديي لحللت كما تحلون ، ولو استقبلت من أمري ما استدبرت لم أسق الهدي ، فحلوا ، فحللنا ، وسمعنا وأطعنا " ولمسلم قال : " أمرنا النبي - صلى الله عليه وسلم - لما أحللنا أن نحرم إذا توجهنا إلى منى ، قال : فأهللنا من الأبطح ، فقال سراقة بن مالك بن جعشم : يا رسول الله لعامنا هذا أم للأبد ؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : لأبد " .

ورواه أبو داود وغيره بإسناد صحيح ، وفيه : " ثم قام سراقة بن مالك [ ص: 469 ] فقال : يا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : أريت متمتعا هذه لعامنا هذا أم للأبد ؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : بل هي أبد " .

وعن أبي جعفر محمد بن علي ، عن جابر في صفة حج النبي - صلى الله عليه وسلم - قال جابر : " لسنا ننوي إلا الحج ، لسنا نعرف العمرة حتى إذا أتينا البيت معه استلم الركن فرمل ثلاثا ، ومشى أربعا ، وذكر طوافه وسعيه ، قال : حتى إذا كان آخر طواف على المروة ، قال : لو أني استقبلت من أمري ما استدبرت لم أسق الهدي ، وجعلتها عمرة [ فمن كان منكم ليس معه هدي فليحل ، وليجعلها عمرة ] فقام سراقة بن جعشم فقال : يا رسول الله ، ألعامنا هذا أم لأبد ؟ فشبك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أصابعه واحدة في الأخرى ، وقال : دخلت العمرة في الحج - مرتين - لا ، بل لأبد أبد ، وقدم علي من اليمن ببدن النبي - صلى الله عليه وسلم - فوجد فاطمة ممن حل ، ولبست ثيابا صبيغا واكتحلت ، فأنكر ذلك عليها ، فقالت : أبي أمرني بهذا ، قال : وكان علي - عليه السلام - يقول بالعراق : [ ص: 470 ] فذهبت إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - محرشا على فاطمة للذي صنعت ، مستفتيا لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيما ذكرت عنه ، فأخبرته أني أنكرت ذلك عليها ، فقال : صدقت ، ماذا قلت حين فرضت الحج ؟ قال : قلت : اللهم إني أهل بما أهل به رسولك ، قال : فإن معي الهدي فلا تحل ، قال : فكان جماعة الهدي الذي قدم به علي من اليمن ، والذي أتى به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مائة ، قال : فحل الناس كلهم وقصروا إلا النبي - صلى الله عليه وسلم - ومن كان معه هدي ، فلما كان يوم التروية توجهوا إلى منى ، فأهلوا بالحج . رواه مسلم وغيره .

ورواه سعيد ، عن عتاب بن بشير ، ثنا خصيف ، عن عطاء ، عن جابر قال : " لما قدمنا مكة سألنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بأي شيء أهللتم ؟ فقال بعضنا : بالحج ، وقال بعضنا : بالعمرة ، وقال بعضنا : بالذي أهللت به يا رسول الله ، فقال : أحلوا أجمعين إلا إنسان معه الهدي قلده ، ولو استقبلت من أمري ما [ ص: 471 ] استدبرت ما سقت الهدي حتى أكون معكم حلالا ، فرأى أن الفضل في الإحلال ، فقال سراقة بن مالك بن جعشم : ألعامنا هذا أم للأبد ؟ قال : لأبد الآبدين " .

وعن أبي نضرة قال : " كان ابن عباس يأمر بالمتعة ، وكان ابن الزبير ينهى عنها ، قال : فذكرت ذلك لجابر بن عبد الله ، فقال : على يدي دار الحديث ، تمتعنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلما قدم عمر قال : إن الله كان يحل لرسوله ما شاء ، وإن القرآن قد نزل منازله ، فأتموا الحج والعمرة لله ، كما أمركم الله ، واتقوا نكاح هذه النساء ، فلن أوتى برجل نكح امرأة إلى أجل إلا رجمته بالحجارة " ، وفي رواية : " وافصلوا حجكم من عمرتكم ، فإنه أتم لحجكم ، وأتم لعمرتكم " . رواه مسلم ، وفي رواية صحيحة لأحمد : قال جابر : " تمتعنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومع أبي بكر ، فلما ولي عمر خطب الناس ، فقال : إن القرآن هو القرآن ، وإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هو الرسول ، وإنها كانتا متعتان على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إحداهما متعة الحج ، والأخرى متعة النساء " .

[ ص: 472 ] وعن سعيد قال : " خرجنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نصرخ بالحج صراخا ، فلما قدمنا مكة أمرنا أن نجعلها عمرة إلا من ساق الهدي ، فلما كان يوم التروية ورحنا إلى منى ، أهللنا بالحج " [ رواه أحمد ومسلم .

وعن البراء بن عازب قال : " خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه ، قال : فأحرمنا بالحج ] فلما قدمنا مكة قال : اجعلوا حجكم عمرة ، قال الناس : قد أحرمنا بالحج كيف نجعلها عمرة قال : انظروا ما آمركم به فافعلوا ، فردوا عليه القول ، فغضب ، ثم انطلق حتى دخل على عائشة ، فرأت الغضب في وجهه فقالت : من أغضبك أغضبه الله ؟ فقال : وما لي لا أغضب ، وأنا آمر بالأمر فلا [ ص: 473 ] أتبع " رواه أحمد : ثنا أبو بكر بن عياش ، ثنا أبو إسحاق ، عن البراء وابن ماجه .

وقال أبو داود : ثنا يحيى بن معين ، ثنا حجاج ، ثنا يونس بن أبي إسحاق ، عن البراء ، قال : " لما قدم علي من اليمن على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : وجدت فاطمة قد لبست ثيابا صبغيا ، وقد نضحت الظهر للبيت [ ص: 474 ] بنضوح ، فقالت : ما لك ! فإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد أمر أصحابه فأحلوا ، قلت لها : إني أهللت بإهلال النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : فأتيت النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال لي : كيف صنعت ؟ قال : قلت : أهللت بإهلال النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : فإني سقت الهدي وقرنت ، قال : فقال لي : انحر من البدن سبعا وستين أو ستا وستين ، وأمسك لنفسك ثلاثا وثلاثين أو أربعا وثلاثين ، وأمسك من كل بدنة منها بضعة " . رواه أبو داود بإسناد صحيح .

وعن أنس بن مالك قال : " صلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ونحن بالمدينة أربعا ، والعصر بذي الحليفة ركعتين ، ثم بات بها حتى أصبح ، ثم ركب حتى إذا استوت به على البيداء حمد الله ، وسبح وكبر ، ثم أهل بحج وعمرة ، وأهل الناس بهما ، فلما قدمنا أمر الناس فحلوا حتى كان يوم التروية أهلوا بالحج ، وقال : ونحر النبي - صلى الله عليه وسلم - بدنات بيده قياما ، وذبح بالمدينة كبشين أملحين " رواه البخاري .

وعن الربيع بن سبرة عن أبيه قال : " خرجنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - [ ص: 475 ] حتى إذا كان بعسفان قال له سراقة بن مالك المدلجي : يا رسول الله ، اقض لنا قضاء قوم كأنما ولدوا اليوم ، فقال : إن الله عز وجل قد أدخل عليكم في حجكم عمرة ، فإذا قدمتم فمن تطوف بالبيت وبين الصفا والمروة فقد حل إلا من كان معه هدي " رواه أبو داود .

وعن سراقة بن مالك بن جعشم قال : " تمتع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وتمتعنا معه ، فقلنا : ألنا خاصة أم للأبد ؟ قال : بل للأبد " رواه أحمد ، والنسائي ، وابن ماجه ، وفي رواية أنه قال للنبي - صلى الله عليه وسلم - : " اقض لنا قضاء قوم كأنما ولدوا اليوم ، ألعامنا أو للأبد ؟ قال : بل للأبد ، دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة " رواه سعيد ، وفي لفظ : " أنه سأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن [ ص: 476 ] العمرة ، فقال : يا رسول الله ، أرأيت عمرتنا هذه لعامنا هذا أم للأبد ؟ قال : بل للأبد ، دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة " . رواه الدارقطني ، وقال : كلهم ثقات .

وعن طارق بن شهاب ، عن أبي موسى قال : " بعثني النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى قومي باليمن ، فجئت وهو بالبطحاء ، فقال : بم أهللت ؟ قلت : أهللت بإهلال النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : هل معك من هدي ؟ قلت : لا ، فأمرني فطفت بالبيت [ ص: 477 ] وبالصفا والمروة ، ثم أمرني فأحللت ، فأتيت امرأة من قومي فمشطتني ، أو غسلت رأسي ، فقدم عمر فقال : إن نأخذ بكتاب الله فإن الله يأمرنا بالتمام ، قال الله تعالى : " وأتموا الحج والعمرة لله " ، وإن نأخذ بسنة النبي - صلى الله عليه وسلم - فإنه لم يحل حتى نحر الهدي " . متفق عليه وهذا لفظ البخاري ، ولفظ مسلم : قدمت على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو منيخ بالبطحاء ، فقال : بم أهللت ؟ قال : قلت : أهللت بإهلال النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : هل سقت من هدي ؟ قلت : لا ، قال : فطف بالبيت وبالصفا والمروة ، [ ثم حل ، قال : فطفت بالبيت وبالصفا والمروة ] ثم أتيت امرأة من قومي فمشطتني ، وغسلت رأسي ، فكنت أفتي الناس بذلك في إمارة أبي بكر وإمارة عمر ، فإني لقائم بالموسم إذ جاءني رجل ، فقال : إنك لا تدري ما أحدث أمير المؤمنين في شأن النسك ، فقلت : أيها الناس ، من كنا أفتيناه بشيء فليتئد ، فهذا أمير المؤمنين قادم عليكم فبه فائتموا ، فلما قدم قلت : يا أمير المؤمنين ، ما هذا الذي أحدث في شأن النسك ؟ فقال : إن نأخذ بكتاب الله فإن الله عز وجل قال : " وأتموا الحج والعمرة لله " وأن نأخذ بسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يحل حتى نحر الهدي " .

وعن إبراهيم بن أبي موسى عن أبيه : " أنه كان يفتي بالمتعة ، فقال رجل : [ ص: 478 ] رويدك ببعض فتياك ، فإنك لا تدري ما أحدث أمير المؤمنين في النسك ، فلقيه بعد فسأله ، فقال عمر : قد علمت أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد فعله وأصحابه ، ولكن كرهت أن يظلوا معرسين بهن في الأراك ، ثم يروحون في الحج تقطر رءوسهم " . رواه أحمد ومسلم ، وفي رواية لأحمد عن أبي بردة ، عن أبي موسى ، أن عمر قال : " هي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم - يعني المتعة - ولكن أخشى أن يعرسوا بهن تحت الأراك ، ثم يروحوا بهن حجاجا " .

[ ص: 479 ] وعن غنيم بن قيس المازني قال : " سألت سعد بن أبي وقاص عن المتعة في الحج ، قال : فعلناها وهذا يومئذ كافر بالعرش - يعني بيوت مكة ، يعني معاوية " رواه مسلم . ويشبه - والله أعلم - أن يكون سعد إنما عنى العمرة في أشهر الحج في الجملة ، وعنى عمرة القضية لأن معاوية كان مسلما في حجة الوداع ولم يكن بمكة يومئذ كافر .

وعن محمد بن عبد الله بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب : " أنه سمع سعد بن أبي وقاص والضحاك بن قيس عام حج معاوية بن أبي سفيان ، [ ص: 480 ] وهما يذكران التمتع بالعمرة إلى الحج ، فقال الضحاك : لا يصنع ذلك إلا من جهل أمر الله ، فقال سعد : بئس ما قلت يا ابن أخي ، قال الضحاك : فإن عمر بن الخطاب نهى عن ذلك ، فقال سعد : قد صنعها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وصنعناها معه " رواه مالك ، والنسائي ، والترمذي وقال : حديث صحيح .

وعن مطرف ، عن عمران بن حصين قال : " نزلت آية المتعة في كتاب الله ، ففعلناها مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولم ينزل قرآن يحرمه ، ولم ينه عنها حتى مات " متفق عليه . ولمسلم : " تمتع النبي - صلى الله عليه وسلم - وتمتعنا معه " ، وله : " نزلت آية المتعة في كتاب الله - يعني متعة الحج - ولم ينه عنها حتى مات " . وفي رواية لأحمد ومسلم عن مطرف قال : قال لي عمران بن [ ص: 481 ] حصين : أحدثك بحديث عسى الله أن ينفعك به : " إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جمع بين حجة وعمرة ، ثم لم ينه عنه حتى مات ، ولم ينزل فيه قرآن يحرمه قال فيها رجل برأيه ما شاء ، وقد كان يسلم علي حتى اكتويت فتركت ، ثم تركت الكي فعاد " . وفي رواية صحيحة لأحمد : " اعلم أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد أعمر طائفة من أهله في العشر ، فلم ينزل آية تنسخ ذلك ، ولم ينه عنه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى مضى لوجهه ارتأى كل امرئ بعد ما شاء أن يرتئي " .

وعن عبد الله بن شقيق : " أن عليا كان يأمر بالمتعة ، وعثمان ينهى عنها ، فقال عثمان كلمة ، فقال علي : لقد علمت أنا تمتعنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال عثمان : أجل ولكنا كنا خائفين " رواه أحمد ومسلم .

وعن علي بن الحسين ، عن مروان بن الحكم قال : " شهدت عثمان وعليا [ ص: 482 ] بين مكة والمدينة وعثمان ينهى عن المتعة وأن يجمع بينهما ، فلما رأى ذلك علي أهل بهما : لبيك بعمرة وحجة ، فقال عثمان : تراني أنهى الناس وأنت تفعله ، قال : ما كنت لأدع سنة النبي - صلى الله عليه وسلم - لقول أحد " رواه أحمد والبخاري ، وفي لفظ : " ولكن سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يلبي بهما جميعا " رواه سعيد في سننه بإسناد صحيح .

وعن سعيد بن المسيب قال : " اختلف علي وعثمان وهما بعسفان في المتعة ، فقال علي : ما تريد إلى أن تنهى عن أمر فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلما رأى ذلك علي أهل بهما جميعا " متفق عليه ، وهذا لفظ البخاري ولمسلم : " اجتمع علي وعثمان بعسفان ، فكان عثمان ينهى عن المتعة أو العمرة ، فقال علي : ما تريد إلى أمر فعله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تنهى عنه . فقال عثمان : دعنا منك ، فقال : إني لا أستطيع أن أدعك ، فلما رأى علي ذلك أهل بهما جميعا " وفي رواية لأحمد عن سعيد قال : " خرج عثمان حاجا حتى إذا كان ببعض الطريق ، قيل لعلي - رضي الله عنه - : إنه قد نهى عن التمتع بالعمرة إلى الحج ، فقال علي لأصحابه : إذا ارتحل فارتحلوا ، فأهل [ ص: 483 ] علي وأصحابه بعمرة ، فلم يكلم عثمان في ذلك ، فقال له علي : ألم أخبر أنك نهيت عن التمتع ؟ قال : فقال : بلى ، قال : فلم تسمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تمتع ؟ قال : بلى " .

وعن عبد الله بن الزبير قال : " والله إنا لمع عثمان بالجحفة ، ومعه رهط من أهل الشام فيهم حبيب بن مسلمة الفهري إذ قال عثمان - وذكر له التمتع بالعمرة إلى الحج - : إن أتم الحج والعمرة ألا يكونا في أشهر الحج ، فلو أخرتم هذه العمرة حتى تزوروا هذا البيت زورتين كان أفضل ، فإن الله قد وسع في الخير ، وعلي بن أبي طالب ببطن الوادي يعلف بعيرا له ، فبلغه الذي قال عثمان ، فأقبل حتى وقف على عثمان فقال : أعمدت إلى سنة سنها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ورخصة رخص الله بها للعباد في كتابه تضيق عليهم فيها وتنهى عنها ، وقد كانت لذي الحاجة ولنائي الدار ؟! ثم أهل بحجة وعمرة معا ، فأقبل عثمان على الناس فقال : وهل نهيت عنها ، إني لم أنه عنها ، إنما كان رأيا أشرت به ، فمن شاء أخذ به ، ومن شاء تركه " رواه أحمد .

ومعنى قول عثمان - رضي الله عنه - : إنا كنا على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأنا كنا مشغولين بالجهاد عن إنشاء سفرة أخرى للعمرة لكون أكثر الأرض [ ص: 484 ] كانوا كفارا ، فأما اليوم : فالناس قد أمنوا ، فإفراد كل واحد من النسكين بسفرة هو الأفضل .

وقد روى سعيد عن سلام بن عمرو قال : " شهدت عليا وعثمان وهما يفتيان فتيا شتى ؛ علي يأمر بالمتعة ، وعثمان ينهى عنها ، فقال عثمان لعلي : هل أنت منته ؟ ثم قال : يا أيها الناس إن الله عز وجل قد أمنكم ، ألا إن الحج التام من أهليكم ، والعمرة التامة من أهليكم " ومثل هذا عن إبراهيم قال : " إنما كانت المتعة إذ كان الناس يشغلهم الجهاد عن الحج ، فأما اليوم فقد أمن الله الساحة ونفى العدو فجردوا " رواه سعيد .

وعن ابن عباس عن عمر بن الخطاب قال : " سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو بوادي العقيق يقول : أتاني الليلة آت من ربي عز وجل فقال : صل في هذا الوادي المبارك ، وقل : عمرة في حجة " رواه أحمد ، والبخاري ، وأبو داود ، وابن ماجه . وفي لفظ للبخاري : " وقل : عمرة وحجة " قال الوليد بن مسلم : يعني ذا الحليفة .

[ ص: 485 ] وهذا يحتمل أن يكون هو القران كما فسره بعض الناس ، ويحتمل أن يكون هو التمتع ، كما جاء : " دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة " يعني بها المتعة .

وكذلك أم سلمة وأزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - أمرت الرجل أن يعتمر قبل أن يحج ، واحتجت أم سلمة بقول النبي - صلى الله عليه وسلم - : " أهلوا يا آل محمد بعمرة في حج " . فعلم أن المعتمر في أشهر الحج : قد أهل بعمرة في حجة ، وفي حديث سبرة بن معبد : " أن الله قد أدخل عليكم في حجكم عمرة ، فإذا قدمتم فمن تطوف بالبيت وبين الصفا والمروة فقد حل ، إلا من كان معه هدي " وهذا لأن المتمتع إنما يريد الحج الأكبر ، وله يسافر ، وإليه يقصد ، ويدخل في ضمن حجه عمرة ؛ ولهذا قال : " عمرة في حجة " . فعلم أنها عمرة تفعل في أثناء حجة ، ولو كان ذلك القران لقال : حجة فيها عمرة ؛ لأنه إنما يحرم بالحج ، والعمرة تدخل بالنية فقط ، وقوله : " عمرة وحجة " لا تخالف ذلك ؛ لأن المتمتع بالعمرة إلى الحج أقرب إلى أن يكون أتى بعمرة وحجة من القارن الذي لم يزد على عمل الحاج .

فهؤلاء أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : أخبروا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمرهم بالمتعة ، وأنهم تمتعوا معه ، وأنها كانت آخر الأمرين ، وأخبروا - أيضا - : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - تمتع ، لكن هل كانت متعة عمرة أو متعة قران ؟ هذا هو الذي وقع التردد فيه .

وكذلك اختلفت الرواية عن الإمام أحمد ؛ هل الأفضل في حق من ساق الهدي أن يتمتع بعمرة ، أو أن يقرن بينهما ؟ فروي عنه أن القران أفضل ؛ بناء على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان قارنا .

[ ص: 486 ] وذكر ابن عبد البر عنه أنه قال : " لا شك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان قارنا ، والتمتع أحب إلي ، واحتج لاختياره التمتع بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما سقت الهدي ولجعلتها عمرة " .

ويوضح هذا : أنه قد روى أنه قرن مفسرا ، فروى بكر بن عبد الله المزني ، عن أنس قال : " سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يلبي بالحج والعمرة جميعا ، قال بكر : فحدثت بذلك ابن عمر ، فقال : لبى بالحج وحده . فلقيت أنسا فحدثته ، فقال أنس : ما تعدونا إلا صبيانا ! سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : لبيك عمرة وحجا " متفق عليه . وهذا إخبار عن لفظ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .

[ ص: 487 ] وقد تقدم عن أنس : " أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى الظهر بالمدينة أربعا ، والعصر بذي الحليفة ركعتين ، ثم بات بها حتى أصبح ، ثم ركب حتى استوت به على البيداء ، حمد الله وسبح وكبر ، ثم أهل بحج وعمرة ، وأهل الناس بهما " رواه البخاري .

وعن يحيى بن أبي إسحاق ، وعبد العزيز بن صهيب ، وحميد ، أنهم سمعوا أنسا قال : " سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أهل بهما : لبيك عمرة وحجا ، لبيك عمرة وحجا " رواه مسلم .

وعن أبي قدامة قال : " قلت لأنس بن مالك : بأي شيء كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يهل ؟ فقال : سمعته يقول مرارا : بعمرة وحجة بعمرة وحجة " رواه أحمد ، وقد تقدم عن البراء : " أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لعلي : أو [ ص: 488 ] قرنت ؟ " وهذا - أيضا - صريح لا يعارضه ظاهر ، وقد تقدم عن علي وعثمان أنهما أخبرا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - تمتع ، وكذلك عن عمران بن حصين ، وفسروا التمتع بأنه جمع بين الحج والعمرة .

وعن سراقة بن مالك قال : " سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة ، قال : وقرن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في حجة الوداع " رواه أحمد .

وعن الصبي بن معبد قال : " كنت رجلا نصرانيا ، فأسلمت ، فأهللت بالحج والعمرة ، فسمعني سلمان بن ربيعة وزيد بن صوحان ، وأنا أهل بهما [ ص: 489 ] جميعا بالقادسية ، فقالا : لهذا أضل من بعيره ، فكأنما حمل علي بكلمتهما جبل ، فقدمت على عمر بن الخطاب ، فأخبرته ، فأقبل عليهما فلامهما ، ثم أقبل علي فقال : هديت لسنة النبي - صلى الله عليه وسلم - " رواه الخمسة إلا الترمذي ، قال الدارقطني : هو حديث صحيح .

وعن ابن عباس قال : " أخبرني أبو طلحة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جمع بين الحج والعمرة " رواه أحمد وابن ماجه ، وفيه حجاج بن أرطأة .

[ ص: 490 ] وعن أبي قتادة قال : " إنما جمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بين الحج والعمرة ؛ لأنه علم أنه ليس بحاج بعدها " رواه الدارقطني .

وكل من روى أن النبي - صلى الله عليه وسلم - تمتع ، فإنه لا يخالف هذا ، فإن الروايات قد اتفقت على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يحل من إحرامه لأجل الهدي الذي ساقه ؛ فعلم أنه ليس المقصود بذلك أنه حل من إحرامه .

التالي السابق


الخدمات العلمية