الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
والمتعة : اسم جامع للعمرة في أشهر الحج ، فمن اعتمر في أشهر الحج قبل حجته أو مع حجته فإنه يسمى متمتعا ، كما تقدم ذكره في هذه الأحاديث وغيرها ؛ لأنه ترفه بسقوط أحد السفرين ؛ ولهذا وجب الدم عليهما ، فيحمل قول من روى أنه تمتع على تمتع القران ، فإن كل قارن متمتع .

وأما المتمتع بالعمرة إلى الحج إذا لم يحل من إحرام العمرة حتى أهل بالحج فإن من أصحابنا من يقول : هذا قارن ؛ لأنه جمع بين النسكين بإحلال وإحرام ، لكن طاف للعمرة أولا وسعى ، ثم أحرم بالحج ، وأكثر [ ص: 491 ] أصحابنا يجعلون هذا متمتعا ، وهو المنصوص عن أحمد ، فيجوز أن يقال : إن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان قارنا بهذا الاعتبار ولو سمي المتمتع قارنا لأنه جمع بين النسكين في أشهر الحج ، لكن المتمتع يطوف أولا ويسعى لعمرته ، والقارن يطوف أولا لعمرته وحجته ، ثم يطوف ويسعى .

والرواية الثانية : . . .

فإن قيل : أما ما ذكرتم من أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - أصحابه بالإحلال [ ص: 492 ] والمتعة فهذا حق ، لكن هذا هو فسخ الحج إلى العمرة ، وهذا الفسخ كان خاصا لأصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - : وإذا كان الفسخ خاصا لهم ، والمتعة إنما حصلت بالفسخ ، فتكون تلك المتعة المستحبة في حقهم خاصة لهم ، فلا يتعدى حكمها إلى غيرهم . والدليل على أن الفسخ خاص لهم أن الله أمر في كتابه بإتمام الحج والعمرة بقوله : " وأتموا الحج والعمرة لله " ومن فسخ الحج إلى العمرة لم يتمه ، وهذا معنى ما ذكره عمر - رضي الله عنه - حيث قال : " إن نأخذ بكتاب الله فإن الله يأمرنا بإتمام الحج والعمرة " وهذا الخطاب عام ، خرجوا هم منه بالسنة ، فيبقى باقي الناس على العموم .

وأيضا : ما روى عبد العزيز الدراوردي ، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن ، عن الحارث بن بلال بن الحارث المزني ، عن أبيه قال : " قلت : يا رسول الله [ ص: 493 ] فسخ الحج لنا خاصة ، أم للناس عامة ؟ قال : بل لنا خاصة " رواه الخمسة إلا الترمذي ، وفي رواية : " أو لمن بعدنا ؟ " وهذا نص منه - صلى الله عليه وسلم - .

وأيضا : فلو لم تكن متعة الفسخ خاصة بهم ، بل كان حكمها عاما : لوجب أن يجب ذلك على الناس ؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمرهم بذلك وغضب إذ لم يطيعوه ، ومعلوم أنه لا يجب الفسخ ، فعلم أن ذلك كان مختصا بهم .

وأيضا : فما روي عن إبراهيم التميمي ، عن أبيه ، عن أبي ذر قال : " كانت المتعة في الحج لأصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - خاصة " رواه مسلم والنسائي وابن ماجه .

[ ص: 494 ] وعن سليم بن الأسود " أن أبا ذر كان يقول فيمن حج ثم فسخها بعمرة : لم يكن ذلك إلا للركب الذين كانوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم " . رواه أبو داود .

وعن يحيى بن سعيد الأنصاري : " حدثني المرقع الأسدي - وكان رجلا مرضيا - أن أبا ذر صاحب النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : كانت رخصة لنا ليست لأحد بعدنا ، قال يحيى : وحقق ذلك عندنا أن أبا بكر وعمر وعثمان لم ينقضوا حجا لعمرة ، ولم يرخصوا لأحد ، وكانوا هم أعلم برسول الله - صلى الله عليه وسلم - وبما فعل في حجه ذلك ممن سهل نقضه " رواه الليث عنه .

وقد قال أحمد - في رواية الأثرم - : المرقع شاعر من أهل الكوفة لم يلق أبا ذر .

[ ص: 495 ] وقد تقدم قول عمر : " إن الله يحل لرسوله ما شاء ، وإن القرآن قد نزل منازله فأتموا الحج والعمرة لله ، كما أمركم الله " وقول عثمان لعلي - لما احتج عليه بفعل المتعة على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : " كنا خائفين " .

وعن عثمان - أيضا - أن سئل عن متعة الحج فقال : " كانت لنا وليست لكم " رواه سعيد .

وأيضا : فإنه قد ثبت نهي عمر ، وعثمان ، ومعاوية ، وابن الزبير ، وغيرهم من الصحابة - النهي عن المتعة وكراهتهم لها ، كما تقدم بعضه .

وعن سعيد بن المسيب أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه " نهى عن متعة الحج ومتعة النساء " .

وعن أبي قلابة قال : " قال عمر - رضي الله عنه - : متعتان كانتا على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنهى عنهما وأعاقب عليهما ، متعة النساء ، ومتعة الحج " رواهما سعيد .

ومعلوم أن التمتع بالعمرة إلى الحج لا يكره بالاتفاق ، فيجب أن يحمل [ ص: 496 ] نهيهم على متعة الفسخ ، والرخصة على المتعة المبتدأة ؛ توفيقا بين أقاويلهم ، ولولا علمهم بأن ذلك خاص للركب الذين كانوا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يقدموا على تغيير حكم الشريعة ، ولم يطاوعهم المسلمون على ذلك ، ولا يجوز لمسلم أن يظن بهم ذلك .

وإن كانوا قد نهوا عن جميع أنواع المتعة نهي تنزيه ، أو نهي اختيار للأولى . فيعلم أنهم اعتقدوا أن الإفراد أفضل ؛ ولهذا إنما كانت المنازعة في جواز التمتع لا في فضله ، ويجعلونها رخصة للبعيد عن مكة .

وأيضا : فإنهم كانوا في الجاهلية يعتقدون التمتع بالعمرة إلى الحج من أفجر الفجور ، فأمرهم النبي - صلى الله عليه وسلم - بفسخ الحج إلى العمرة ؛ ليبين جواز العمرة في أشهر الحج ، وقد حصل معرفة ذلك وعلم ، فلا حاجة إلى الخروج عن عقد لازم ، أو أنه إذن لهم في الفسخ ؛ لأنه لم يكن يعلم أولا جواز العمرة قبل الحج .

والذي يبين أن الإفراد أفضل من متعتي القران والعمرة المبتدأة - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أفرد الحج ، بدليل ما روى . . . القاسم عن عائشة " أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أفرد الحج " رواه الجماعة إلا البخاري ، وقد تقدم عنها في المتفق عليه [ ص: 497 ] أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " أهل بالحج وأهل به ناس معه ، وأن ناسا أهلوا بعمرة ، وناسا أهلوا بالحج والعمرة " .

وعن ابن عمر قال : " أهللنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالحج مفردا " ، وفي لفظ : " أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أهل بالحج مفردا " رواهما مسلم .

وعن زيد بن أسلم قال : " جاء رجل إلى ابن عمر فسأله عن حج النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال : أفرد الحج ، فلما كان العام المقبل أتاه فسأله عنه ، فقال : أليس قد أعلمتك عام أول أنه أفرد الحج ؟ قال : أتانا أنس بن مالك ، فأخبرنا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قرن ، فقال ابن عمر : إن أنس بن مالك كان يتولج على النساء وهن منكشفات لا يستترن ؛ لصغره ، وكنت أنا تحت ناقة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يسيل علي لعابها " رواه . . .

[ ص: 498 ] وعن عبيد الله بن عمر ، عن نافع ، عن ابن عمر . . . ، وتقدم عن ابن عباس : " أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أهل بالحج ، فقدم لأربع مضين من ذي الحجة فصلى الصبح ، وقال لما صلى الصبح : من شاء أن يجعلها عمرة فليجعلها عمرة " . رواه مسلم .

وعن جابر : " أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أفرد الحج " رواه ابن ماجه . وفي حديثه المتفق عليه : " أهل النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه بالحج " . وجابر من أحسن الناس سياقا لحجة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو يقول : " لسنا ننوي إلا الحج لسنا نعرف العمرة " . وإذا ثبت أنه أهل بالحج ، فيجب أن تحمل رواية من روى [ ص: 499 ] أنه تمتع : على أنه أمر به أصحابه لما أمرهم بالفسخ وهو لم يفسخ ، وما فعله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فهو أفضل مما فعله غيره ، لا سيما فيما لا يتكرر منه ؛ فما كان الله ليؤثر نبيه إلا بأفضل السبل والشرائع ، وقوله - صلى الله عليه وسلم - : " لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما سقت الهدي ولجعلتها متعة " إنما قال ذلك : لما رآهم قد كرهوا المتعة ، فأحب موافقتهم ، وإن كان ما معه أفضل ، وقد يؤثر المفضول إذا كان فيه اتفاق القلوب كما قال : " لولا أن قومك حديثو عهد بجاهلية لنقضت الكعبة . . . " . الحديث . فترك ما كان يحبه تسكينا للقلوب ، وقد كان يدع العمل وهو يحب أن يعمل به خشية أن يعمل به الناس فيفرض عليهم ، فعلم ، ويبين ذلك ما روى . . .

[ ص: 500 ] ويقرر ذلك أن الخلفاء الراشدين بعده أفردوا الحج .

وإذا اختلفت الأحاديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - نظرنا إلى ما عمل به الخلفاء الراشدون ؛ فروى أبو الأسود محمد بن عبد الرحمن : أنه سأل عروة بن الزبير فقال : " قد حج النبي - صلى الله عليه وسلم - فأخبرتني عائشة أنه أول شيء بدأ به حين قدم أنه توضأ ، ثم طاف بالبيت ، ثم لم تكن عمرة ، [ ثم حج أبو بكر ، فكان أول شيء بدأ به الطواف بالبيت ، ثم لم تكن عمرة ، ثم عمر مثل ذلك ، ثم حج عثمان ، فرأيته أول شيء بدأ به الطواف بالبيت ، ثم لم تكن عمرة ، ثم معاوية وعبد الله بن عمر ، ثم حججت مع أبي الزبير بن العوام ، فكان أول شيء بدأ به الطواف بالبيت ، ثم لم تكن عمرة ، ثم رأيت المهاجرين والأنصار يفعلون ذلك ، ثم لم تكن عمرة ] ثم آخر من رأيت فعل ذلك ابن عمر ، ثم لم ينقضها عمرة ، وهذا ابن عمر عندهم فلا يسألونه ولا أحد ممن مضى ما كانوا يبدءون بشيء حتى يضعوا أقدامهم من الطواف بالبيت ، ثم لا يحلون ، وقد رأيت أمي وخالتي حين تقدمان لا تبتدئان بشيء أول من البيت يطوفان به ، ثم لا يحلان ، وقد أخبرتني أمي أنها أهلت هي وأختها ، والزبير وفلان وفلان بعمرة ، فلما مسحوا الركن حلوا " . رواه البخاري .

وأيضا : فإن المتعة تفتقر إلى دم ، فإن كان دم جبران فالنسك التام الذي [ ص: 501 ] لا يفتقر إلى جبر أفضل مما يجبر بدليل : حجتين ، أو عمرتين ، قد جبر إحداهما بدم ، وتم الآخر بنفسه . وإن كان دم نسك : فمعلوم أنه إنما وجب لما سقط عن المتمتع من أحد السفرين وهو نسك ، وإذا دار الأمر بين نسك الفعل ونسك الذبح ، كان نسك الفعل أفضل ، فإن فيه عبادة بدنية ومالية ؛ ولهذا عامة الدماء لا تشرع إلا عند عوز الأعمال .

وأيضا : فإن المفرد يأتي بالإحرام تاما كاملا من حين يهل من الميقات ثم يأتي بالعمرة كاملة ، فيفعل كل ما يفعله المتمتع وزيادة ، ويستوعب الزمان بالإحرام .

وأيضا : فإن المتعة في الأصل رخصة ، والعزائم أفضل من الرخص .

التالي السابق


الخدمات العلمية