الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
قوله ( وإجازتهم تنفيذ في الصحيح من المذهب ) وهو كما قال . قال في القواعد الفقهية : أشهر الروايتين : أنها تنفيذ . قال الزركشي : هذا المشهور والمنصور في المذهب . وجزم به جماعة . منهم القاضي في التعليق ، وأبو الخطاب في خلافه الصغير ، والمجد ، وغيرهم . انتهى . قال في الفائق ، وغيره : والإجازة تنفيذ ، في أصح الروايتين . وجزم به في الوجيز ، وغيره . وقدمه في الفروع ، وغيره . قال الشارح : لأن ظاهر المذهب : أن الوصية للوارث والأجنبي بالزيادة على الثلث : صحيحة ، موقوفة على إجازة الورثة . [ ص: 196 ] فعلى هذا : تكون إجازتهم تنفيذا ، وإجازة محضة . يكفي فيها قول الوارث " أجزت " أو " أمضيت " أو " نفذت " انتهى . وعنه : ما يدل على أن الإجازة هبة مبتدأة . قال في الفروع : وخصها في الانتصار بالوارث . قال الشارح ، وقال بعض أصحابنا : الوصية باطلة . فعلى هذا : تكون هبة . انتهى . وأطلقهما أبو الفرج .

تنبيهان : أحدهما : قيل هذا الخلاف مبني على أن الوصية بالزائد على الثلث : هل هي باطلة ، أو موقوفة على الإجازة ، كما تقدم ؟ . وتقدم كلام الشارح قريبا عن بعض الأصحاب . وهو الذي قطع به الزركشي ، وغيره . وقيل : بل هو مبني على القول بالوقف أما على البطلان : فلا وجه للتنفيذ . قال في القواعد : وهذا أشبه . قلت : وهو الصواب .

الثاني : لهذا الخلاف فوائد كثيرة . ذكرها ابن رجب في قواعده ، وغيره من الأصحاب .

فمنها : على المذهب : لا يفتقر إلى شروط الهبة من الإيجاب والقبول ، والقبض ونحوه بل يصح بقوله " أجزت " و " أنفذت " و " أمضيت " ونحو ذلك . وعلى الثانية : تفتقر إلى الإيجاب ، والقبول . ذكره ابن عقيل وغيره . وكلام القاضي يقتضي : أن في صحتها بلفظ " الإجازة " وجهين . قال المجد : والصحة ظاهر المذهب . [ ص: 197 ]

ومنها : لا تثبت أحكام الهبة على المذهب . فلو كان المجيز أبا للمجاز له : لم يكن له الرجوع فيه . وعلى الثانية : له الرجوع .

ومنها : هل يعتبر أن يكون المجاز معلوما للمجيز ؟ . ففي الخلاف للقاضي ، والمحرر ، والفروع ، وغيرهم : هو مبني على الخلاف . وطريقة المصنف في المغني : أن الإجازة لا تصح بالمجهول . ولكن هل يصدق في دعوى الجهالة ؟ على وجهين . ومن الأصحاب من قال ، إن قلنا : الإجازة تنفيذ : صحت بالمجهول ، ولا رجوع وإن قلنا : هي هبة : فوجهان .

ومنها : لو كان للمجاز عتقاء : كان الولاء للموصي تختص به عصبته . على المذهب .

وعلى الثانية : الولاء لمن أجاز . ولو كان أنثى .

فائدة : لو كسب الموصى بعتقه بعد الموت ، وقبل الإعتاق : فهو له . على الصحيح من المذهب . وذكره القاضي ، وابن عقيل ، وصاحب المحرر ، وغيرهم . وقدمه في القاعدة الثانية والثمانين . وقال المصنف في المغني في آخر باب العتق كسبه للورثة كأم الولد . انتهى . ولو كان الموصى بعتقه أمة ، فولدت قبل العتق ، وبعد الموت : تبعها الولد كأم الولد . وقدمه في القواعد ، وقال : هذا هو الظاهر . وقال القاضي في تعليقه : لا تعتق .

ومنها : لو كان وقفا على المجيزين ، فإن قلنا الإجازة تنفيذ . صح الوقف ولزم وإن قلنا هبة : فهو كوقف الإنسان على نفسه . [ ص: 198 ]

ومنها : لو حلف لا يهب ، فأجاز : لم يحنث . على المذهب . وعلى الثانية : يحنث .

ومنها : لو قبل الوصية المفتقرة إلى الإجازة قبل الإجازة ، ثم أجيزت . فإن قلنا الإجازة تنفيذ : فالملك ثابت له من حين قبوله . وإن قلنا هي هبة لم يثبت الملك إلا بعد الإجازة . ذكره القاضي في خلافه .

ومنها : أن ما جاوز الثلث من الوصايا إذا أجيز ، هل يزاحم بالزائد الذي لم يجاوز ، أو لا ؟ مبني على الخلاف . ذكره في المحرر ، ومن تابعه .

قال في القواعد : واستشكل توجيهه على الأصحاب . وهو واضح . فإنه إذا كان معنا وصيتان . إحداهما : مجاوزة للثلث ، والأخرى : لا تجاوزه كنصف وثلث وأجاز الورثة الوصية المجاوزة للثلث خاصة . فإن قلنا الإجازة تنفيذ : زاحم صاحب النصف صاحب الثلث بنصف كامل . فيقسم الثلث بينهما على خمسة . لصاحب النصف ثلاثة أخماسه ، وللآخر خمساه . ثم يكمل لصاحب النصف نصفه بالإجازة . وإن قلنا الإجازة ابتداء عطية : فإنما يزاحم بثلث خاص . إذ الزيادة عليه عطية محضة من الورثة . لم تتلق من الميت ، فلا يزاحم بها الوصايا فيقسم الثلث بينهما نصفين . ثم يكمل لصاحب النصف ثلثه بالإجازة ، أي يعطى ثلثا زائدا على السدس الذي أخذه من الوصية . قال : وهذا مبني على القول بأن الإجازة عطية أو تنفيذ . فيفرع على هذا : القول بإبطال الوصية بالزائد على الثلث وصحتها ، كما سبق . انتهى . [ ص: 199 ] وقد تكلم القاضي محب الدين بن نصر الله البغدادي على هذه المسألة في كراسة بما لا طائل تحته . وما قاله ابن رجب : صحيح واضح .

وقال الزركشي ، وقد يقال : إن عدم المزاحمة : إنما هو في الثلثين . ولأن الهبة تختص بهما ، والمجيز يشرك بينهما فيهما .

أما الثلث : فيقسم بينهما على قدر أنصبائهما . انتهى . قلت : الذي يظهر [ أن هذا أقوى وأولى . وهو موافق لقواعد المذهب ، في أن الثلث يقسم على قدر أنصبائهم مطلقا . وقد ذكر المصنف مسائل من ذلك في باب الوصية بالأنصباء والأجزاء ، كما لو أوصى لواحد بثلث ماله ، ولآخر بربعه ، أو له بكل ماله . ولآخر بنصفه . فقد قطع هو وغيره أنهم إذا ردوا الزائد على الثلث يكون الثلث على قدر أنصبائهم . الثلث ويأخذ من الثلث بمقدار ما يأخذه لو ردوا . فعلى هذا : المزاحمة في الثلث بالزائد على البناء الذي ذكره صاحب المحرر وغيره طريقة في المسألة ، وصاحب القواعد إنما . لكن يمكن أن يقال : ليس في كلام المحرر البناء على القول بأنها ابتداء عطية مسكوت عنه أو يقال : بناؤه على أنه تنفيذ يدل على خلاف ذلك على خلافه ينبني عليه . ولذلك قال في شرح المحرر كلامه يقتضي انعكاس . ]

ومنها : لو أجاز المريض في مرض موته وصية موروثه . [ ص: 200 ] فإن قلنا : إجازته عطية : فهي معتبرة من ثلثه . وإن قلنا هي تنفيذ : فللأصحاب طريقان .

أحدهما : القطع بأنها من الثلث أيضا . قاله القاضي في خلافه ، والمجد .

والطريق الثاني : المسألة على وجهين ، وهي طريقة أبي الخطاب في انتصاره ، وهما منزلان على أصل الخلاف في حكم الإجازة . قال في القواعد : وقد ينزلان على أن الملك هل ينتقل إلى الورثة في الموصى به أم تمنع الوصية الانتقال ؟ وفيه وجهان . فإن قلنا : تنتقل إليهم . فالإجازة من الثلث . وإلا فهي من رأس ماله

ومنها إجازة المفلس . قال في المغني : هي نافذة . وهو منزل على القول بالتنفيذ . وجزم به في الفروع .

قال في القواعد : ولا يبعد على القاضي في التي قبلها أن لا ينفذ . وقاله المصنف في المغني في الشفعة .

ومنها : إجازة السفيه نافذة على المذهب . لا على الثانية . ذكره في الفروع وقال المصنف ، والشارح : لا تصح إجازته مطلقا . وكذا صاحب الفائق .

التالي السابق


الخدمات العلمية