الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
قوله ( وإن ملك سهما ممن يعتق عليه بغير الميراث وهو موسر عتق عليه كله ) . اعلم أنه إذا ملك جزءا ممن يعتق عليه وكان ملكه له بغير الميراث فلا يخلو : إما أن يكون موسرا . أو معسرا . فإن كان موسرا ، فلا يخلو : إما أن يكون موسرا بجميعه ، أو موسرا ببعضه . فإن كان موسرا بجميعه : عتق عليه في الحال . على الصحيح من المذهب . وعليه الأصحاب . [ ص: 403 ] وقيل : لا يعتق عليه قبل أداء القيمة . اختاره الشيخ تقي الدين رحمه الله ، وصاحب الفائق . ومال إليه الزركشي فعليه : لو أعتق الشريك قبل أدائها : فهل يصح عتقه ؟ فيه وجهان . وأطلقهما في الفروع . قال في الرعاية : فهل يصح عتقه ؟ يحتمل وجهين

أحدهما : يصح . اختاره الشيخ تقي الدين ، وصاحب الفائق رحمه الله تعالى .

والثاني : لا يصح .

تنبيه : قوله ( وعليه قيمة نصف شريكه ) . بلا نزاع . ويأتي في كلام المصنف قريبا : متى يقوم ؟ .

فائدة : قال الإمام أحمد رحمه الله : له نصفه ، لا قيمة النصف . قال في الفروع : لا قيمة للنصف . ورده ابن نصر الله في حواشيه . وتأول كلام الإمام أحمد رحمه الله . قال الزركشي : هل يقوم كاملا ، ولا عتق فيه ، أو قد عتق بعضه ؟ فيه قولان للعلماء . أصحهما : الأول . وهو الذي قاله أبو العباس فيما أظن . لظاهر الحديث . ولأن حق الشريك إنما هو في نصف القيمة ، لا قيمة النصف . بدليل ما لو أراد البيع . فإن الشريك يجبر على البيع معه . انتهى كلام الفروع . وكذا الحكم . لو أعتق شريكا في عبد وهو موسر ، على ما يأتي . وإن كان موسرا ببعضه : عتق عليه . على الصحيح من المذهب ، بقدر ما هو موسر به . نص عليه في رواية ابن منصور . قال في الفائق : عتق بقدره . في أصح الوجهين . وقدمه في الرعايتين ، والزركشي ، والفروع ، وغيرهم . [ ص: 404 ] وجزم به في المستوعب ، والمغني ، والشرح ، وغيرهم . وقيل : لا يعتق إلا ما ملكه والحالة هذه .

تنبيه : شمل قوله " عتق كله " . لو كان شقص شريكه مكاتبا ، أو مدبرا ، أو مرهونا ، وهو صحيح . وهو المذهب . وعليه أكثر الأصحاب . وقدمه في الفروع . وقال القاضي : يمتنع العتق في المكاتب والمدبر ، إلا أن يبطلا . فيسري حينئذ . وحيث سرى : ضمن حق الشريك بنصف قيمته مكاتبا . على الصحيح . قدمه في الفروع . وعنه : يضمنه بما بقي من الكتابة . جزم به في الروضة . وأطلقهما في المحرر . وأما المرهون : فيسري العتق عليه . وتؤخذ قيمته ، فتجعل مكانه رهنا . قاله في الترغيب . واقتصر عليه في الفروع .

فائدة : حد " الموسر " هنا : أن يكون حين الإعتاق قادرا على قيمة الشقص ، وأن يكون فاضلا عن قوته وقوت عياله ، يومه وليلته كالفطرة ، على ما تقدم هناك . نص عليه . وجزم به في الوجيز ، والمغني ، والشرح ، وغيرهم . وقدمه في الفروع ، وغيره . وقاله القاضي في المجرد ، وابن عقيل في الفصول . قال أبو بكر في التنبيه " اليسار " هنا : أن يكون له فضل عن قوته وقوت عياله ، يومه وليلته ، وما يفتقر إليه من حوائجه الأصلية ، من الكسوة والمسكن ، وسائر ما لا بد منه . نقله عنه في المغني ، والشرح . قال الزركشي : ولم أره فيه . وإنما فيه : أن يكون مالكا مبلغ حصة شريكه قال الزركشي : وهو ظاهر كلام غيره . وأورده ابن حمدان مذهبا . وقال في المغني : مقتضى نصه : لا يباع له أصل مال . [ ص: 405 ] قال في الفائق : لا يباع له دار ، ولا رباع . نص عليه . وقال في الرعاية ، وقيل : بل إن كان ما يغرمه المولى فاضلا عن قوت يومه وليلته قلت : وعن قوت من تلزمه نفقته فيهما ما لا بد لهما منه . انتهى . والاعتبار باليسار والإعسار : حالة العتق . فلو أيسر المعسر بعده : لم يسر إليه ، ولو أعسر الموسر : لم يسقط ما وجب عليه . نص على ذلك .

قوله ( وإن كان معسرا ) يعني : بجميعه . ( لم يعتق عليه إلا ما ملك ) . وهذا المذهب . وعليه معظم الأصحاب . وجزم به في الوجيز ، وغيره . وقدمه في المحرر ، والنظم ، والرعايتين ، والحاوي الصغير ، والفروع ، والفائق وغيرهم . قال المصنف ، والشارح ، وغيرهما : هذا ظاهر المذهب . وعنه يعتق كله . ويستسعي العبد في بقيته . نصره في الانتصار . واختاره أبو محمد الجوزي ، والشيخ تقي الدين رحمهما الله . فعلى هذه الرواية : قيمة حصة الشريك في ذمة العبد . وحكمه حكم الأحرار . فلو مات وبيده مال كان لسيده ما بقي من السعاية ، والباقي إرث . ولا يرجع العبد على أحد بشيء . وهذا الصحيح . قدمه في الرعاية . قال الزركشي : وهو ظاهر كلام الأكثرين ، وهو كما قال . فإنهم قالوا : يعتق العبد كله . ويحتمل أن لا يعتق حتى يؤدي حق السعاية . اختاره أبو الخطاب في الانتصار . وقدمه ابن رزين في شرحه . فيكون حكمه حكم عبد بعضه رقيق . فلو مات كان للشريك من ماله مثل ماله ، عند من لم يقل بالسعاية . وأطلقهما في المغني ، والشرح ، والفروع ، والزركشي [ ص: 406 ]

قوله ( وإن ملكه بالميراث : لم يعتق منه إلا ما ملك ، موسرا كان أو معسرا ) . وهذا المذهب مطلقا . وعليه أكثر الأصحاب . وجزم به في الجامع ، والكافي ، والوجيز ، وغيرهم . وصححه في المحرر ، وغيره . وقدمه في الفروع وغيره . وعنه : أنه يعتق عليه نصيب الشريك إن كان موسرا نص عليها في رواية المروذي .

التالي السابق


الخدمات العلمية