الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                  الفصل الثاني

                  الرسائل الإصلاحية.. عرضا وتأثيرا

                  المبحث الأول

                  الطريقة العلمية لعرض المقالات فى رسائل الإصلاح

                  (الجزء الأول)

                  - المطلب الأول: توفية الموضوع حقه:

                  موضوعات الإسلام موضوعات كثيرة ومتعددة، وتغطية هذه الموضوعات من الناحية العلمية من جوانب شتى، ويلزم الباحث صاحب المنهج العلمي أن يحدد المطلوب من وراء موضوعه، وأن يلتزم بما حدده لنفسه، ولا يشرد هنا وهناك بعيدا عن لب موضوعه وجوهر قضيته العلمية. ومن السهولة أن يفقد الباحث سيطرته على الموضوع، وأن يفلت الموضوع تماما من يده، إذا كانت الفكرة غير محددة في ذهنه، فيتناولها تناولا بعيدا عن الموضوع، فيكون موضوعه مهتزا.

                  وموضوعات الدعوة والتربية الإسلامية بصفة خاصة تحتاج إلى دقة كبيرة وتحـديد بالغ للمطلوب حـتى لا يـلتـقي مع مـطـلب آخـر، وتـكـون الجـنـاية [ ص: 91 ] في النهـاية على البحث العلـمي، الذي لم يأخذ حقه من التغطية المناسبة له، نظرا لعدم تحديد المطلوب من ورائه.

                  والأمانة العلمية تقتضي أن يلتزم الباحث بصياغة علمية محددة لا يخرج عنها ولا يبتعد عن إطارها، وتكون هذه الصياغة محددة تماما في جزئية بعينها يعكف الباحث عليها ويتولى تغطيتها من كافة جوانبها، ولأن يغطي الباحث جزئية علمية يفهمها تماما ويستوعب مطالبها أفضل من أن يأخذ موضوعا عاما يكون فيه كحاطب ليل يجمع من هنا وهناك بلا إطار علمي ولا نهج بحثي سليم، وفي رسائل الإصلاح عرض لموضوعات الإسلام المختلفة، والتي قام الإمام بتغطية مطالبها وتوفية حقها، ومن نماذج ذلك، الموضوعات التالية:

                  - فضيلة الإخلاص [1] :

                  يبين الإمام أن مدار الإخلاص على أن يكون الباعث على العمل أولا امتثال أمر الله، ولا حرج على من يتطلع بعد هذا إلى شيء آخر، ويبين أن المعروف عند أهل العلم أن قصد المصلحة الدنيوية من عمل الخير، بعد تحقق قصد الامتثال لأمر الله، لا ينـزل به عن درجة القبول، ويبين أن الإخلاص يرفع من شأن الأعمال حتى تكون مراقي للفلاح، وهو الذي يحمل الإنسان على مواصلة عمل الخير، ويبين أن الإخلاص هو الذي يجعل في عزم الرجل متانة، ويربط على قلبه، فيمضي في عمله إلى أن يبلغ الغاية.. [ ص: 92 ]

                  - الأمانة في العلم [2] :

                  يبين الإمام أن من تحدث في العلم بغير أمانة فقد مس العلم بقرحة، ووضع في سبيل فلاح الأمة حجر عثرة.. ويبين أن أمثال هؤلاء لا تجد الأمانة في قلوبهم مستقرا، فلا يتحرجون أن يردوا ما لم يسمعوا أو يصفوا ما لم يعلموا، وهذا ما كان يدعو جهابذة أهل العلم إلى نقد الرجال.. ويبين أن الأمناء في علم الحديث اندس بينهم أشخاص: فمنهم الجاهل.. ومنهم المغلوب على رشده.. ومنهم الزنديق.. ويبين أن اللغة العربية نهض بـها وبآدابـها رجـال طـبعوا عـلى الأمـانة.. ويبـين أيضـا أن اللغة العـربية لم تخلص من أن ينتمي إليها نفر لا يتحاشون أن يدخلوا فيها ما ليس من حقائقها.. وانتقل إلى علم التاريخ، فبين أن للتاريخ القسط الأوفر من اختـلاف الرواة.. وبين في ناحية المحرومين من نعمة الأمانة في العلم، أنه صدرت كتب وصفت كثيرا من أفاضل السلف في غير إنصاف..

                  ويؤصل الإمام ويقول: "إن الأمانة زينة العلم وروحه.. وإذا قلبت النظر في تراجم رجال العلم، رأيت بين العـالم الأمـين وقرينه غير الأمين بونا شاسعا، ترى الأول في مكانة محفوفة بالوقار، وانتفاع الناس منه في ازدياد، وترى الثاني في منـزلة صاغرة، ونفوس طلاب العلم منصرفة عن الأخذ عنه أو متباطئة". [ ص: 93 ]

                  ويسوق الإمـام دلائل على الأمانة فيقول: "إن أمانة العالم تدعوه إلى أن يقول: لا أدري، وهذا دلالة رسوخه في الأمانة، فلا تزحزحه العواصف قيد شعرة..

                  ومن مقتضى الأمانة أن تصدع بما استبان لك أنه الحق، ولا يمنعك من الجهر به أن تنسب إلى سوء النظر فيما رأيته سالفا فما أنت إلا بشر.. والأمانة هي التي كانت تحمل كبار أهل العلم على أن يعلنوا في الناس رجوعهم عن كثير من آراء علمية أو اجتهادات دينية تبينوا أنهم لم يقولوا فيها قولا سديدا.. وقد تخـون الرجـل ذاكرته أو تأخـذه غفـلة فيقع لسـانه في خطأ، فينبه، أو ينتبه من نفسـه إلى هفوته، فإن كان على حظ عظيم من الأمانة بادر إلى إصـلاح خطئـه بنفسـه غير مستنـكف من الاعتراف بما أخذه من ذهول قلب أو غلط لسان... ومن الأمانة الرجـوع إلى الحق، وهو كمال لا تحرص عليه إلا نفوس ذللت لها سـبل المكارم تذليـلا.. ومن الأمانة أن تنقد الآراء، ولا تغمض فيما تراه باطلا، وإن كان بينك وبين صـاحبها صـلة الصـداقة أو القربى.. ومن أمانة العـالم أن لا يفـتي أو يقضـي بما يراه باطـلا، فحـرام عليه أن يفتي أو يقضـي برأي غيره وهو لا يتردد في بطـلانه، ويبقى النظر في المسـائل التي تعـود إلى الاجتهـاد، ولا يتعدى حكمها مراتب الظنون".. [ ص: 94 ]

                  - التعليم الديني في مدارس الحكومة [3] :

                  يبين الإمام نوعا من الانحراف طرأ على الأخلاق، وأخذ يدب في نفوس النشء دبيب السم الناقع في جسم اللسيع، ويتصف هذا الانحراف بأنه ناشئ عن زيغ العقيدة، لا عن مجرد الأهـواء الغـالبة.. والانحراف الناشئ عن زيغ العقيدة أصعـب علاجا من الانحراف الناشئ عن طغيان الشهوة.. ولا مرية في أن انحراف الزائغين أظهر فسادا، وأشد فتنة من انحراف الشاعرين بقبح ما يفعلون..

                  ولم يتفش زيغ العقيدة فيما سلف تفشيه اليوم؛ لأن وسائل ساعدت على سريان وبائه لم توجد قبل، وأمهات هذه الوسائل ثلاثة أمور:

                  أحدها: هذه المدارس، التي يفتحها الأجانب في أوطاننا باسم العلم..

                  ثانيها: تهاون بعض الآباء بواجـب أبنائهـم إذ يرسلون الناس إلى معاهد العلم بأوربا قبل أن يتلقوا من علوم الدين ما يجعل عقيدتهم مطمئنة..

                  ثالثها: أن كثيرا من الحـكومات الإسلامية ضعف فيها روح الاعتزاز بالدين الحنيف.

                  ويقول الإمام: "وإذا رأينا في بعض المتلقين لعلوم الدين عوجا، فذلك سنة الله في الخليقة أن لا تخلص الطوائف الكثيرة من أفراد يشربون بكأسها، ويظهرون في زيها، ثم هم شذوذ عنها".. [ ص: 95 ]

                  ويقول: "إن الأمم التي يقوم تعليمها على روح دينية قوية تبلغ من العظمة ما لا تبلغه أمة تساويها في غير هذه الروح من وسائل الحياة"..

                  - القضاء العادل في الإسلام [4] :

                  عنيت الشريعة بالعدل في القضاء عنايتها بكل ما هو دعامة لسعادة الحياة، فأتت فيه بالعظات البالغات: تبشر من أقامه بعلو المنزلة وحسن العافية، وتنذر من انحرف عنه بسوء المنقلب وعذاب الهون..

                  وكان قضاؤه صلى الله عليه وسلم المثل الأعلى لصيانة الحقوق والتسوية بين الخصوم..

                  فقد رسم، عليه الصلاة والسلام، طريق العدل في القضاء قيمة غير ذات عوج، وزادها بسـيرته العملية وضـوحا واستنارة، فاستبانت لأصحابه في أجلى مظهر..

                  وكان للإسلام وسيرة الذين أوتوا العلم من رجاله أثر في إصلاح القضاء كبير، ولا تشرق المحاكم بنور العدل إلا أن يمسك زمامها رشيد العقل راسخ الإيمان بيوم الفصل، فتقوى الله تحمل القاضي على تحقيق النظر في كل واقعة حتى يتعرف الحق..

                  وتقوى الله هي التي توقف القاضي في حدود العدل لا يخرج عنها قيد أنملة في حال.

                  ومن القضاة العادلين من تطرح بين يديه قضية يدلي فيها أحد الخصمين بشهادة الخليفة نفسه، فيرد الشهادة في غير مبالاة، فالإسلام يلقن القاضي [ ص: 96 ] أنه مستقل ليس لأحد عليه من سبيل، وقد قص علينا التاريخ أن كثيرا من القضاة العادلين كانوا لا يتباطؤون أن يحكموا على الرئيس، الذي أجلسهم على منصة القضاء حكمهم على أقصر الناس يدا وأدناهم منـزلة..

                  ومن القضاة العادلين من يرمي بالمنصب في وجه الدولة إذا أخذ بعض رجالها يتدخل فيما يرفع من خصومات..

                  والرئيس الناصح يكبر القاضي، الذي يأنس منه استقامة، ويعمل لإرضائه حتى يصرفه عن الاستقالة..

                  والرئيس العادل يعجب بالعالم، الذي دلته التجربة على استقامته عند الحكم وتجرده من كل داعية غير داعية ظهور الحق.. ولصعوبة القضاء من ناحية التثبت من الحق أولا، والقدرة على تنفيذه ثانيا، أبى كثير من العلماء الأتقياء أن يقبلوا ولايته، ورفضوها بتصميم يخشون أن يعترضهم في التنفيذ ما لا طاقة لهم بدفعه..

                  ومن العلماء من يأبى قبولها، ويكون الأمير ممن يقدر قدره ويراه أقدر أهل العلم على القيام بها، فيهدده بالعقاب أو يسومه العذاب؛ ليكرهه على قبولها، ومنهم من يقبلها بعد التهديد البالغ..

                  ولارتباط سعادة الأمة باستقامة القضاء جاز للرئيس الأعلى متى رأى في أهل العلم من هو أدرى بمسالكه، وأقدر على القيام بأعبائه أن يكرهه بالوسائل الكافية.. [ ص: 97 ]

                  ومن العلماء من يطلب للقضاء فلا يجيب إلا على شرط يصعب على رجال الدولة قبوله، ولا يسعهم إلا أن يتركوه..

                  وعناية الإسلام بالقضاء رفعته إلى درجة أفضل الطاعات.. ولهذا ترى بعض العلماء يتقلدون القضاء ويأبون أن يأخذوا عليه رزقا..

                  فالحقيقة أن الإسلام بنى القضاء على أسس محكمة ونظم صالحة..

                  فهذه نماذج لموضوعات ذكرها الإمام، رحمه الله، وهي صورة من موضوعات الإسلام، وأنموذج للطريقة الصحيحة التي تعالج بها الموضوعات، وتفض به المطالب، وتستوعب بها الجزئيات العلمية.

                  التالي السابق


                  الخدمات العلمية