الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


القسم الموفي العشرين الاستثناء والاستدراك ووجه التأكيد فيه أنه ثنى ذكره مرتين : مرة في الجملة ، ومرة في التفصيل .

فإذا قلت : قام القوم إلا زيدا ، فكأنه كان في جملتهم ثم خرج منهم ; كقوله تعالى : فسجد الملائكة كلهم أجمعون إلا إبليس ( الحجر : 30 - 31 ) فإن فيه معنى زائدا على الاستثناء ، هو تعظيم أمر الكبيرة التي أتى بها إبليس ، من كونه خرق إجماع الملائكة ، وفارق جميع الملأ الأعلى بخروجه مما دخلوا فيه من السجود لآدم ; وهو بمثابة قولك : أمر الملك بكذا فأطاع أمره جميع الناس ، من أمير ووزير إلا فلانا ، فإن الإخبار عن معصية الملك بهذه الصيغة أبلغ من قولك : أمر الملك فعصاه فلان .

وفي ضمن ذلك وصف الله سبحانه بالعدل فيما ضربه على إبليس من خزي الدنيا ، وختم عليه من عذاب الآخرة .

ومنه قوله تعالى : فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما ( العنكبوت : 14 ) فإن في الإخبار عن المدة بهذه الصيغة تهويلا على السامع ; ليشهد عذر نوح عليه السلام في الدعاء على قومه ، وحكمة الإخبار عن المدة بهذه الصيغة تعظيم للمدة ; ليكون أول ما يباشر السمع ذكر " الألف " واختصار اللفظ ; فإن لفظ القرآن أخصر من تسعمائة وخمسين عاما ، ولأن لفظ القرآن يفيد حصر العدد المذكور ، ولا يحتمل الزيادة عليه ولا النقص .

ومنه قوله تعالى : فأما الذين شقوا ففي النار لهم فيها زفير وشهيق خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك ( هود : 106 - 107 ) فإنه سبحانه لما علم أن [ ص: 129 ] وصف الشقاء يعم المؤمن العاصي والكافر ، استثنى من حكم بخلوده في النار بلفظ مطمع ; حيث أثبت الاستثناء المطلق ، وأكده بقوله : إن ربك فعال لما يريد أي : أنه لا اعتراض عليه في إخراج أهل الشقاء من النار .

ولما علم أن أهل السعادة لا خروج لهم من الجنة أكد خلودهم بعد الاستثناء بما يرفع أصل الاستثناء ، حيث قال : عطاء غير مجذوذ ( هود : 108 ) أي : غير منقطع ; ليعلم أن عطاءه لهم الجنة غير منقطع .

وهذه المعاني زائدة على الاستثناء اللغوي .

وقيل : وجه الاستثناء فيه الخروج من الجنة إلى منزلة أعلى كالرضوان والرؤية ويؤيده قول بعض الصحابة :

وإنا لنرجو فوق ذلك مظهرا

وصوبه النبي - صلى الله عليه وسلم - وجعل الزمخشري الاستثناء الأول لخروج أهل النار إلى الزمهرير ، أو إلى نوع آخر من العذاب ; بناء على مذهبه من تخليد أهل الكبائر في النار ، وجعل الاستثناء الثاني دالا على نجاة أهل الكبائر من العذاب ، فكأنه تصور أن الاستثناء الثاني لما لم يحمل على انقطاع النعيم ; لقوله تعالى : عطاء غير مجذوذ ( هود : 108 ) فكذا الاستثناء الأول لا يحمل على انقطاع عذاب الجحيم ; لتناسب أطراف الكلام .

وقال : معنى قوله : إن ربك فعال لما يريد ( هود : 107 ) عقب الاستثناء الأول في مقابلة قوله : عطاء غير مجذوذ ( هود : 108 ) عقب الثاني ، أن الله تعالى يفعل بأهل النار ما يريد من العذاب ، كما يعطي لأهل الجنة عطاءه الذي لا انقطاع له .

قيل : وما أصدق في سياق الزمخشري في هذا الموضع قول القائل :

حفظت شيئا وغابت عنك أشياء

[ ص: 130 ] وذلك لأن ظاهر الاستثناء هو الإخراج عن حكم ما قبله ، ولا موجب للعدول عن الظاهر في الاستثناء الأول ، فحمل على النجاة .

ولما كان إنجاء المستحق العذاب محل تعجب وإنكار عقبه بقوله : إن ربك فعال لما يريد ( هود : 107 ) أي : من العذاب والإنجاء منه بفضله ، ولا يتوجه عليه اعتراض أحد ; يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد .

وأما الاستثناء الثاني فلما لم يكن على ظاهره كان إخراج أهل الجنة المستحقين للثواب وقطع النعيم لا يناسب إنجاء أهل النار المستحقين للعذاب ، فلذا عقب بقوله : عطاء غير مجذوذ ( هود : 108 ) بيانا للمقصود .

ورعاية هذا الباب أولى من رعاية الباب الذي توهم الزمخشري ; فإن حاصله يرجع إلى أن الاستثناء الثاني لما لم يكن على ما هو الظاهر في باب الاستثناء ينبغي ، ألا يكون الاستثناء الأول أيضا على ما هو الظاهر ، ولا يخفى على المنصف أنه تعسف .

وأما قوله تعالى : ليس لهم طعام إلا من ضريع ( الغاشية : 6 ) فالمعنى : لا طعام لهم أصلا ; لأن الضريع ليس بطعام البهائم فضلا عن الإنس ; وذلك كقولك : ليس لفلان ظل إلا الشمس ; تريد بذلك نفي الظل عنه على التوكيد ، والضريع نبت ذو شوك يسمى الشبرق في حال خضرته وطراوته ، فإذا يبس سمي الضريع ، والإبل ترعاه طريا لا يابسا .

وقريب منه تأكيد المدح بما يشبه الذم ، بأن يستثنى من صفة ذم منفية عن الشيء صفة مدح بتقدير دخولها فيها ; كقوله تعالى : لا يسمعون فيها لغوا ولا تأثيما إلا قيلا سلاما سلاما ( الواقعة : 25 - 26 ) التأكيد فيه من وجهين على الاتصال في الاستثناء والانقطاع .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث