الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
صفحة جزء
وقسم بعضهم المقابلة إلى أربع :

أحدها أن يأتي بكل واحد من المقدمات مع قرينة من الثواني ، كقوله تعالى : وجعلنا الليل لباسا وجعلنا النهار معاشا ( النبأ : 10 - 11 ) .

والثانية : أن يأتي بجميع المقدمات مع قرينة الثواني مرتبة من أولها ، كما قال تعالى : ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله ( القصص : 73 ) .

[ ص: 507 ] وكذلك : ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ( البقرة : 217 ) .

الثالث : أن يأتي بجميع المقدمات ثم بجميع الثواني مرتبة من آخرها ، ويسمى رد العجز على الصدر ، كقوله تعالى : يوم تبيض وجوه وتسود وجوه فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون وأما الذين ابيضت وجوههم ففي رحمة الله هم فيها خالدون ( آل عمران : 106 - 107 ) .

الرابع : أن يأتي بجميع المقدمات ثم بجميع الثواني مختلطة غير مرتبة ، ويسمى اللف ، كقوله تعالى : وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب ( البقرة : 214 ) فنسبة قوله : متى نصر الله ( البقرة : 214 ) إلى قوله : والذين آمنوا . كنسبة قوله : يقول الرسول . إلى ألا إن نصر الله قريب ؛ لأن القولين المتباينين يصدران عن متباينين .

وكما قال تعالى : ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ما عليك من حسابهم من شيء وما من حسابك عليهم من شيء فتطردهم فتكون من الظالمين ( الأنعام : 52 ) فنسبة قوله : ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ( الأنعام : 52 ) إلى قوله : فتكون من الظالمين ( الأنعام : 52 ) كنسبة قوله : ما عليك من حسابهم من شيء وما من حسابك عليهم ( الأنعام : 52 ) إلى قوله : فتطردهم ( الأنعام : 52 ) فجمع المقدمين التاليين بالالتفات .

وجعل بعضهم من أقسام التقابل مقابلة الشيء بمثله وهو ضربان :

مقابل في اللفظ دون المعنى ، كقوله تعالى : ومكروا مكرا ومكرنا مكرا ( النمل : 50 ) .

[ ص: 508 ] ومقابل في المعنى دون اللفظ ، كقوله تعالى : قل إن ضللت فإنما أضل على نفسي وإن اهتديت فبما يوحي إلي ربي ( سبأ : 50 ) فإنه لو كان التقابل هنا من جهة اللفظ ، لكان التقدير : " وإن اهتديت فإنما اهتديت لها " .

وبيان تقابل هذا الكلام من جهة المعنى ، أن النفس كل ما هو عليها لها ، فهو ، أعني أن كل ما هو وبال عليها وصار لها فهو بسببها ومنها ؛ لأنها أمارة بالسوء ، وكل ما هو مما ينفعها فبهداية ربها وتوفيقه إياها ، وهذا حكم لكل مكلف ، وإنما أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يسند إلى نفسه ؛ لأنه إذا دخل تحته مع علو محله كان غيره أولى به .

ومن هذا الضرب قوله تعالى : ألم يروا أنا جعلنا الليل ليسكنوا فيه والنهار مبصرا إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون ( النمل : 86 ) فإنه لم يدع التقابل في قوله : ليسكنوا فيه والنهار مبصرا لأن القياس يقتضي أن يكون " والنهار لتبصروا فيه " ، وإنما هو مراعى من جهة المعنى لا من جهة اللفظ ؛ لأن معنى " مبصرا " تبصرون فيه طرق التقلب في الحاجات .

واعلم أن في تقابل المعاني بابا عظيما يحتاج إلى فضل تأمل ، وهو يتصل غالبا بالفواصل ، كقوله تعالى : إنما نحن مصلحون ألا إنهم هم ( البقرة : 11 - 12 ) إلى قوله : لا يشعرون ( البقرة : 12 ) .

وقوله : وإذا قيل لهم آمنوا كما آمن الناس ( البقرة : 13 ) إلى قوله : لا يعلمون ( البقرة : 13 ) .

فانظر فاصلة الثانية ( يعلمون ) والتي قبلها ( يشعرون ) لأن أمر الديانة والوقوف [ ص: 509 ] على أن المؤمنين يجتمعون وهم مطيعون يحتاج إلى نظر واستدلال ، حتى يكسب الناظر المعرفة والعلم ؛ وإنما النفاق - وما فيه من الفتنة والفساد - أمر دنيوي مبني على العادات معلوم عند الناس ، فلذلك قال فيه : يعلمون .

وأيضا فإنه لما ذكر السفه في الآية الأخرى - وهو جهل - كان ذكر العلم طباقا . وعلى هذا تجيء فواصل القرآن ، وقد سبق في بابه .

ومن المقابلة قوله تعالى : الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء والله يعدكم مغفرة منه وفضلا ( البقرة : 268 ) فتقدم اقتران الوعد بالفقر والأمر بالفحشاء ، ثم قوبل بشيء واحد ، وهو الوعد ، فأوهم الإخلال بالثاني ، وليس كذلك ؛ وإنما لما كان الفضل مقابلا للفقر ، والمغفرة مقابلة للأمر بالفحشاء ؛ لأن الفحشاء توجب العقوبة ، والمغفرة تقابل العقوبة ، استغني بذكر المقابل عن ذكر مقابله ؛ لأن ذكر أحدهما ملزوم ذكر الآخر .

التالي السابق


الخدمات العلمية