الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
صفحة جزء
الثانية : تأتي الصفة لازمة لا للتقييد ، فلا مفهوم لها ، كقوله تعالى : ومن يدع مع الله إلها آخر لا برهان له به ( المؤمنون : 117 ) قال الزمخشري : هو كقوله : وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا ( الأعراف : 33 ) وهي صفة لازمة نحو قوله : يطير بجناحيه ( الأنعام : 38 ) جيء بها للتوكيد ; لا أن يكون في الآلهة ما يجوز إلا أن يقوم عليه برهان ، ويجوز أن يكون اعتراضا بين الشرط والجزاء ; كقولك : من أحسن إلى زيد - لا أحق بالإحسان منه - فالله مثيبه .

وقال الماتريدي : هذا لبيان خاصة الإشراك بالله ألا تقوم على صحته حجة ، لا بيان أنه نوعان كما في قوله : ولا طائر يطير بجناحيه ( الأنعام : 38 ) هو بيان خاصة الطيران لا أنه نوعان .

[ ص: 12 ] وقوله : سفها بغير علم ( الأنعام : 140 ) والسفه لا يكون إلا عن جهل ، وقيل : بغير علم بمقدار قبحه .

وقوله : ويقتلون النبيين بغير الحق ( البقرة : 61 ) ولا يكون قتلهم إلا كذلك ; لأن معناه " بغير الحق " في اعتقادهم ; لأن التصريح بصفة فعلهم القبيح أبلغ في ذمهم وإن كانت تلك الصفة لازمة للفعل ، كما في عكسه : قال رب احكم ‎بالحق ( الأنبياء : 112 ) لزيادة معنى في التصريح بالصفة .

وقال بعضهم : ولأن قتل النبي قد يكون بحق ; كقتل إبراهيم - عليه السلام - ولده ، ولو وجد لكان بحق .

وقال الزمخشري : " إنما قيده لأنهم لم يقتلوا ولم يفسدوا في الأرض ، وإلا استوجبوا القتل بسبب كونه شبهة ، وإنما نصحوهم ودعوهم إلى ما ينفعهم فقتلوهم ، ولو أنصفوا من أنفسهم لم يذكروا وجها يوجب عندهم القتل .

وكقوله تعالى : فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج ( البقرة : 197 ) مع أن ذلك منهي عنه في غير الحج أيضا ، لكن خصص بالذكر هنا لتأكيد الأمر وخطره في الحج ، وأنه لو قدر جواز مثل ذلك في غير الحج لم يجز في الحج ، كيف وهو لا يجوز مطلقا .

وقوله تعالى : وأتموا الحج والعمرة لله ( البقرة : 196 ) ولم يذكر مثل ذلك في قوله تعالى : ثم أتموا الصيام إلى الليل ( البقرة : 187 ) لأن الرياء يقع في الحج كثيرا ، فاعتنى فيه بالأمر بالإخلاص .

وقوله تعالى : ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله ( القصص : 50 ) واتباع الهوى لا يكون إلا كذلك .

وقيل : بل يكون الهوى في الحق ; فلا يكون من هذا النوع .

وقوله تعالى : ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون ( المائدة : 50 ) فإن حكمه تعالى حسن لمن يوقن ولمن لا يوقن ، لكن لما كان القصد ظهور حسنه والاطلاع عليه وصفه بذلك ; لأن الموقن هو الذي يطلع على ذلك دون الجاهل .

[ ص: 13 ] وقوله تعالى : فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ( البقرة : 79 ) والكتابة لا تكون إلا باليد ، ففائدته مباشرتهم ذلك التحريف بأنفسهم ، وذلك زيادة في تقبيح فعلهم ; فإنه يقال : كتب فلان كذا ، وإن لم يباشره بل أمر به ، كما في قول علي : " كتب النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم الحديبية .

التالي السابق


الخدمات العلمية