الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
صفحة جزء
القسم السادس والعشرون الزيادة والأكثرون ينكرون إطلاق هذه العبارة في كتاب الله ويسمونه التأكيد ، ومنهم من يسميه بالصلة ، ومنهم من يسميه المقحم .

قال ابن جني : " كل حرف زيد في كلام العرب فهو قائم مقام إعادة الجملة مرة أخرى ، وبابها الحروف والأفعال .

[ ص: 148 ] كقوله تعالى : فبما نقضهم ميثاقهم ( المائدة : 13 ) فبما رحمة من الله ( آل عمران : 159 ) .

وقوله : قالوا كيف نكلم من كان في المهد صبيا ( مريم : 29 ) قيل : كان هاهنا زائدة ، وإلا لم يكن فيه إعجاز ; لأن الرجال كلهم كانوا في المهد ، وانتصب صبيا على الحال .

وقال ابن عصفور : هي في كلامهم زيدت في وسط الكلام للتأكيد ، وهي مؤكدة للماضي في قالوا .

ومنه زيادة " أصبح " قال حازم : " إن كان الأمر الذي ذكر أنه أصبح فيه يكن أمسى فيه ، فليست زائدة ، وإلا فهي زائدة ; كقولك : " أصبح العسل حلوا " .

وأجاب الرماني عن قوله : ( فأصبحوا خاسرين ) ( المائدة : 53 ) ، " فإن العادة أن من به علة تزاد عليه بالليل يرجو الفرج عند الصباح ، فاستعمل " أصبح " ; لأن الخسران جعل لهم في الوقت الذي يرجون فيه الفرج ، فليست زائدة .

وهو معنى قول غيره : إنها تأتي للدوام واستمرار الصفة ، كقوله تعالى : فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم ( الأحقاف : 25 ) وأصبح الذين تمنوا مكانه بالأمس ( القصص : 82 ) .

وأما قوله تعالى : ظل وجهه مسودا وهو كظيم ( النحل : 58 ) فهو على الأصل لظهور الصفة نهارا ، والمراد الدوام أيضا ، أي : استقرت له الصفة نهاره .

واعلم أن الزيادة واللغو من عبارة البصريين ، والصلة والحشو من عبارة الكوفيين ، [ ص: 149 ] قال سيبويه عقب قوله تعالى : ( فبما نقضهم ) ( النساء : 155 ) إن " ما " لغو لأنها لم تحدث شيئا .

والأولى اجتناب مثل هذه العبارة في كتاب الله تعالى ، فإن مراد النحويين بالزائد من جهة الإعراب لا من جهة المعنى ، فإن قوله : فبما رحمة من الله لنت لهم ( آل عمران : 159 ) معناه " ما لنت لهم إلا رحمة " وهذا قد جمع نفيا وإثباتا ، ثم اختصر على هذه الإرادة ، وجمع فيه بين لفظي الإثبات وأداة النفي التي هي " ما " .

وكذا قوله تعالى : ( إنما الله إله واحد ) ( النساء : 171 ) ، فـ " إنما " هاهنا حرف تحقيق وتمحيق ، إن هنا للتحقيق ، وما للتمحيق فاختصر ، والأصل : " ما الله اثنان فصاعدا ، وأنه إله واحد " .

وقد اختلف في وقوع الزائد في القرآن ; فمنهم من أنكره ، قال الطرطوشي في " العمدة " : " زعم المبرد وثعلب ألا صلة في القرآن ، والدهماء من العلماء والفقهاء والمفسرين على إثبات الصلات في القرآن ، وقد وجد ذلك على وجه لا يسعنا إنكاره فذكر كثيرا " .

وقال ابن الخباز في " التوجيه " : " وعند ابن السراج أنه ليس في كلام العرب زائد ; لأنه تكلم بغير فائدة وما جاء منه حمله على التوكيد .

ومنهم من جوزه وجعل وجوده كالعدم ; وهو أفسد الطرق .

وقد رد على فخر الدين الرازي قوله : إن المحققين على أن المهمل لا يقع في كلام [ ص: 150 ] الله سبحانه ، فأما في قوله تعالى : فبما رحمة من الله ( آل عمران : 159 ) فيمكن أن تكون استفهامية للتعجب ، والتقدير : " فبأي رحمة " فجعل الزائد مهملا ، وليس كذلك ; لأن الزائد ما أتي به لغرض التقوية والتوكيد ، والمهمل ما لم تضعه العرب ، وهو ضد المستعمل ، وليس المراد من الزيادة [ ما أتى ] ، حيث ذكرها النحويون إهمال اللفظ ، ولا كونه لغوا فتحتاج إلى التنكب عن التعبير بها إلى غيرها ; فإنهم إنما سموا " ما " زائدة هنا لجواز تعدي العامل قبلها إلى ما بعدها ، لا لأنها ليس لها معنى .

وأما ما قاله في الآية : إنها للاستفهام التعجبي ، فقد انتقد عليه بأن قيل : تقديره " فبأي رحمة " دليل على أنه جعل " ما " مضافة للرحمة ، وأسماء الاستفهام التعجبي لا يضاف منها غير " أي " ; وإذا لم تصح الإضافة كان ما بعدها بدلا منها ، والمبدل من اسم الاستفهام يجب معه ذكر همزة الاستفهام ، وليست الهمزة مذكورة ; فدل على بطلان هذه الدعوى ; وسنبين في فصل زيادة الحروف الفائدة في إدخال " ما " هاهنا فانظر هناك .

التالي السابق


الخدمات العلمية