الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
صفحة جزء
الثاني : في أسبابه : فمنها : مجرد الاختصار والاحتراز عن العبث بناء على الظاهر ، نحو : الهلال والله ، أي : هذا ; فحذف المبتدأ استغناء عنه بقرينة شهادة الحال ، إذ لو ذكره مع ذلك لكان عبثا من القول .

ومنها التنبيه على أن الزمان يتقاصر عن الإتيان ، بالمحذوف وأن الاشتغال بذكره يفضي إلى تفويت المهم ، وهذه هي فائدة باب التحذير ; نحو : إياك والشر ، والطريق الطريق ، والله الله ، وباب الإغراء هو لزوم أمر يحمد به ، وقد اجتمعا في قوله تعالى : ناقة الله وسقياها ( الشمس : 13 ) على التحذير ; أي : احذروا ناقة الله فلا تقربوها ، و " سقياها " إغراء بتقدير الزموا ناقة الله .

ومنها التفخيم والإعظام ; قال حازم في " منهاج البلغاء " : إنما يحسن الحذف ما لم يشكل به المعنى ; لقوة الدلالة عليه أو يقصد به تعديد أشياء ، فيكون في تعدادها طول وسآمة فيحذف ويكتفي بدلالة الحال عليه ، وتترك النفس تجول في الأشياء المكتفى بالحال عن ذكرها على الحال ، قال : وبهذا القصد يؤثر في المواضع التي يراد بها التعجب والتهويل على النفوس ، ومنه قوله تعالى في وصف أهل الجنة : حتى إذا جاءوها وفتحت أبوابها ( الزمر : 73 ) فحذف الجواب ; إذ كان وصف ما يجدونه ويلقونه عند ذلك لا يتناهى ، فجعل الحذف دليلا على ضيق الكلام عن وصف ما يشاهدونه ، وتركت النفوس تقدر ما شأنه ، [ ص: 178 ] ولا يبلغ مع ذلك كنه ما هنالك ; لقوله عليه الصلاة والسلام : لا عين رأت ، ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر .

قلت : ومنه : فغشيهم من اليم ما غشيهم ( طه : 78 ) ما لا يعلم كنهه إلا الله ، قال الزمخشري : وهذا من باب الاختصار ومن جوامع الكلم المتحملة - مع قلتها - للمعاني الكثيرة .

ومنها : التخفيف ; لكثرة دورانه في كلامهم ، كما في حذف حرف النداء في نحو : يوسف أعرض عن هذا ( يوسف : 29 ) وغيره ، قال سيبويه : العرب تقول : لا أدر ; فيحذفون الياء ، والوجه " لا أدري " ; لأنه رفع ، وتقول : " لم أبل " فيحذفون الألف ، والوجه " لم أبال " ويقولون : " لم يك " فيحذفون النون ; كل ذلك يفعلونه استخفافا لكثرته في كلامهم .

ومنها : حذف نون التثنية والجمع وأثرها باق ، نحو " الضاربا زيدا " و " الضاربو زيدا " وقراءة من قرأ : ( والمقيمي الصلاة ) ( الحج : 35 ) كأن النون ثابتة ، فعلوا ذلك لاستطالة الموصول في الصلة ; نحو : والليل إذا يسري ( الفجر : 4 ) حذفت الياء للتخفيف .

ويحكى عن الأخفش أن المؤرج السدوسي سأله فقال : لا أجيبك حتى تنام على [ ص: 179 ] بابي ليلة ، ففعل ، فقال له : إن عادة العرب إذا عدلت بالشيء عن معناه نقصت حروفه ، والليل لما كان لا يسري وإنما يسرى فيه ، نقص منه حرف ، كما في قوله : وما كانت أمك بغيا ( مريم : 28 ) الأصل " بغية " فلما حول ونقل عن فاعل نقص منه حرف .

انتهى .

ومنها رعاية الفاصلة ; نحو : ما ودعك ربك وما قلى ( الضحى : 3 ) والليل إذا يسري ( الفجر : 4 ) ونحوه .

وقال الرماني : إنما حذفت الياء في الفواصل لأنها على نية الوقف ، وهي في ذلك كالقوافي التي لا يوقف عليها بغير ياء .

ومنها : أن يحذف صيانة له كقوله تعالى : قال فرعون وما رب العالمين ( الشعراء : 23 ) إلى قوله : إن كنتم تعقلون ( الشعراء : 28 ) حذف المبتدأ في ثلاثة مواضع : قبل ذكر الرب ، أي : هو رب السماوات ، والله ربكم ، والله رب المشرق ; لأن موسى عليه السلام استعظم حال فرعون وإقدامه على السؤال تهيبا وتفخيما ، فاقتصر على ما يستدل به من أفعاله الخاصة به ; ليعرفه أنه ليس كمثله شيء وهو السميع البصير .

ومنها : صيانة اللسان عنه ; كقوله تعالى : صم بكم عمي ( البقرة : 18 ) أي : هم .

ومنها : كونه لا يصلح إلا له ; كقوله تعالى : عالم الغيب والشهادة ( المؤمنون : 92 ) فعال لما يريد ( البروج : 16 ) .

ومنها : شهرته حتى يكون ذكره وعدمه سواء ، قال الزمخشري : وهو نوع من دلالة الحال التي لسانها أنطق من لسان المقال ، كقول رؤبة : خير ; جواب لمن قال : [ ص: 180 ] كيف أصبحت ؟ فحذف الجار ، وعليه حمل قراءة حمزة : ( تساءلون به والأرحام ) ( النساء : 1 ) لأن هذا مكان شهر بتكرير الجار ، فقامت الشهرة مقام الذكر .

وكذا قال الفارسي متخلصا من عدم إعادة حرف الجر في المعطوف على الضمير المجرور : إنه مجرور بالجار المقدر ، أي : و " بالأرحام " وإنما حذفت استغناء به في المضمر المجرور قبله .

فإن قلت : هذا المقدر يحيل المسألة ; لأنه يصير من عطف الجار والمجرور على مثله .

قلت : إعادة الجار شرط لصحة العطف ; لا أنه مقصود لذاته .

التالي السابق


الخدمات العلمية