الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
صفحة جزء
السابع

الشرف وهو أنواع

منها شرف الرسالة ؛ كقوله تعالى : وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي ( الحج : 52 ) فإن الرسول أفضل من النبي ؛ خلافا لابن عبد السلام .

وقوله : الذين يتبعون الرسول النبي الأمي ( الأعراف : 157 ) وقوله : وكان رسولا نبيا ( مريم : 54 ) ومنها شرف الذكورة .

كقوله تعالى : إن المسلمين والمسلمات ( الأحزاب : 35 ) .

وقوله : ألكم الذكر وله الأنثى ( النجم : 21 ) .

وقوله : رجالا كثيرا ونساء ( النساء : 1 ) .

وأما تقديم الإناث في قوله تعالى : يهب لمن يشاء إناثا ( الشورى : 49 ) فلجبرهن ؛ إذ هن موضع الانكسار ، ولهذا جبر الذكور بالتعريف ؛ للإشارة إلى ما فاتهم من فضيلة التقديم .

ويحتمل أن تقديم الإناث ؛ لأن المقصود بيان أن الخلق كله بمشيئة الله تعالى ، لا على وفق غرض العباد .

ومنها شرف الحرية ؛ كقوله تعالى : الحر بالحر والعبد بالعبد ( البقرة : 178 ) ومن الغريب حكاية بعضهم قولين في أن الحر أشرف من العبد أم لا ، حكاه عنه القرطبي في تفسير سورة النساء ، فلينظر فيه .

[ ص: 323 ] ومنها شرف العقل ؛ كقوله تعالى : يسبح له من في السماوات والأرض والطير صافات ( النور : 41 ) .

وقوله : متاعا لكم ولأنعامكم ( النازعات : 33 ) .

وأما تقديم الأنعام عليهم في قوله : تأكل منه أنعامهم وأنفسهم ( السجدة : 27 ) فمن باب تقديم السبب ، وقد سبق .

ومنها شرف الإيمان ؛ كقوله تعالى : وإن كان طائفة منكم آمنوا بالذي أرسلت به وطائفة لم يؤمنوا ( الأعراف : 87 ) وكذلك تقديم المسلمين على الكافرين في كل موضع ، والطائع على العاصي ، وأصحاب اليمين ثم قال وأصحاب الشمال ( الواقعة : 27 و 41 ) .

ومنها شرف العلم ؛ كقوله تعالى : قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون ( الزمر : 9 ) .

ومنها شرف الحياة ؛ كقوله تعالى : يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ( الروم : 19 ) .

وقوله : وما يستوي الأحياء ولا الأموات ( فاطر : 22 ) وأما تقديم الموت في قوله تعالى : الذي خلق الموت والحياة ( الملك : 2 ) فمن تقدم السبق بالوجود ، وقد سبق .

ومنها شرف المعلوم ؛ نحو : عالم الغيب والشهادة ( المؤمنون : 92 ) فإن علم الغيبيات أشرف من المشاهدات .

ومنه يعلم سركم وجهركم ( الأنعام : 3 ) ويعلم ما تسرون وما تعلنون ( التغابن : 4 ) وأما قوله : فإنه يعلم السر وأخفى ( طه : 7 ) أي : من السر ، فعن ابن [ ص: 324 ] عباس وغيره : السر : ما أسررت في نفسك ، وأخفى منه ما لم تحدث به نفسك مما يكون في غد ، علم الله فيهما سواء ، ولا شك أن الآتي أبلغ وفيه وجهان :

أحدهما : أنه أفعل تفضيل يستدعي مفضلا عليه ، علم حتى يتحقق في نفسه ، فيكون حينئذ تقديم السر من النوع الأول .

وثانيهما : مراعاة رءوس الآي .

ومنها شرف الإدراك ، كتقديم السمع على البصر ، والسميع على البصير ؛ لأن السمع أشرف على أرجح القولين عند جماعة ، وقدم القلب عليهما في قوله تعالى : ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة ( البقرة : 7 ) لأن الحواس خدمة القلب ، وموصلة إليه ؛ وهو المقصود ، وأما قوله : وختم على سمعه وقلبه ( الجاثية : 23 ) فأخر القلب فيها ؛ لأن العناية هناك بذم المتصامين عن السماع ؛ ومنهم الذين كانوا يجعلون القطن في آذانهم حتى لا يسمعوا ، ولهذا صدرت السورة بذكرهم ، في قوله : ويل لكل أفاك أثيم يسمع آيات الله تتلى عليه ثم يصر مستكبرا كأن لم يسمعها ( الجاثية : 7 - 8 ) .

ومنها شرف المجازاة ؛ كقوله : من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ومن جاء بالسيئة ( الأنعام : 160 ) .

ومنها شرف العموم ؛ فإن العام أشرف من الخاص ، كتقديم ( العفو ) على ( الغفور ) أي : عفو عما لم يؤاخذنا به مما نستحقه بذنوبنا ، غفور لما واخذنا به في الدنيا ، قبلنا ورجعنا [ ص: 325 ] إليه فتقدم العفو على الغفور ؛ لأنه أعم ، وأخرت المغفرة لأنها أخص .

ومنها شرف الإباحة للإذن بها ؛ كقوله تعالى : ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام ( النحل : 116 ) وإنما تقدم الحرام في قوله : فجعلتم منه حراما وحلالا ( يونس : 59 ) فللزيادة في التشنيع عليهم ، أو لأجل السياق ؛ لأن قبله : فكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا ( النحل : 114 ) ثم إنما حرم عليكم الميتة ( النحل : 115 ) .

ومنها الشرف بالفضيلة ، كقوله تعالى : مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين ( النساء : 69 ) .

وقوله : ومنك ومن نوح ( الأحزاب : 7 ) .

وقوله : محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم ( الفتح : 29 ) الآية .

وقوله : ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان ( الأنبياء : 48 ) .

ثم بعثنا من بعدهم موسى وهارون ( يونس : 75 ) .

وقوله : رب موسى وهارون ( الأعراف : 122 - الشعراء : 48 ) في الأعراف والشعراء ، فإن موسى استأثر باصطفائه تعالى له بتكليمه ، وكونه من أولي العزم .

فإن قلت : فقد جاء : هارون وموسى في سورة طه بتقديم هارون .

قلنا : لتناسب رءوس الآي .

ومنه تقديم جبريل على ميكائيل في قوله تعالى : من كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال ( البقرة : 98 ) لأن جبريل صاحب الوحي والعلم ، وميكائيل صاحب الأرزاق ، والخيرات النفسانية أفضل من الخيرات الجسمانية .

ومنه تقديم ( المهاجرين ) في قوله تعالى : لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار ( التوبة : 117 ) .

[ ص: 326 ] وقوله : والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار ( التوبة : 100 ) ويدل على فضيلة الهجرة قوله - صلى الله عليه وسلم - : لولا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار وبالآية احتج الصديق على تفضيلهم وتعيين الإمامة فيهم .

ومنه قوله : صلوا عليه وسلموا تسليما ( الأحزاب : 56 ) فإن الصلاة أفضل من السلام .

وقوله : وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين ( البقرة : 177 ) قدم القريب لأن الصدقة عليه أفضل من الأجنبي .

ومنه تقديم الوجه في قوله تعالى : فاغسلوا وجوهكم وأيديكم ( المائدة : 6 ) .

وتقديم اليمين على الشمال في نحو : جنتان عن يمين وشمال ( سبأ : 15 ) عن اليمين وعن الشمال ( المعارج : 37 ) .

ومنه تقديم الأنفس على الأموال في قوله تعالى : إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم ( التوبة : 111 ) وأما تقديم الأموال في سورة الأنفال في قوله : وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله ( الأنفال : 72 ) فوجه التقديم أن الجهاد يستدعي تقديم إنفاق الأموال ، فهو من باب السبق بالسببية .

ومنه محلقين رءوسكم ومقصرين ( الفتح : 27 ) فإن الحلق أفضل من التقصير .

[ ص: 327 ] ومنه تقديم السماوات على الأرض كقوله : خلق الله السماوات والأرض بالحق ( العنكبوت : 44 ) وهو كثير ، وكذلك كثيرا ما يقع " السماوات " بلفظ الجمع ، والأرض لم تقع إلا مفردة .

وأما تأخيرها عنها في قوله تعالى : وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ( يونس : 61 ) فلأنه لما ذكر المخاطبين وهو قوله : ولا تعملون من عمل إلا كنا عليكم شهودا إذ تفيضون فيه ( يونس : 61 ) وهو خطاب لأهل الأرض ، وعملهم يكون في الأرض ، وهذا بخلاف الآية التي في سبأ ، فإنها منتظمة في سياق علم الغيب .

وكذلك قوله : إن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء ( آل عمران : 5 ) .

وأما تأخيرها عنها في قوله : والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه ( الزمر : 67 ) فلأن الآية في سياق الوعد والوعيد ، وإنما هو لأهل الأرض وعملهم يكون في الأرض ، وهذا بخلاف الآية .

قوله تعالى : يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات ( إبراهيم : 48 ) .

ومنه تقديم الإنس على الجن في قوله : قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ( الإسراء : 88 ) الآية .

وقوله : فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان ( الرحمن : 39 ) .

وقوله : لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان ( الرحمن : 56 ) .

وقوله : وأنا ظننا أن لن تقول الإنس والجن على الله كذبا ( الجن : 5 ) .

[ ص: 328 ] وقوله : خلق الإنسان من صلصال كالفخار وخلق الجان من مارج من نار ( الرحمن : 14 - 15 ) .

وأما تقديم الجن في مواضع أخر ؛ كقوله : يامعشر الجن والإنس ( الأنعام : 130 ) فلأنهم أقدم في الخلق ، فيكون من النوع الأول ، أعني التقديم بالزمان ، ولهذا لما أخر في آية الحجر صرح بالقبلية بذكر خلق الإنسان ، ثم قال : والجان خلقناه من قبل ( الحجر : 27 ) .

ويجوز أن يكون في الأمثلة السالفة من باب تقديم الأعجب ؛ لأن خلقها أغرب ، كقوله تعالى : فمنهم من يمشي على بطنه ومنهم من يمشي على رجلين ومنهم من يمشي على أربع ( النور : 45 ) .

أو لأنهم أقوى أجساما وأعظم أقداما ، ولهذا قدموا في : يامعشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السماوات والأرض ( الرحمن 33 ) وفي : وحشر لسليمان جنوده من الجن والإنس والطير ( النمل : 17 ) .

ومنه تقديم السجد على الراكعين في قوله : واسجدي واركعي مع الراكعين ( آل عمران : 43 ) وسبق فيه شيء آخر .

ومنه تقديم الخيل على البغال ، والبغال على الحمير ، في قوله تعالى : والخيل والبغال والحمير لتركبوها ( النحل : 8 ) .

ومنه تقديم الذهب على الفضة في قوله : والذين يكنزون الذهب والفضة ( التوبة : 34 ) .

[ ص: 329 ] فإن قلت : فهل يجوز فيه أن يكون من تقديم المذكر على المؤنث ؟

قلت : هيهات ، الذهب أيضا مؤنث ، ولهذا يصغر على " ذهيبة " كـ " قدم " .

ومنه تقديم الصوف في قوله : ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها ( النحل : 80 ) ولهذا احتج به بعض الصوفية على اختيار لبس الصوف على غيره من الملابس ، وأنه شعار الملائكة في قوله : مسومين ( آل عمران : 125 ) قيل : سيماهم يومئذ الصوف ، وعن علي : الصوف الأبيض . رواه أبو نعيم في كتاب " مدح الصوف " ، وقال : إنه شعار الأنبياء . وقال ابن مسعود : " كانت الأنبياء عليهم السلام قبلكم يلبسون الصوف " . وفي الصحيح في موسى عليه السلام : عليه عباءة .

ومنه تقديم الشمس على القمر في قوله تعالى : والشمس والقمر ( الحج : 18 ) وقوله : وجعل فيها سراجا وقمرا منيرا ( الفرقان : 61 ) ولهذا قال تعالى : جعل الشمس ضياء والقمر نورا ( يونس : 5 ) والحكماء يقولون : إن نور القمر مستمد من نور الشمس ، قال الشاعر :


يا مفردا بالحسن والشكل من دل عينيك على قتلي     البدر من شمس الضحى نوره
والشمس من نورك تستملي

وأما قوله تعالى : ألم تروا كيف خلق الله سبع سماوات طباقا وجعل القمر فيهن نورا وجعل الشمس سراجا ( نوح : 15 - 16 ) فيحتمل وجهين : مناسبة رءوس الآي ، أو أن [ ص: 330 ] انتفاع أهل السماوات به أكثر . قال ابن الأنباري يقال : إن القمر وجهه يضيء لأهل السماء ، وظهره إلى الأرض ، ولهذا قال تعالى : فيهن لما كان أكثر نوره يضيء إلى أهل السماء .

التالي السابق


الخدمات العلمية