الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
صفحة جزء
[ ص: 346 ] النوع الثاني

مما قدم النية به التأخير

فمنه ما يدل على ذلك الإعراب ، كتقديم المفعول على الفاعل في نحو قوله : إنما يخشى الله من عباده العلماء ( فاطر : 28 ) و لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ( الحج : 37 ) وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات ( البقرة : 124 ) .

ونحوه مما يجب في الصناعة النحوية كذلك ، ولكن ذلك لقصد الحصر كتقديم المفعول كقوله : أفغير الله تأمروني أعبد أيها الجاهلون ( الزمر : 64 ) قل الله أعبد ( الزمر : 14 ) .

وكتقديم الخبر على المبتدأ في قوله : وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من الله ( الحشر : 2 ) ولو قال : " وظنوا أن حصونهم مانعتهم " لما أشعر بزيادة وثوقهم بمنعها إياهم .

وكذا : أراغب أنت عن آلهتي ياإبراهيم ( مريم : 46 ) ولو قال : " أأنت راغب عنها " ما أفادت زيادة الإنكار على إبراهيم .

وكذلك واقترب الوعد الحق فإذا هي شاخصة أبصار الذين كفروا ( الأنبياء : 97 ) ولم يقل : " فإذا أبصار الذين كفروا شاخصة " وكان يستغنى عن الضمير ؛ لأن هذا لا يفيد اختصاص الذين كفروا بالشخوص .

[ ص: 347 ] ومنه ما يدل على المعنى كقوله تعالى : وإذ قتلتم نفسا فادارأتم فيها ( البقرة : 72 ) قال البغوي : " هذا أول القصة ، وإن كانت مؤخرة في التلاوة " .

وقال الواحدي : كان الاختلاف في القاتل قبل ذبح البقرة ، وإنما أخر في الكلام لأنه سبحانه لما قال : إن الله يأمركم ( البقرة : 67 ) الآية ، علم المخاطبون أن البقرة لا تذبح إلا للدلالة على قاتل خفيت عينه عليهم ، فلما استقر علم هذا في نفوسهم أتبع بقوله : وإذ قتلتم نفسا فادارأتم فيها ( البقرة : 72 ) على جهة التوكيد لا أنه عرفهم الاختلاف في القاتل بعد أن دلهم على ذبح البقرة . وقيل : إنه من المؤخر الذي يراد به المقدم ، وتأويله : " وإذ قتلتم نفسا فادارأتم فيها فسألتم موسى فقال لكم : إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة ( البقرة : 67 ) .

وأما الزمخشري ففي كلامه ما يدل على أن إيرادها إنما كان يتأتى على الوجه الواقع في القرآن ؛ لمعنى حسن لطيف استخرجه وأبداه .

ومنه قوله تعالى : أفرأيت من اتخذ إلهه هواه ( الجاثية : 23 ) وأصل الكلام : " هواه إلهه " كما تقول : اتخذ الصنم معبودا ، لكن قدم المفعول الثاني على الأول للعناية ، كما تقول : علمت منطلقا زيدا ؛ لفضل عنايتك بانطلاقه .

ومنه قوله تعالى : الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ( الكهف : 1 ) الآية ؛ أي : أنزله قيما ولم يجعل له عوجا . قاله جماعة ، منهم الواحدي .

ورده فخر الدين في " تفسيره " بأن قوله : ولم يجعل له عوجا قيما ( الكهف : 1 - 2 ) [ ص: 348 ] معناه أنه كامل في ذاته ، وأن قيما معناه أنه مكمل لغيره ، وكونه كاملا في ذاته سابق على كونه مكملا لغيره ؛ لأن معنى كونه " قيما " أنه قائم بمصالح الغير ، قال : فثبت بالبرهان العقلي أن الترتيب الصحيح ما ذكر في الآية ، وما ذكر من التقديم والتأخير فاسد يمتنع العقل من الذهاب إليه . انتهى .

وهذا فهم عجيب من الإمام ؛ لأن القائل بالتقديم والتأخير لا يقول بأن كونه " غير ذي عوج " متأخر عن كونه " قيما " في المعنى ، وإنما الكلام في ترتيب اللفظ لأجل الإعراب ، وقد يكون أحد المعنيين ثابتا قبل الآخر ويذكر بعده .

وأيضا فإن هذا البحث إنما هو على تفسير القيم بالمستقيم ، فأما إذا فسر بالقيام على غيره فلا نسلم أن هذا القائل يقول بالتقديم والتأخير .

وهاهنا أمران :

أحدهما : أن الأظهر جعل هذه الجملة - أعني قوله : ولم يجعل له عوجا قيما ( الكهف : 1 - 2 ) - من جملة صلة " الذي " وتمامها ، وعلى هذا لا موضع لها من الإعراب لوجهين :

أحدهما : أنها في حيز الصلة ؛ لأنها معطوفة عليها .

والثاني : أنها اعتراض بين الحال وعاملها ، ويجوز في الجملة المذكورة أن يكون موضعها النصب على أنها حال من " الكتاب " والعامل فيها " أنزل " .

قاله جماعة ، وفيه نظر .

وأما قوله : " قيما " فيجوز في نصبه وجوه :

أحدها - وهو قول الأكثر - : أنه منصوب على الحال من " الكتاب " ، والعامل فيه " أنزل " ، وفي الكلام تقديم وتأخير ، وتقديره : " الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب قيما ، ولم يجعل له عوجا " ، فتكون الجملة على هذا اعتراضا .

[ ص: 349 ] والثاني : أن يكون منصوبا بفعل مقدر ، وتقديره : " ولكن جعله قيما " فيكون مفعولا للفعل المقدر .

والثالث : أن يكون حالا من الضمير في قوله : ولم يجعل له عوجا قيما ( الكهف : 1 - 2 ) وتكون حالا مؤكدة .

واختار صاحب " الكشاف " أن يكون " قيما " مفعولا لفعل مقدر كما ذكرناه ؛ لأن الجملة التي قبلها عنده معطوفة على الصلة ، و " قيما " من تمام الصلة ، وإذا كان حالا يكون فيه فصل بين بعض الصلة وتمامها ، فكان الأحسن جعله معمولا لمقدر .

وقال جماعة ، منهم ابن المنير في " تفسير البحر " بعد نقله كلام الزمخشري : " وعجيب منه كونه لم يجعل الفاصل المذكور حالا أيضا ، ولا فصل ، بل هما حالان متواليان من شيء واحد ، والتقدير : أنزل الكتاب غير معوج .

وهذا القول - وهو جعل الجملة حالا - قد ذكره جماعة قبل ابن المنير . والظاهر أن الزمخشري لم يرتض هذا القول ؛ لأن جعل الجملة حالا لا يفيده ما يفيد العطف ، من نفي العوج عن الكتاب مطلقا غير مقيد بالإنزال وهو المقصود ، فالفائدة التي هي أتم إنما تكون على تقدير استقلال الجملة ، كيف والقول بالتقديم والتأخير منقول عن ابن عباس - رضي الله عنهما - نقله الطبري وغيره .

وقال الواحدي : هو قول جميع أهل اللغة والتفسير ، والزمخشري ربما لاحظ هذا المعنى ولم يمنع جواز غير ما قال ، لكن ما قال هو الأحسن .

[ ص: 350 ] وقال غير ابن المنير في الاعتراض على الزمخشري : إن الجملة وإن كانت مستقلة فهي في حيز الصلة للعطف ، فلم يقع فصل ، ويؤيد ما ذكره صاحب " الكشاف " أن بعض القراء يسكت عند قوله " عوجا " ويفصل بينه وبين " قيما " بسكتة لطيفة ، وهي رواية حفص عن عاصم ، وذلك يحتمل أن يكون لما ذكرنا من تقدير الفصل وانقطاع الكلام عما قبله .

قال ابن المنير : وتحتمل السكتة وجها آخر ؛ وهو أن يكون ذلك لرفع توهم أن يكون " قيما " نعتا للعوج ؛ لأن النكرة تستدعي النعت غالبا ، وقد كثر في كلامهم إيلاء النكرة الجامدة نعتها ؛ كقوله : صراطا مستقيما ( النساء : 68 ) و قرآنا عربيا ( يوسف : 2 ) فإذا ولي النكرة الجامدة اسم مشتق نكرة ظهر فيه معنى الوصف ، فربما خيف اللبس في جعل " قيما " نعتا لـ " عوج " فرفع اللبس بهذه السكتة .

وهذا أيضا فيه نظر ؛ لأن ذلك إنما يتوهم فيما يصلح أن يكون وصفا ، ولا يصلح " قيما " أن يكون وصفا لـ " عوج " ، فإن الشيء لا يوصف بضده ؛ لأن العوج لا يكون قيما ، والأولى ما ذكرناه أولا .

الثاني : نقل الإمام عن بعضهم أن " قيما " بدل من قوله : " عوجا " وهو مشكل ؛ لأنه لا يظهر له وجه .

وقوله تعالى : ولقد همت به وهم بها ( يوسف : 24 ) قيل : التقدير : لقد همت [ ص: 351 ] به لولا أن رأى برهان ربه ، وهم بها . وهذا أحسن ؛ لكن في تأويله قلق ، ولا يحتاج إلى هذا التأويل إلا على قول من قال : إن الصغائر يجوز وقوعها منهم .

وقوله : فضحكت فبشرناها بإسحاق ( هود : 71 ) قيل : أصله : فبشرناها بإسحاق فضحكت ، وقيل : ضحكت ، أي : حاضت بعد الكبر عند البشرى ، فعادت إلى عادات النساء من الحيض والحمل والولادة .

وقوله تعالى : فأردت أن أعيبها ( الكهف : 79 ) قدم على ما بعده ، وهو مؤخر عنه في المعنى ؛ لأن ذلك يحصل للتوافق .

وقوله : فجعله غثاء أحوى ( الأعلى : 5 ) أي : أحوى غثاء ، أي : أخضر يميل إلى السواد ، والموجب لتأخير ( أحوى ) ( الأعلى : 5 ) رعاية الفواصل .

وقوله : ومن يبتغ غير الإسلام دينا ( آل عمران : 85 ) قال ابن برهان النحوي : أصله : ومن يبتغ دينا غير الإسلام .

وقوله : وغرابيب سود ( فاطر : 27 ) قال أبو عبيد : الغربيب : الشديد السواد ، ففي الكلام تقديم وتأخير . وقال صاحب " العجائب والغرائب " : قال ابن عيسى : الغربيب : الذي لونه لون الغراب ، فصار كأنه غراب . قال : والغراب يكون أسود وغير أسود . وعلى هذا فلا تقديم ولا تأخير فيه .

وقوله : ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر ( الأنبياء : 105 ) على قول من يقول : إن الذكر هنا القرآن .

وقوله : حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها ( النور : 27 ) .

[ ص: 352 ] وقوله : اقتربت الساعة وانشق القمر ( القمر : 1 ) .

وقوله : فكذبوه فعقروها ( الشمس : 14 ) أي : فعقروها ، ثم كذبوه في عقرها وفي إجابتهم .

وقوله : ثم قضى أجلا وأجل مسمى عنده ( الأنعام : 2 ) تقديره : ثم قضى أجلا وعنده أجل مسمى ، أي : وقت مؤقت .

وقوله : فاجتنبوا الرجس من الأوثان ( الحج : 30 ) أي : الأوثان من الرجس .

هدى ورحمة للذين هم لربهم يرهبون ( الأعراف : 154 ) أي : يرهبون ربهم .

والذين هم لفروجهم حافظون ( المؤمنون : 5 ) أي : الذين هم حافظون لفروجهم .

فلا تحسبن الله مخلف وعده رسله ( إبراهيم : 47 ) أي : مخلف رسله وعده .

بل الإنسان على نفسه بصيرة ( القيامة : 14 ) أي : بل الإنسان بصير على نفسه في شهود جوارحه عليه .

خلق الإنسان من عجل ( الأنبياء : 37 ) خلق العجل من الإنسان .

ولولا كلمة سبقت من ربك لكان لزاما وأجل مسمى ( طه : 129 ) أي : ولولا كلمة سبقت من ربك وأجل مسمى لكان العذاب لازما لهم .

ألم تر إلى ربك كيف مد الظل ( الفرقان : 45 ) أي : كيف مده ربك .

وإنه لحب الخير لشديد ( العاديات : 8 ) أي : لشديد لحب الخير .

وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركاؤهم ( الأنعام : 137 ) أي : زين للمشركين شركاؤهم قتل أولادهم ؛ لأن الشياطين كانوا يحسنون لهم قتل بناتهم خشية العار .

[ ص: 353 ] وقوله : لعلمه الذين يستنبطونه منهم ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان إلا قليلا ( النساء : 83 ) تقديره : لعلمه الذين يستنبطونه منهم إلا قليلا منهم .

وقوله : إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا ( التوبة : 55 ) أي : فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم في الحياة الدنيا ، إنما يريد الله ليعذبهم بها في الآخرة .

وقوله : مثل الذين كفروا بربهم أعمالهم كرماد اشتدت به الريح ( إبراهيم : 18 ) تقديره : مثل أعمال الذين كفروا بربهم كرماد اشتدت به الريح .

وقوله : فإنهم عدو لي إلا رب العالمين ( الشعراء : 77 ) أي : فأنا عدو آلهتهم وأصنامهم وكل معبود يعبدونه من دون الله .

وقوله : ولو ترى إذ فزعوا فلا فوت وأخذوا ( سبأ : 51 ) أي : فزعوا وأخذوا فلا فوت ؛ لأن الفوت يكون بعد الأخذ .

وقوله : هل أتاك حديث الغاشية ( الغاشية : 1 ) يعني القيامة ، وجوه يومئذ خاشعة ( الغاشية : 2 ) وذلك يوم القيامة ، ثم قال : عاملة ناصبة ( الغاشية : 3 ) والنصب والعمل يكونان في الدنيا ، فكأنه على التقديم والتأخير ، معناه : وجوه عاملة ناصبة في الدنيا ، ويوم القيامة خاشعة ، والدليل عليه قوله : وجوه يومئذ ناعمة ( الغاشية : 8 ) .

وقوله : إن الذين كفروا ينادون لمقت الله أكبر من مقتكم أنفسكم إذ تدعون إلى الإيمان فتكفرون ( غافر : 10 ) تقديره : لمقت الله إياكم في الدنيا حين دعيتم إلى الإيمان فكفرتم ، ومقته إياكم اليوم أكبر من مقتكم أنفسكم إذ دعيتم إلى النار .

[ ص: 354 ] وقوله : حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ( البقرة : 187 ) لأن الفجر ليس له سواد ، والتقدير : حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الفجر من الخيط الأسود من الليل ؛ أي : حتى يتبين لكم بياض الصبح من بقية سواد الليل .

وقوله : ولئن أصابكم فضل من الله ليقولن كأن لم تكن بينكم وبينه مودة ( النساء : 73 ) .

وقوله : كأن لم تكن ( النساء : 73 ) منظوم بقوله : قال قد أنعم الله علي ( النساء : 72 ) لأنه موضع الشماتة .

وقوله : وقال الله لا تتخذوا إلهين اثنين ( النحل : 51 ) أي : اثنين إلهين ؛ لأن اتخاذ اثنين يقع على ما يجوز وما لا يجوز ، و " إلهين " لا يقع إلا على ما لا يجوز فـ " إلهين " أخص ، فكان جعله صفة أولى .

التالي السابق


الخدمات العلمية