الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
صفحة جزء
البحث الخامس

أنه يقرب من الالتفات نقل الكلام إلى غيره

وإنما يفعل ذلك إذا ابتلي العاقل بخصم جاهل متعصب ، فيجب أن يقطع الكلام معه في تلك المسألة ؛ لأنه كلما كان خوضه معه أكثر ، كان بعده عن القبول أشد ، فالوجه حينئذ أن يقطع الكلام معه في تلك المسألة ، وأن يؤخذ في كلام آخر أجنبي ويطنب فيه ، بحيث ينسى الأول ، فإذا اشتغل خاطره به أدرج له أثناء الكلام الأجنبي مقدمة تناسب ذلك المطلب الأول ؛ ليتمكن من انقياده .

وهذا ذكره الإمام أبو الفضل في كتاب " درة التنزيل " ، وجعل منه قوله تعالى : [ ص: 398 ] اصبر على ما يقولون واذكر عبدنا داود ( ص : 17 ) قال : إن قوله : " واذكر " ليس متصلا بما قبله ، بل نقلا لهم عما هم عليه ، والمقدمة المدرجة قوله : وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا ( ص : 27 ) إلى قوله : كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولو الألباب ( ص : 29 ) .

وهذا الذي قاله يخرج الآية عن الاتصال ، مع أن في الاتصال وجوها مذكورة في موضعها .

وألحق به الأستاذ أبو جعفر بن الزبير قوله تعالى : ق والقرآن المجيد بل عجبوا . . . ( ق : 1 - 2 ) الآية ، فهذا إنكار منهم للبعث واستبعاد ، نحو الوارد في سورة " ص " فأعقب ذلك بما يشبه الالتفات بقوله : أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها ( ق : 6 ) إلى قوله في ماء السماء : وأحيينا به بلدة ميتا كذلك الخروج ( ق : 11 ) فبعد العدول عن مجاوبتهم في قولهم : ذلك رجع بعيد ( ق : 3 ) وذكر اختلافهم المسبب عن تكذيبهم ، في قوله : بل كذبوا بالحق لما جاءهم فهم في أمر مريج ( ق : 5 ) صرف تعالى الكلام إلى نبيه والمؤمنين فقال : أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها ( ق : 6 ) إلى قوله : وأحيينا به بلدة ميتا ( ق : 11 ) وذلك حكمة تدرك مشاهدة لا يمكنهم التوقف في شيء منه ولا حفظ عنهم إنكاره ، فعند تكرر هذا قال تعالى : كذلك الخروج ( ق : 11 ) .

ومما يقرب من الالتفات أيضا الانتقال من خطاب الواحد والاثنين والجمع إلى خطاب آخر ، وهو ستة أقسام كما سبق تقسيم الالتفات :

المشهور أحدها : الانتقال من خطاب الواحد لخطاب الاثنين ؛ كقوله تعالى : أجئتنا لتلفتنا عما وجدنا عليه آباءنا وتكون لكما الكبرياء في الأرض ( يونس : 78 ) .

الثاني : من خطاب الواحد إلى خطاب الجمع : ياأيها النبي إذا طلقتم النساء ( الطلاق : 1 ) .

[ ص: 399 ] الثالث : من الاثنين إلى الواحد كقوله : فمن ربكما ياموسى ( طه : 49 ) فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى ( طه : 117 ) .

الرابع : من الاثنين إلى الجمع كقوله : وأوحينا إلى موسى وأخيه أن تبوآ لقومكما بمصر بيوتا واجعلوا بيوتكم قبلة وأقيموا الصلاة وبشر المؤمنين ( يونس : 87 ) وفيه انتقال آخر من الجمع إلى الواحد ، فإنه ثنى ثم جمع ، ثم وحد ، توسعا في الكلام ، وحكمة التثنية أن موسى وهارون هما اللذان يقرران قواعد النبوة ويحكمان في الشريعة ، فخصهما بذلك ، ثم خاطب الجميع باتخاذ البيوت قبلة للعبادة ؛ لأن الجميع مأمورون بها ، ثم قال لموسى وحده : وبشر المؤمنين ( يونس : 87 ) لأنه الرسول الحقيقي الذي إليه البشارة والإنذار .

الخامس من الجمع إلى الواحد كقوله تعالى : وأقيموا الصلاة وبشر المؤمنين ( يونس : 87 ) وقد سبق حكمته ، ومن نظائره قول بعضهم في قوله تعالى : قلنا اهبطوا منها جميعا ( البقرة : 38 ) ثم قال : فإما يأتينكم مني هدى ( البقرة : 38 ) ولم يقل " منا " مع أنه للجمع أو للواحد المعظم نفسه ، وحكمته المناسبة للواقع ، فالهدى لا يكون إلا من الله ، فناسب الخاص للخاص .

السادس : من الجمع إلى التثنية ؛ كقوله : يامعشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا ( الرحمن : 33 ) إلى قوله : فبأي آلاء ربكما تكذبان ( الرحمن : 34 ) .

السابع : ذكر بعضهم من الالتفات تعقيب الكلام بجملة مستقلة ملاقية له في المعنى على طريق المثل أو الدعاء ؛ فالأول كقوله : وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا ( الإسراء : 81 ) والثاني كقوله تعالى : ثم انصرفوا صرف الله قلوبهم ( التوبة : 127 ) .

الثامن : من الماضي إلى الأمر ؛ كقوله تعالى : قل أمر ربي بالقسط وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد وادعوه ( الأعراف : 29 ) وقوله : وأحلت لكم الأنعام إلا ما يتلى عليكم فاجتنبوا الرجس من الأوثان واجتنبوا قول الزور حنفاء لله ( الحج : 30 - 31 ) .

[ ص: 400 ] التاسع : من المستقبل إلى الأمر ؛ تعظيما لحال من أجري عليه المستقبل . وبالضد من ذلك في حق من أجري عليه الأمر ؛ كقوله تعالى : ياهود ما جئتنا ببينة ( هود : 53 ) إلى قوله : بريء مما تشركون ( هود : 54 ) فإنه إنما قال : أشهد الله ( هود : 54 ) واشهدوا ( هود : 54 ) ولم يقل : " وأشهدكم " ؛ ليكون موازنا له ، ولا شك أن معنى إشهاد الله على البراءة صحيح في معنى يثبت التوحيد ؛ بخلاف إشهادهم ، فما هو إلا تهاون بدينهم ، ودلالة على قلة المبالاة به ، فلذلك عدل عن اللفظ الأول ؛ لاختلاف ما بينهما ، وجيء به على لفظ الأمر كما تقول للرجل منكرا : اشهد علي أني أحبك .

العاشر : من الماضي إلى المستقبل ؛ نحو : والله الذي أرسل الرياح فتثير ( فاطر : 9 ) فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير ( الحج : 31 ) إن الذين كفروا ويصدون عن سبيل الله ( الحج : 25 ) .

والحكمة في هذه أن الكفر لما كان من شأنه إذا حصل أن يستمر حكمه عبر عنه بالماضي ، ليفيد ذلك مع كونه باقيا أنه قد مضى عليه زمان ؛ ولا كذلك الصد عن سبيل الله ، فإن حكمه إنما ثبت حال حصوله مع أن في الفعل المستقبل إشعارا بالتكثير ، فيشعر قوله : " ويصدون " أنه في كل وقت بصدد ذلك ، ولو قال : " وصدوا " لأشعر بانقطاع صدهم .

الحادي عشر : عكسه ، كقوله : ويوم ينفخ في الصور ففزع من في السماوات ( النمل : 87 ) ويوم نسير الجبال وترى الأرض بارزة وحشرناهم ( الكهف : 47 ) .

قالوا : والفائدة في الفعل الماضي إذا أخبر به عن المستقبل الذي لم يوجد ، أنه أبلغ [ ص: 401 ] وأعظم موقعا ، لتنزيله منزلة الواقع ، والفائدة في المستقبل إذا أخبر به عن الماضي لتتبين هيئة الفعل باستحضار صورته ، ليكون السامع كأنه شاهد ، وإنما عبر في الأمر بالتوبيخ بالماضي بعد قوله : ينفخ ( النمل : 87 ) للإشعار بتحقيق الوقوع وثبوته ، وأنه كائن لا محالة ؛ كقوله : وبرزوا لله جميعا ( إبراهيم : 21 ) والمعنى : يبرزون ، وإنما قال : وحشرناهم ( الكهف : 47 ) بعد نسير ( الكهف : 47 ) وترى ( الكهف : 47 ) وهما مستقبلان ؛ لذلك .

التالي السابق


الخدمات العلمية