الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
صفحة جزء
الرابع

بالرتبة

كتقديم " سميع " على " عليم " فإنه يقتضي التخويف والتهديد ، فبدأ بالسميع لتعلقه بالأصوات ، وإن من سمع حسك فقد يكون أقرب إليك في العادة ممن يعلم ، وإن كان علم الله يتعلق بما ظهر وما بطن .

وكقوله : غفور رحيم ( البقرة : 173 ) فإن المغفرة سلامة ، والرحمة غنيمة ، والسلامة مطلوبة قبل الغنيمة ، وإنما تأخرت في آية سبأ في قوله : الرحيم الغفور ( سبأ : 2 ) لأنها منتظمة في سلك تعداد أصناف الخلق من المكلفين وغيرهم ، وهو قوله : ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها وهو الرحيم الغفور ( سبأ : 2 ) فالرحمة شملتهم جميعا ، والمغفرة تخص بعضا ، والعموم قبل الخصوص بالرتبة .

وقوله تعالى : هماز مشاء بنميم ( القلم : 11 ) فإن الهماز هو المغتاب ؛ وذلك لا يفتقر إلى شيء بخلاف النميمة .

وقوله تعالى : يأتوك رجالا وعلى كل ضامر ( الحج : 27 ) فإن الغالب أن الذين يأتون رجالا من مكان قريب ، والذين يأتون على الضامر من البعيد . ويحتمل أن [ ص: 320 ] يكون من التقديم بالشرف ؛ لأن الأجر في المشي مضاعف .

وأما قوله تعالى : فإن خفتم فرجالا أو ركبانا ( البقرة : 239 ) مع أن الراكب متمكن من الصلاة أكثر من الماشي ، فجبرا له في باب الرخصة .

ومنه قوله تعالى : وطهر بيتي للطائفين والقائمين والركع السجود ( الحج : 26 ) فقدم الطائفين لقربهم من البيت ، ثم ثنى بالقائمين وهم العاكفون ؛ لأنهم يخصون موضعا بالعكوف ، والطواف بخلافه فكان أعم منه ، والأعم قبل الأخص بالمرتبة ، ثم ثلث بالركوع ؛ لأن الركوع لا يلزم أن يكون في البيت ولا عنده .

ثم في هذه الآية ثلاثة أسئلة :

الأول : كيف جمع الطائفين والقائمين جمع سلامة ، والركع جمع تكسير . والجواب : أن جمع السلامة أقرب إلى لفظ الفعل ؛ فـ ( طائفون ) بمنزلة ( يطوفون ) ففي لفظه إشعار بصلة التطهير ، وهو حدوث الطواف وتجدده ، ولو قال : ( بالطواف ) لم يفد ذلك ؛ لأن لفظ المصدر يخفي ذلك ، وكذا القول في ( القائمين ) وأما ( الراكعون ) فلما سبق أنه لا يلزم كونه في البيت ولا عنده ، فلهذا لم يجمع جمع سلامة ؛ إذ لا يحتاج فيه إلى بيان الفعل الباعث على التطهير كما احتيج فيما قبله .

الثاني : كيف وصف الركع بالسجود ، ولم يعطف بالواو ؟

والجواب : لأن الركع هم السجود ، والشيء لا يعطف على نفسه ؛ لأن السجود يكون عبارة عن المصدر ، وهو هنا عبارة عن الجمع ، فلو عطف بالواو لأوهم إرادة المصدر دون اسم [ ص: 321 ] الفاعل ؛ لأن الراكع إن لم يسجد فليس براكع شرعا ، ولو عطف بالواو لأوهم أنه مستقل ، كالذي قبله .

الثالث : هلا قيل : ( السجد ) كما قيل : ( الركع ) وكما جاء في آية أخرى : تراهم ركعا سجدا ( الفتح : 29 ) والركوع قبل السجود ؟ والجواب أن السجود يطلق على وضع الجبهة بالأرض وعلى الخشوع ، فلو قال : السجد ، لم يتناول إلا المعنى الظاهر ، ومنه : تراهم ركعا سجدا ( الفتح : 29 ) وهو من رؤية العين ، ورؤية العين لا تتعلق إلا بالظاهر ، فقصد بذلك الرمز إلى السجود المعنوي والصوري ، بخلاف الركوع ، فإنه ظاهر في أعمال الظاهر التي يشترط فيها البيت كما في الطواف والقيام المتقدم ، دون أعمال القلب ، فجعل السجود وصفا للركوع وتتميما له ؛ لأن الخشوع روح الصلاة وسرها الذي شرعت له .

التالي السابق


الخدمات العلمية