الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
صفحة جزء
العاشر : التنبيه على علة الحكم كقوله تعالى : فبدل الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم ( البقرة : 59 ) .

وقوله : فإن الله عدو للكافرين ( البقرة : 98 ) أعلمنا أنه من كان عدوا لهؤلاء فهو كافر ، هذا إن خيف الإلباس لعوده للمذكورين .

وكذا قوله : ( فإن الله ) دون " فإنه " .

وكقوله تعالى : فأنزلنا على الذين ظلموا رجزا من السماء ( البقرة : 59 ) ولم يقل : [ ص: 69 ] " عليهم " ; لأنه ليس في الضمير ما في قوله : الذين ظلموا من ذكر الظلم المستحق به العذاب .

وجعل منه الزمخشري قوله تعالى : إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا ( الكهف : 30 ) .

وقوله تعالى : فلعنة الله على الكافرين ( البقرة : 89 ) والأصل " عليهم " ; للدلالة على أن اللعنة لحقتهم لكفرهم .

وليس من ذلك قوله تعالى : إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين ( يوسف : 90 ) فإن العلة قد تقدمت في الشرط ، وإنما فائدة ذلك إثبات صفة أخرى زائدة ، وقال الزمخشري : فائدته اشتماله على المتقين والصابرين .

ومنه قوله : ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول ( النساء : 64 ) لأن شفاعة من اسمه الرسول من الله بمكان عظيم .

وقوله : ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بآياته إنه لا يفلح الظالمون ( الأنعام : 21 ) والقياس " أنهم لا يفلحون " ولو ذكر الظاهر لقال : لا يفلح المفترون ، أو " الكاذبون " ، لكن صرح بالظلم ; تنبيها على أن علة عدم الفلاح الظلم .

وقوله : والذين يمسكون بالكتاب وأقاموا الصلاة إنا لا نضيع أجر المصلحين ( الأعراف : 170 ) ولم يقل : " أجرهم " تنبيها على أن صلاحهم علة لنجاتهم .

وقوله : إنا أعطيناك الكوثر فصل لربك وانحر ( الكوثر : 1 - 2 ) ولم يقل : " لنا " لينبه على أنه أهل لأن يصلي له ; لأنه ربه الذي خلقه وأبدعه ورباه بنعمته .

وكقوله تعالى : من كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال فإن الله عدو للكافرين ( البقرة : 98 ) قال الزمخشري : أراد " عدوا لهم " فجاء بالظاهر ليدل على أن الله [ ص: 70 ] إنما عاداهم لكفرهم ، وأن عداوة الملائكة كفر ، وإذا كانت عداوة الأنبياء كفرا ، فما بال الملائكة وهم أشرف ؟ ! والمعنى : ومن عاداهم عاداه الله ، وعاقبه أشد العقاب المهين .

انتهى .

وقد أدمج في هذا الكلام مذهبه في تفضيل الملك على النبي ، وإن لم يكن مقصودا فهو كما قيل :

وما كنت زوارا ولكن ذا الهوى إلى حيث يهوى القلب تهوي به الرجل

ومثله قول مطيع :

أمي الضريح الذي أسمي     ثم استهل على الضريح

ألا ترى أنه لم يقل : " عليه " ; لأنه باك بذكر الضريح الذي من عادته أن يبكي عليه ويحزن لذكراه .

التالي السابق


الخدمات العلمية