الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
صفحة جزء
التاسعة : فصل الجمل في مقام المدح والذم أبلغ من جعلها نمطا واحدا ، قال أبو [ ص: 27 ] علي الفارسي : إذا ذكرت صفات في معرض المدح والذم فالأحسن أن يخالف في إعرابها ; لأن المقام يقتضي الإطناب ، فإذا خولف في الإعراب كان المقصود أكمل ; لأن المعاني عند الاختلاف تتنوع وتتفنن ، وعند الإيجاز تكون نوعا واحدا .

ومثله في المدح قوله : والمؤمنون يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك والمقيمين الصلاة والمؤتون الزكاة ( النساء : 162 ) فانتصب ( المقيمين ) على القطع وهو من صفة المرفوع الذي هو ( المؤمنون ) وقيل : بل انتصب بالعطف على قوله : ( بما أنزل إليك ) ( النساء : 162 ) وهو مجرور ، وكأنه قال : " يؤمنون بالذي أنزل إليك وبالمقيمين " أي : بإجابة المقيمين ، والأول أولى ; لأن الموضع للتفخيم ، فالأليق به إضمار الفعل حتى يكون الكلام جملة لا مفردا .

ومثله قوله تعالى : ولكن البر من آمن بالله إلى قوله : والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين ( البقرة : 177 ) نص عليه سيبويه ، وجوز السيرافي أن يحمل على قوله : وآتى المال على حبه ذوي القربى ( البقرة : 177 ) إلى أن قال والصابرين ورده الصفار بأنه لا يعطف على الموصول قبل تمام الصلة ، وإن كان والصابرين معطوفا على والسائلين فهو من صلة " من " فكذلك المعطوف عليه .

والصواب أن يكون المعطوف من صلة ( من ) وتكون الصلة كملت عند قوله تعالى : ( وآتى الزكاة ) ( البقرة : 177 ) ثم أخذ في القطع ، ومثاله في الذم وامرأته حمالة الحطب ( المسد : 4 ) بنصب حمالة [ ص: 28 ] تنبيهان : الأول : إنما يحسن القطع بشرطين : أحدهما : أن يكون الموصوف معلوما أو منزلا منزلة المخاطب لا يتصور عنده البناء على مجهول .

وقولنا : " أو منزلا منزلة المعلوم " لا بد منه .

وقال الزمخشري في قوله تعالى : الذي له ملك السماوات والأرض ( الفرقان : 2 ) : رفع على الإبدال من ( الذي نزل ) ( الفرقان : 1 ) أو رفع على المدح ، أو نصب عليه .

قال الطيبي : والإبدال أولى ; لأن من حق صلة الموصول أن تكون معلومة عند المخاطب ، وكونه تعالى : نزل الفرقان على عبده ( الفرقان : 1 ) لم يكن معلوما للعالمين ، فأبدل بقوله : ( له ملك السماوات والأرض ) بيانا وتفسيرا وتبين لك المدح .

وجوابه ما ذكرنا أن المنزل منزلة المعلوم بمنزلة المعلوم ، وهاهنا لقوة دليله أجري مجرى المعلوم ، وجعلت صلة ، نص عليه سيبويه والجمهور .

وثانيهما : أن يكون الصفة للثناء والتعظيم .

وشرط بعضهم ثالثا : وهو تقدم الإتباع ، حكاه ابن بابشاذ .

وزيفه الأستاذ أبو جعفر بن الزبير وقال : إنما يتم ذلك إذا كان الموصوف يفتقر إلى [ ص: 29 ] زيادة بيان ، فحينئذ يتقدم الإتباع ليستحكم العلم بالموصوف ، أما إذا كان معلوما فلا يفتقر إلى زيادة بيان .

قال : والأصل - فيما الصفة فيه مدح أو ذم والموصوف معلوم - قطع الضمير ، وهو الأفصح ، ولا يشترط غير ذلك .

وقد أورد على دعوى أفصحية القطع عند ذلك إجماع القراء السبعة على الإتباع في قوله تعالى : الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين فضعفوا قراءة النصب على القطع مع حصول شرطي القطع .

وأجاب ابن الزبير بأن اختيار القطع مطرد ما لم تكن الصفة خاصة بمن جرت عليه ، لا يليق ولا يتصف بها سواه ، ولا شك أن هذا الضرب قليل جدا ، فكذلك لم يفصح سيبويه باشتراطه ، فإذا كانت الصفة ممن لا يشارك فيها الموصوف غيره ، وكانت مختصة بمن جرت عليه ، فالوجه فيها الإتباع .

ونظير ذلك في صفات الله سبحانه وتعالى مما يتصف به غيره ; فلذلك لم يقطع ، وعليه ورد السماع لهذه الآيات الشريفة .

وكذلك قوله تعالى : حم تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ذي الطول ( غافر 1 - 3 ) لما كان وصفه تعالى بـ ( غافر الذنب ) وما بعده لا يليق بغيره ، لم يكن فيه إلا الإتباع ، والإتباع لا يكون إلا بعد القطع ويلزم الإتباع في الكل .

وهذا مع تكرر الصفات ، وذلك من مسوغات القطع على صفة ما ، وعند بعضهم من غير تقييد بصفة .

وأما الإتباع فيما لم يقع فيه الاختصاص من صفته تعالى فكثير ، فهذا هو السماع وله وجه في القياس ، وهو شبيه بالوارد في سورة والنجم في قوله تعالى : [ ص: 30 ] وأنه هو أضحك وأبكى وأنه هو أمات وأحيا ( النجم : 43 - 44 ) ثم قال بعد : وأنه هو أغنى وأقنى وأنه هو رب الشعرى ( النجم : 48 ، 49 ) فورد في هذه الجمل الأربع الفصل بالضمير المرفوع بين اسم إن وخبرها ; ليتحدد بمفهومه نفي الاتصاف عن غيره تعالى بهذه الأخبار ، وكان الكلام في قوة أن لو قيل : " وأنه هو لا غيره " ، ولم يرد هذا الضمير في قوله تعالى : وأنه خلق الزوجين الذكر والأنثى ( النجم : 45 ) لأن ذلك مما لا يتعاطاه أحد ، لا حقيقة ولا مجازا ولا ادعاء ، بخلاف الإحياء والإماتة ، فيما حكاه الله تعالى عن نمروذ .

قلت : وما ذكره في الجواب يرد عليه قوله تعالى : ( التائبون العابدون ) الآية ( التوبة : 112 ) ، وقوله تعالى : أن يبدله أزواجا خيرا منكن مسلمات ( التحريم : 5 ) الآيات ، ومما يرد عليه بالنسبة لأوصاف الذم قوله : ولا تطع كل حلاف مهين هماز مشاء بنميم الآية ( القلم : - 11 ) ، قد جرت كلها على ما قبلها بالإتباع ، ولم يجئ فيها القطع .

وقرأ الحسن : ( عتل ) ( القلم : 13 ) بالرفع على الذم ، قال الزمخشري : وهذه القراءة تقوية لما يدل عليه بعد ذلك .

الثاني : قد يلتبس المنصوب على المدح بالاختصاص ، وقد فرق سيبويه بينهما فيما بين ; والفرق أن المنصوب على المدح أن يكون المنتصب لفظا يتضمن نفسه مدحا ; نحو : " هذا زيد عاقل قومه " وفي الاختصاص لا يقتضي اللفظ ذلك ، كقوله تعالى : رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت ( هود : 73 ) فيمن نصب ( أهل )

التالي السابق


الخدمات العلمية