الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
صفحة جزء
السابعة : في اجتماع التابع والمتبوع أنهم يقدمون المتبوع فيقولون : " أبيض ناصع " ، و " أصفر فاقع " ، و " أحمر قان " و " أسود غربيب " قال الله تعالى : صفراء فاقع لونها ( البقرة : 69 ) والمعنى أن التبع فيه معنى زيادة الوصف ، فلو قدم لكان ذكر الموصوف بعده عيبا ; إلا أن يكون لمعنى أوجب تقديمه .

[ ص: 25 ] وقد أشكل على هذه القاعدة قوله تعالى : وغرابيب سود ( فاطر : 27 ) وهي من الآيات التي صدئت فيها الأذهان الصقيلة ، وعادت بها أسنة الألسنة مفلولة ، ومن جملة العجائب أن شيخا أراد أن يحتج على مدرس لما ذكر له هذا السؤال فقال : إنما ذكر السواد لأنه قد يكون في الغربان ما فيه بياض ، وقد رأيته ببلاد المشرق ! فلم يفهم من الآية إلا أن الغرابيب هو الغراب ، ولا قوة إلا بالله .

والذي يظهر في ذلك أن الموجب لتقديم الغرابيب هو تناسب الكلم وجريانها على نمط متساوي التركيب ، وذلك أنه لما تقدم البيض والحمر دون إتباع كان ، كان الأليق بحسن النسق وترتيب النظام أن يكون السود كذلك ، ولكنه لما كان في هذا " السود " هنا زيادة الوصف ، كان الأليق في المعنى أن يتبع بما يقتضي ذلك ، وهو الغرابيب ، فيقابل حظ اللفظ وحظ المعنى ، فوفى الخطاب وكمل الغرضان جميعا ، ولم يطرح أحدهما الآخر فيقع النقص من جهة الطرح ، وذلك بتقديم " الغرابيب " على " السود " فوقع في لفظ الغرابيب حظ المعنى في زيادة الوصف ، وفي ذكر السود مفردا من الإتباع حظ اللفظ ; إذ جاء مجردا عن صورة البيض والحمر ، فاتسقت الألفاظ كما ينبغي ، وتم المعنى كما يجب ، ولم يخل بواحدة من الوجهين ، ولم يقتصر على " الغرابيب " وإن كانت متضمنة لمعنى " السود " لئلا تتنافر الألفاظ ، فإن ضم الغربيب إلى البيض والحمر ولزها في قرن واحد :

كابن اللبون إذا ما لز في قرن

[ ص: 26 ] وذلك غير مناسب لتلاؤم الألفاظ وتشاكلها ، وبذكر السود وقع الالتئام ، واتسق نسق النظام ، وجاء اللفظ والمعنى في درجة التمام ، وهذا لعمر الله من العجائب التي تكل دونها العقول ، وتعيا بها الألسن لا تدري ما تقول ، والحمد لله .

ثم رأيت أبا القاسم السهيلي أشار إلى معنى غريب ، فنقل عن أبي حنيفة الدينوري أن " الغربيب " اسم لنوع من العنب وليس بنعت ، قال : ومن هذا يفهم معنى الآية ، وسود عندي بدل لا نعت ، وإن كان " الغربيب " إذا أطلق لفظه ولم يقيد بذكر شيء موصوف قلما يفهم منه العنب الذي هو اسمه خاصة ، فمن ثم حسن التقييد .

التالي السابق


الخدمات العلمية