الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

مسألة في المرابطة بالثغور أفضل أم المجاورة بمكة؟

وأما ما يظنه بعض الناس من أن الخروج بأهل مكة في رمضان أو غيره إلى الحل للاعتمار; وهو المراد بقوله - صلى الله عليه وسلم - : "عمرة في رمضان تعدل حجة معي" ، حتى صار المجاورون وغيرهم يحافظون على الاعتمار من أدنى الحل أو أقصاه ، كاعتمارهم من التنعيم التي بها المساجد التي يقال لها مساجد عائشة ، أو من الحديبية والجعرانة فكل ذلك غلط عظيم ، مخالف للسنة النبوية ولإجماع الصحابة . فإنه لم يعتمر النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا أبو بكر ولا عمر ولا عثمان ولا علي ولا أمثالهم من مكة قط ، لا قبل الهجرة ولا بعدها ، بل لم يعتمر أحد من المسلمين على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - منمكة إلا عائشة فقط ، فإنها قدمت متمتعة ، فحاضت ، فمنعها الحيض من الطواف قبل الوقوف بعرفة ، فسألت النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يعمرها بعد الحج ، ثم بعد ذلك بنيت هذه المساجد التي هناك ، وقيل لها : مساجد عائشة . [ ص: 342 ]

وأما عمرة الحديبية فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - أهل هو وأصحابه من ذي الحليفة ، ثم حلوا بالحديبية لما صدهم المشركون عن البيت ، فكانت الحديبية حلهم لا ميقات إحرامهم . وهذا متواتر يعلمه عامة العلماء وخاصتهم ، وفي ذلك أنزل الله : وأتموا الحج والعمرة الآيات باتفاق العلماء .

وأما عمرة الجعرانة فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما قاتل هوازن بوادي حنين الذي قال الله فيها : ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثم وليتم مدبرين ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وأنزل جنودا لم تروها وعذب الذين كفروا وذلك جزاء الكافرين ثم يتوب الله من بعد ذلك على من يشاء والله غفور رحيم . وحاصر الطائف ونصب عليها بمنجنيق ، ولم يفتحها ، وقسم غنائم حنين بالجعرانة ، فلما قسمها دخل إلى مكة معتمرا ثم خرج منها; لم يكن بمكة فخرج منها إلى الحل ليعتمر كما يفعل ذلك من يفعله من أهل مكة .

بل الصحابة رضي الله عنهم وأئمة التابعين لم يستحبوا لمن كان بمكة ذلك ، بل رأوا أن طوافه بالبيت أفضل من خروجه لأجل العمرة ، بل كرهوا له ذلك ، كما قد بسطنا هذه المسألة في غير هذا الموضع . [ ص: 343 ]

والمقصود هنا أن من العلماء من كره المجاورة بمكة لما ذكر من الأسباب وغيرها ، ولكن الجمهور يستحبونها في الجملة إذا وقعت على الوجه المشروع الخالي عن المفسدة المكافئة للمصلحة أو الراجحة عليها .

قال الإمام أحمد ، وقد سئل عن الجوار بمكة ، فقال : وكيف لنا [به] ، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : "إنك لأحب البقاع إلى الله ، وإنك لأحب إلي" . وجابر جاور مكة ، وابن عمر كان يقيم بمكة .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث