الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
ويبين ما قدمناه أن من استقرأ أخبار الأمم -علمائها وعوامها- [ ص: 56 ] لم يجد أحدا متمسكا بتوحيد الله وعبادته وحده لا شريك له إلا من كان متبعا للأنبياء جملة وتفصيلا ، ومن أعرض عن الأنبياء فلا بد أن يشرك ، حتى المنافقين من هذه الأمة لا يجد من أعرض عن اتباع حقيقة الدين في الباطن إلا ولا بد أن يشرك ، إلا ما شاء الله . وأن اتباع الوحي لا بد فيه من فطرة بها يعقل ويفقه ، وأن الهدى متوقف على صلاح الفطرة والشرعة ، فلذلك عمد الشيطان من بني آدم ، فاجتالهم تارة عن الفطرة ، وزين لهم تارة تحريف الشرعة ، وغرهم عن الفطرة الصحيحة السليمة بالقياس الفاسد الذي قد يسمونه معقولا وإن لم يكن ، وعن الوحي المنزل بالتحريف الذي يسمونه تأويلا وإن كان فاسدا .

وذلك أن العلوم لبني آدم نوعان :

نوع يختص الله به من يشاء من عباده ، كما يوحيه إلى الأنبياء . ونوع مشترك ، ينال بالتعاطي ، كالعلوم النظرية الحساب ونحوه .

وكل واحد من المختص والمشترك منه ما يحصل في القلب بواسطة دليل ، ومنه ما يحصل لا بواسطة دليل ، كالعلوم المشتركة التي لا تقف على دليل كالبديهية والحسية ، والتي تفتقر إلى دليل هي النظرية . والمختصة التي تقف على دليل قد يكون دليلها أيضا مختصا ، وقد لا يكون مختصا ، وإنما درك العلم به هو المختص .

وأما المختصة التي لا تقف على دليل فهو ما يوحيه الله إلى قلب من يشاء من عباده بلا دليل أصلا ، بل تكون للخاصة بمنزلة البديهية للعامة . [ ص: 57 ]

وزعم فريق من المتفلسفة أن علوم الأنبياء المختصة لا بد لها من وسط ، وإنما خاصتهم درك وسط لا يدركه غيرهم ، وأن الحدس هو درك الوسط ، ثم الانتقال منه إلى المطلوب ، بخلاف التفكر فإنه تصور المطلوب أولا ثم طلب الوسط .

وهؤلاء بنوا هذا على أصلهم الفاسد في أن النبوة كمال علمي وعملي من جنس كمال النوع المكتسب ، لكنه أرفع درجاته ، وأن النبوة ليست خارجة على القوى المعتادة ، ولا هي تنزيلا خاصا من عند الله إلى من يختصه بمشيئته . ولم يعلموا أن لا مانع من أن يكون للنبي علم بديهي مختص لا يقف على دليل أصلا ، بل هذا يكون لغير النبي ككثير من الأولياء ، فكيف بما يكلم الله به النبي أو ينزل به إليه الملك؟

ثم هؤلاء يزعمون انحصار العلم في القياس ، ولعمري إن القياس لطريق صحيح إذا استعمل على وجهه ، لكن لم تنحصر طرق العلم فيه ، فوقع عليهم من استعماله حيث لا يمشي ومن نفي ما سواه وهو الحق .

ثم إن كثيرا من متكلمي أمتنا وغيرهم من أتباع الأنبياء أقروا بطريق القياس ، لكن شركوهم في القياس الفاسد ، فصار القياس طريقا لهم في كثير من العلم الإلهي ، وضعف علمهم وإيمانهم بآثار المرسلين ، فقابلوها إما بالرد والتكذيب ، وإما بالتحريف والتأويل ، [ ص: 58 ] معتمدين -زعموا- على ما أوجبه ذلك القياس العقلي . وبإحكام دلالات الوحي والقياس يبين الحق من الباطل .

ولست أعني بالقياس هنا مجرد قياس التمثيل الذي هو تشبيه أمر معين بأمر معين إما بجامع وإما بغير جامع ، وإن كان كثير من فقهائنا يزعم أن هذا هو القياس ، وأن ما سواه قياس مجازا; ولا مجرد قياس التأصيل الذي هو إدراج الخاص [تحت] العام ، كقولنا : كل مسكر خمر ، وكل خمر حرام ، وإن كان طائفة من متكلمينا وفقهائنا يزعم أن هذا هو القياس ، وأن ما سواه باطل . بل أعني به ما هو أعم من ذلك على ما تقتضيه اللغة ، فإن جميع هذا قياس . وتسمية الأول قياسا ظاهر ، إذ القياس تقدير الشيء بنظيره ، كما يقال : قست الجراحة بالميل ، وقست الأرض أو الثوب بالذراع . وأما الثاني فلأن الخاص إذا أدرجته تحت المعنى العام فلا بد أن يقوم في ذهنك عام مطابق لتلك الأعيان الموجودة وأنت تطلب مماثلة تلك الأعيان الموجودة بذلك المثال المعلوم القائم في قلبك الذي هو مقياس تلك الأعيان ، وهو عام باعتبار شموله لكل منها .

وهذا العلم هو من لوازم الإنسان وبه [تدرك] العلوم العامة الكلية ، فإذا لا يمكنك هذا القياس إلا بهذا العلم العام الكلي ، والشأن كل الشأن في حصول هذا العلم الكلي العام ، فإن المعلوم إذا لم يكن له نظائر يرتسم بمعرفة الواحد منها مثال في الذهن يوزن به سائرها ، ولا كانت حقيقته مما يمكن أن تتعدد ، حتى يأخذها العقل كلية ، وإن لم تكن في الوجود متعددة ، بل كانت حقيقته لا متعددة ولا قابلة للتعدد ، بل هو الأحد الذي لا أحد غيره ، كيف يمكن أن يعلم [ ص: 59 ] هذا الذات بالقياس العقلي أبدا؟ ولهذا قال ابن عباس ........

فتبين أن خواص الرب سبحانه لا تعلم بالقياس الكلي الذي يسميه المتكلمون الدليل العقلي . بل قد تعلم بالقياس الأمور المشتركة بينه وبين غيره ، لدخولها تحت القياس . ولهذا كان عامة ما يدركه أهل القياس من معرفة الأمور السلبية أو الإضافية أو المشتركة منهما ، لأن نفي الأمر عنه هو حكم على ذلك الأمر بالعدم ، وذلك الأمر المعدوم يدخل تحت القياس الكلي ، وكذلك إضافة أمر إليه هي حكم على ذلك المضاف باستلزام الإضافة إلى أمر ما ، وذلك المضاف يدخل تحت القياس والأمر بالمعدومات ، وأما علم [الصفات] التي هي خواصه فتعلم تارة بالفطرة العامة المشتركة بين الخلق ، وتارة بالهداية الخاصة التي يمتاز بها المؤمنون ، وتارة بالتعريف الخاص الذي يختص به علماء المؤمنين ، وتارة بالوحي الذي يمتاز به الأنبياء ، وكل من هذه الأقسام فأهله فيه على درجات غير محصورة لنا . فهذا أصل ينبغي ضبطه .

التالي السابق


الخدمات العلمية