الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
[ ص: 40 ] واليهود والنصارى فيهم معطلة وممثلة ، وإن كان الغالب على خاصتهم التعطيل ، فلذلك كانت المعطلة فينا أكثر من الممثلين ، حتى إن المعطلة يكثر وجودهم ، والممثلة لا يكاد يوجد منهم إلا الواحد بعد الواحد في الأحايين .

فلما حدثت بدعة التعطيل والتمثيل أنكر ذلك فقهاء التابعين ، وكذلك من بعدهم من العلماء ورثة الأنبياء وأئمة المتقين ، وكان ذلك عندهم أعظم من جميع بدع المبتدعين ، حتى أعظم السلف أمر الجهمية ونحوهم وكفروهم ، وإن كانوا عن غيرهم متوقفين ، واحتاجوا لانتشار البدع إلى ضبط السنن الدامغة للمبتدعين ، وكان أسعد الناس بهذه الوراثة أصحاب الكتاب والآثار المأخوذة عن سيد المرسلين -وهم أهل القرآن والحديث- الباحثين في كل باب في العلم عن آثار الصحابة والتابعين ، العالمين بصحيحه وعليله ، الفاهمين بمنطوقه ودليله ، السالكين سبيل السابقين ، الذين أخبر بهم النبي - صلى الله عليه وسلم - حيث يقول : "يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله ، ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين" .

وكانوا هم أئمة الإسلام الذين هم قدوة المؤمنين ، بحيث كان [ ص: 41 ] أرباب هذه البدع في أيامهم أصاغر مقموعين ، [و] كانت دلائل الحق وآياته ظاهرة مشهورة لمن كان لها يستبين . فقتل برأيهم غيلان القدري والجعد بن درهم والجهم بن صفوان المعطلان ونحوهم من الظالمين .

إلى أن كان في أواخر المئة الثانية قل أولئك الهداة وكثر هؤلاء الغواة ، واستعوزوا إلى باطلهم بعض الولاة ، حتى ظهرت محنة الصفات في علماء المسلمين ، ودعوهم إلى القول بخلق القرآن ، إذ هو مفتاح جحود الصفات ، وأقرب من غيره إلى المبتدئين . وظهر في الإسلام ما لم يعهد مثله من الفتنة في الدين ، حتى عد الناس من قام به ما كان أسى وصبرا من العلماء ، ومن أطفأ شررها من الخلفاء دفعا بجراءة ، مفضلا على غيره من الأولين ، وانكسرت بذلك سورة أهل البدع ظاهرا ، ولكن في النفوس من طواياها كمين مكين .

وصار من أسباب الفتنة أن نقلة الآثار قل فيهم الفقه والعقل ، كما أن ذوي النظر والاعتبار ضعف علمهم بآثار النبيين ، ولن يتم الدين إلا بمعرفة الآثار النبوية والسلفية وفقه لما قصدوه من المعاني الدينية ، كما كان علماء السالفين ، وصار ذلك سببا لإعراض كثير من طلبة العلم من أعيانهم عن النظر في قواعد الدين .

وظهر في الدولة المعتصمية مقاربا للمحنة الجهمية من الطائفة الخرمية من يقول بتواتر النبيين جريا على منهاج الفلاسفة وسلوكا لسبيل الصابئين ، حتى جرت بينهم وبين المسلمين من الحروب ما هو مشهور عند المؤرخين . [ ص: 42 ]

وظهر بأثر ذلك من أبطن ذلك من القرامطة الباطنية والطائفة الإسماعيلية الذين كثر فسادهم على الخاصة والعامة للدنيا والدين .

التالي السابق


الخدمات العلمية