الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
[ ص: 356 ] فلما ثبت بالسنة المتواترة أن الجهاد يفضل مع العلم بأنه يقصر فيه الصلاة بقصر العمل الذي هو قصر العدد فإن قصر العدد سنة السفر ، وأما قصر العمل فسنة الخوف . ولهذا إذا اجتمع الأمران شرع القصر المطلق ، كما في قوله : وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا . والآية على ظاهرها; فإن القصر المطلق المتضمن لقصر العدد وقصر العمل إنما يكون مع الأمرين . وقد بينت السنة أن مجرد الخوف يفيد قصر العمل ، ومجرد السفر يفيد قصر العدد .

فهذا كله مما يبين أن الصلاة وإن كانت أفضل الأعمال فإنها إذا اجتمعت مع الجهاد لم يترك واحد منهما ، بل يصلى بحسب الإمكان مع تحصيل مصلحة الجهاد بحسب الإمكان . وقد قال تعالى : يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون . فأمر بالثبات والذكر معا .

وكانت السنة على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وخلفائه وأصحابه وخلفاء بني أمية وكثير من خلفاء بني العباس أن أمير الحرب هو أمير الصلاة في المقام والسفر جميعا .

وما ذكرناه يبين بعض حكمة كون النبي - صلى الله عليه وسلم - والمهاجرين كان مقامهم بالمدينة أفضل على أحد قولي العلماء; فإنهم كانوا بها مهاجرين [ ص: 357 ] مجاهدين مرابطين بخلاف مكة .

وهذا حيث كان الإنسان كذلك كان أفضل من المقام بالحرمين ، حتى إن مالكا رضي الله عنه -مع فرط تعظيمه المدينة وتفضيله لها على مكة وكراهية الانتقال منها- لما سئل عمن بدار وهو مقيم بالمدينة يأتي الثغور كالإسكندرية وغيره ، أجاب : بأن عليه أن يأتي الثغور; لأن المرابطة بالثغور أفضل من مقامه بالمدينة . وما زال خيار المسلمين من الصحابة والتابعين وتابعيهم من بعدهم من الأمراء والمشايخ يتناوبون الثغور لأجل الرباط ، وكان هذا على عهد أبي بكر وعثمان أكثر ، حتى كان عبد الله بن وغيره مرابطين .

وكان عمر من يسأله عن أفضل الأعمال إنما يدله على الرباط والجهاد ، كما سأله عن ذلك من سأله ، كالحارث بن هشام وعكرمة بن أبي جهل وصفوان بن أمية وسهيل بن عمرو وأمثالهم ، ثم كان بعد هؤلاء إلى خلافة بني أمية وبني العباس . ولهذا يذكر من فضائلهم وأخبارهم في الرباط أمور كثيرة .

وكانوا على طريقتين :

إحداهما : أن يرابط كل قوم بأقرب الثغور إليهم ، ويقاتلون من يليهم . كقوله : يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار .

وهذا اختيار أكثر العلماء كالإمام أحمد وغيره ، ولهذا كان أصحاب [ ص: 358 ] مالك كابن القاسم ونحوه يرابط بالثغور المصرية .

والطريقة الثانية : يجوزون الرباط بثغور الشام ونحوها بما فيه قتال النصارى . فكان عبد الله بن المبارك يقدم من خراسان فيرابط بثغور الشام ، وكذلك إبراهيم بن أدهم ونحوهما ، كما كان يرابط بها مشايخ الشام كالأوزاعي وحذيفة المرعشي ويوسف بن أسباط وأبي إسحاق الفزاري ومخلد بن الحسين وأمثالهم . وكان المسلمون قد فتحوا قبرص في خلافة عثمان ، وبقيت تحت حكمهم أكثر من ثلاثمائة سنة . وكانت "سيس" ثغر المسلمين ، و"طرسوس" كانت من أسماء الثغور ، ولهذا تذكر في كتب الفقه المصنفة في ذلك الوقت ، وتولى قضاءها أبو عبيد الإمام وصالح بن أحمد بن حنبل وغيرهما .

وكان ابن المبارك وأحمد بن حنبل وغيرهم يقولون : إذا اختلف الناس في شيء فانظروا ما عليه أهل الثغر ، فإن الحق معهم; لأن الله تعالى يقول : والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا .

التالي السابق


الخدمات العلمية