الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
وأما الوحي فكتاب الله ثم سنة رسوله ، ثم سيرة خير قرون هذه الأمة تشهد بأن الله ورسوله بين وهدى وشفى ، وأنه بلغ البلاغ المبين ، وبين باللسان العربي المبين ، وأنه لم يحل الخلق على غيره في هذا الباب ، ولا وكلهم إلى القياس الذي لا يجدي كما تقدم ، بل تولى بيان ما تحتاج إليه الأمة . وهذه جملة سيأتي -إن شاء الله- تفصيلها . [ ص: 60 ]

ثم لما كان للقياس على العقول سلطان عظيم إذا لم يهتد إلى مواقفه ومجاريه ، وللوحي في القلوب برهان عظيم لعلمها بما اشتمل عليه ، ورأى أكثر الخلق أن بين مقتضى القياس والوحي تعارضا بينا وتنافيا واضحا ، تحزب الناس هنا فرقا :

فريق غلب عليهم معرفة القياس دون الأثارة ، فاتبعوا موجبه ، ثم ردوا ما بلغهم من الأثارة أو تأولوها .

وفريق غلب عليهم معرفة الأثارة ، ورأوا للقياس وأهله سلطانا عظيما ، فأحجموا عن النظر فيه ومفاوضة أهله ، صونا لأبصارهم من العمى ولقلوبهم من الحيرة . وهؤلاء أحسن حالا ، بل هم على نهج سلامة .

وفريق أعرضوا عن تدبر هذا والنظر في هذا ، وشغلوا نفوسهم بغير هذا .

وفريق قوي إيمانهم بالأثارة ، وأحسوا بسوء حال أهل القياس ، فذموهم وعابوهم على طريق الإجمال ، وإن لم يستطيعوا فك أقيادهم ولا تذليل قيادهم ، وهذه حال كثير من علماء الأثارة ، وهي حال حسنة ، وإن كان قد ترتب عليها الجور أحيانا ، لكن من كان [من] هؤلاء سببا لدلالة الأثارة نافيا عنها تحريف المخالفين كان من علماء الدين ، وإن كان دفعه للمعارض إجماليا . [ ص: 61 ]

وفريق فوق هؤلاء ، آمنوا بالأثارة ، ثم أوتوا من الهداية الخاصة ما علموا به فساد القياس تفصيلا ، فزالت عنهم المعارضات بالكلية ، ومنهم من يرفع إلى هداية يدرك بها حقيقة بعض ما جاءت به الآثار ، فيكون ذلك مثبتا لفؤاده .

ثم هذه الطرق قد تنفصل في المسائل ، فكثير من أرباب القياس قد خلص إليه من الأثارة ما لا يمكن دفعه ، فكان حكمه في ذلك حكم أرباب الأثارة في غيره ، فربما أخذ يؤيد بالقياس ما جاءت به الأثارة ، وإن كان لولا مجيء الأثارة لم يطمئن إلى موجب القياس .

وقوم منهم ضعف علمهم أو إيمانهم بالأثارة حتى نأوا عن الهدى ، ثم عظم قدر الأنبياء في قلوبهم بكمال التخيل في دعوة الخلق بضروب الاستعارات وأنواع الإشارات . ولا يشك لبيب أن الموغلين في القياس إذا طرق سمعهم جمهور ما جاءت به الأثارة بقوا متحيرين كما يخبرون به عن نفوسهم ، فإن القياس أيضا يقضي باستحالة اجتماع هذه الأثارة وهذا القياس ، فصار القياس يقضي بفساد القياس .

التالي السابق


الخدمات العلمية