الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
[ ص: 111 ] ولهذا قال الفقهاء : يستحب الاستسقاء بأهل الصلاح والدين ، والأولى أن يكونوا من أهل بيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، اقتداء بعمر لما استسقى بالعباس . ولو كان توسلهم في حياته هو إقساما به على الله وتوسلا بذاته من غير أن يدعو لهم ، لأمكن ذلك بعد مماته ، ولكان توسلهم به أولى من توسلهم بالعباس . ولكن إنما كانوا يتوسلون بدعائه ، كما ثبت ذلك في الصحاح أنهم توسلوا في الاستسقاء بدعائه . وفي صحيح البخاري عن ابن عمر قال : ربما ذكرت قول الشاعر :


وأبيض يستسقى الغمام بوجهه ثمال اليتامى عصمة للأرامل



ولم يقل أحد من المسلمين إنهم كانوا في حياته يقسمون به ويتوسلون بذاته ، بل حديث الأعمى الذي رواه أحمد والنسائي وابن ماجه والترمذي وغيرهم ، ألفاظه صريحة في أن الأعمى إنما توسل بدعاء النبي - صلى الله عليه وسلم - ، كما قد بسطت ألفاظه في موضع [ ص: 112 ] آخر . وفي أول الحديث أن الأعمى سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يدعو الله أن يرد إليه بصره ، فهو طلب من النبي الدعاء ، فأمره النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يتوضأ ويصلي ركعتين ، ويقول : "اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة ، يا محمد يا رسول الله إني أتوسل بك إلى ربي في حاجتي لتقضيها ، اللهم فشفعه في" . وفي رواية ثانية رواها أحمد والبيهقي وغيرهما : "اللهم شفعه في وشفعني فيه" .

فلما سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يدعو أمره أن يدعو هو أيضا . كما قال له ربيعة بن كعب الأسلمي : أسأل مرافقتك في الجنة ، فقال : "أعني على نفسك بكثرة السجود" . فإن شفاعة النبي - صلى الله عليه وسلم - وسؤاله الإنسان قد يكون مشروطا بشروط ، وقد يكون هناك مانع ، كاستغفاره للمنافقين .

فدعاؤه من أعظم الأسباب في حصول المطلوب ، ولكن السبب قد يكون له شروط وموانع ، فإذا كان إبراهيم قد استغفر لأبيه فلم يغفر له ، وقيل للنبي - صلى الله عليه وسلم - في المنافقين : سواء عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم لن يغفر الله لهم ، وقيل له : ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره ، لم يمنع ذلك أن يكون دعاء [ ص: 113 ] إبراهيم ومحمد عند الله أعظم الدعاء إجابة ، وجاههما عند الله أعظم جاه للمخلوقين ، وهما الخليلان ، وهما أفضل البرية . لكن الدعاء وإن كان سببا قويا فالكفر مانع معارض ، فإن الله لا يغفر أن يشرك به ، وقد حرم الجنة على الكافرين والمنافقين وإن استغفر لهم محمد وإبراهيم ، لوجود المانع لا لنقص جاه الشفيع العظيم القدير .

وكذلك ثبت عنه في الصحيح أنه قال : "استأذنت ربي في أن أستغفر لأمي فلم يأذن لي ، واستأذنته في أن أزور قبرها فأذن لي" .

وقد قال تعالى : ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم ، ثم اعتذر عن إبراهيم بقوله : وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه إن إبراهيم لأواه حليم .

فهو - صلى الله عليه وسلم - قال لربيعة : "سل" ، قال : أسأل مرافقتك في الجنة ، فقال : "أوغير ذلك"؟ فقال : بل هو ذاك ، قال : "أعني على نفسك بكثرة السجود" . فإن المطلوب عال لا ينال بمجرد الدعاء ، بل لا بد من عمل صالح يكون من صاحبه ، يكون عونا للداعي ، فقال : "أعني على نفسك بكثرة السجود" . [ ص: 114 ]

كذلك أمر الأعمى -لما طلب منه الدعاء له قل : اللهم - أن يعينه هو أيضا بصلاته ودعائه ، وقال : "صل ركعتين ثم إني أسألك وأتوسل إليك بنبيك محمد نبي الرحمة" أي بدعاء نبيك وشفاعته . كما قال عمر : "كنا نتوسل إليك بنبينا ، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا" .

ومعلوم أنهم إنما توسلوا بدعاء العباس ، كما كانوا يتوسلون بدعاء النبي - صلى الله عليه وسلم - . وهذا فعله عمر بين المهاجرين والأنصار عام الرمادة ، ولم ينكره أحد ولم يقل له : بل التوسل بذات النبي أو الإقسام به مشروع ، فلم يعدل عن التوسل بالرسول إلى العباس؟

فلما أقروا عمر على ذلك ولم ينكره أحد علم أن ما فعله عمر وأصحابه معه هو المشروع دون ما يخالفه .

وكذلك أمر الأعمى أن يتوسل بدعائه وشفاعته ، ويدل على ذلك قوله في آخر الحديث : "اللهم فشفعه في" ، علم أنه كان يدعو ويشفع له ، وأن الأعمى إنما توسل بدعائه وشفاعته ، وإلا فكان يقول : "اللهم وهذا شفاعة النبي - صلى الله عليه وسلم - " .

التالي السابق


الخدمات العلمية