الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
وكذلك أيضا روي : "إن رهبانية هذه الأمة : الجهاد في سبيل الله" . إذ لا رهبانية في الإسلام ، وأما ما ذكره في كتابه أن النصارى [ ص: 372 ] ابتدعوا الرهبانية فقد نهانا الله ورسوله عن البدع .

وثبت عنه في صحيح مسلم وغيره عن جابر أنه كان يقول في خطبته : "إن أصدق الحديث كلام الله ، وخير الهدي هدي محمد ، وشر الأمور محدثاتها ، وكل بدعة ضلالة" .

وثبت عنه في السنن الحديث الذي صححه الترمذي عن العرباض بن سارية قال : وعظنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - موعظة بليغة فقال رجل : يا رسول الله! كأن هذه موعظة مودع فماذا تعهد إلينا؟ فقال : "أوصيكم بالسمع والطاعة فإن من يعش منكم سيرى بعدي اختلافا كثيرا ، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين ، تمسكوا بها ، وعضوا عليها بالنواجذ ، وإياكم ومحدثات الأمور; فإن كل بدعة ضلالة" .

فكيف بما نهى الله عنه ورسوله من العبادات المبتدعة؟ كما أخرجا في الصحيحين -واللفظ لمسلم- عن أنس بن مالك أن نفرا من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - سألوا أزواج النبي عن عمله في السر؟

فقال بعضهم : لا أتزوج النساء . وقال بعضهم : لا آكل اللحم .

وقال بعضهم : لا أنام على فراش . فحمد الله وأثنى عليه فقال : "ما بال أقوام قالوا كذا وكذا؟ لكني أصلي وأنام ، وأصوم وأفطر ، وأتزوج النساء ، فمن رغب عن سنتي فليس مني"
. [ ص: 373 ]

ولفظ البخاري : جاء ثلاثة رهط بيوت أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - يسألون عن عبادة النبي - صلى الله عليه وسلم -; فلما أخبروا كأنهم تقالوها! فقالوا : وأين نحن من النبي - صلى الله عليه وسلم - قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر؟ فقال أحدهم : أما أنا فإني أصلي الليل أبدا . وقال الآخر : أنا أصوم الدهر أبدا .

وقال الآخر : أنا اعتزل النساء فلا أتزوج . فجاء رسول الله [فقال] : "أنتم الذين قلتم كذا وكذا ، أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له ، لكني أصوم وأفطر ، وأصلي وأرقد ، وأتزوج النساء ، فمن رغب عن سنتي فليس مني"
.

وفي الصحيحين عن سعد بن أبي وقاص قال : رد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على عثمان بن مظعون التبتل ، ولو أذن له لاختصينا .

وفي صحيح البخاري وغيره عن ابن عباس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - رأى رجلا قائما في الشمس فقال : ما هذا؟ فقالوا : هذا أبو إسرائيل ، نذر أن يقوم في الشمس ولا يجلس ولا يستظل وأن يصوم ، فقال : "مروه فليجلس ، وليستظل وليتكلم وليتم صومه" .

فلما كان هذا الناذر نذر ما هو سنة وما هو بدعة أمره بالوفاء بالسنة دون البدعة ، كما في صحيح البخاري عن عائشة رضي الله عنها عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : "من نذر أن يطيع الله فليطعه ، ومن نذر [ ص: 374 ] أن يعصي الله فلا يعصه" .

وهذا متفق عليه بين أئمة الدين ، لكن تنازعوا هل عليه كفارة يمين أو نذر ما ليس مشروعا; بعد اتفاقهم على أنه لا يفعله؟

فقيل : لا شيء عليه ، وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي وغيرهما لأنه ليس في هذا الحديث وغيره أنه أمر له بالتكفير .

وقيل : بل عليه كفارة يمين ، وهو ظاهر مذهب أحمد ، لما ثبت في صحيح مسلم عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : "كفارة النذر كفارة يمين" . وفي السنن عنه أنه قال : "لا نذر في معصية وكفارته كفارة يمين" .

وقد ثبت في الصحيح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : "أفضل الصيام صيام داود ، كان يصوم يوما ويفطر يوما ، وأفضل القيام قيام داود كان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه وينام سدسه" . وقد استفاض عنه في الصحيح أنه نهى عن مداومة الصيام والقيام وقراءة القرآن في أقل من ثلاث . وأمثال ذلك من النصوص التي تبين ما بعث الله به رسوله من الحنيفية السمحة . كما جاء في الحديث : "أحب الدين إلي الحنيفية السمحة" . [ ص: 375 ]

وفي الصحيح عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : "إن هذا الدين متين وإنه لن يشاد الدين أحد إلا غلبه ، واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة ، والقصد القصد تبلغوا" .

وفي الصحيحين عنه أنه قال : "اكلفوا من العمل ما تطيقون; فإن الله لا يمل حتى تملوا" .

وفي السنن عنه أنه قال : "لكل عامل شرة وفترة ، فمن كانت فترته إلى سنة فقد اهتدى ، ومن أخطأها فقد ضل" . وفي لفظ : "ولكل شرة فترة; فإن [كان] صاحبها سدد وقارب فارجوه ، وإن أشير إليه بالأصابع فلا تعدوه" .

فقيل للحسن البصري لما روى هذا الحديث : "إنك إذا مررت بالسوق فإن الناس يشيرون إليك؟ فقال : "لم يرد ذلك ، وإنما أراد المبتدع في دينه والفاجر في دنياه" . وهو كما قال الحسن رضي الله عنه ، فإن من الناس من يكون له شدة ونشاط وحدة واجتهاد عظيم في العبادة ، ثم لا بد من فتور في ذلك . وهم في الفترة نوعان :

منهم : من يلزم السنة فلا يترك ما أمر به ، ولا يفعل ما نهي عنه بل يلزم عبادة الله إلى الممات; كما قال تعالى : واعبد ربك حتى يأتيك اليقين ، يعني الموت ، قال الحسن البصري : لم يجعل [ ص: 376 ] الله لعباده المؤمنين أجلا دون الموت .

ومنهم : من يخرج إلى البدعة في دينه أو فجور في دنياه حتى يشير إليه الناس ، فيقال : هذا كان مجتهدا في الدين ثم صار كذا وكذا . فهذا مما يخاف على من عدل عن العبادات الشرعية إلى الزيارات البدعية . ولهذا قال أبي بن كعب وعبد الله بن مسعود : "اقتصاد في سنة خير من اجتهاد في بدعة" .

ومع هذا فجنس الجهاد أفضل ، بل قد روى أبو هريرة رضي الله عنه قال : مر رجل من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بشعب فيه عيينة من ماء عذبة فأعجبته . فقال : لو اعتزلت الناس ، فأقمت في هذا الشعب ، ولن أفعل حتى أستأذن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فذكر ذلك لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : "لا تفعل فإن مقام أحدكم في سبيل الله أفضل من صلاته في بيته سبعين عاما ، ألا تحبون أن يغفر الله لكم ويدخلكم الجنة; اغزوا في سبيل الله ، من قاتل في سبيل الله فواق ناقة وجبت له الجنة" . قال الترمذي : حديث حسن صحيح . وفواق الناقة : ما بين الحلبتين .

التالي السابق


الخدمات العلمية